الملحق الثقافي

الثقافة الخلاقة تقهر الإرهاب

جانب من مبنى معهد العالم العربي في باريس (أرشيفية)

جانب من مبنى معهد العالم العربي في باريس (أرشيفية)

جبريل جالو ــ باريس (الاتحاد الثقافي)

الدكتور معجب الزهراني، عرفته الجماهير العربية والفرنسية كاتباً وناقداً في الأدب والفكر، جاب قارات كوكبنا، محاضراً ومحكماً في مسابقات أدبية، وأستاذاً جامعياً؛ من جامعة الملك سعود إلى جامعة السوربون. ومن الإمارات العربية المتحدة إلى المغرب، سطر الزهراني في أذهان من عرفوه طيلة ثلاثة عقود ذكريات لا تأتي عليها عوامل التعرية ولا ينال منها النسيان. شكلت رواية الدكتور الزهراني التي سماها «الرقص» إضافة نوعية إلى الأدب العربي الحديث. والزهراني ليس «خريج» فرنسا «اللغة» لكنه تلميذ «فرنسا» الأفق الثقافي والحضاري الأكثر تقدماً وإيجابية في الثقافة الإنسانية، وإن كنا قد اعتدنا أن يجنح كبار المثقفين العرب نحو الفكر الفلسفي أو التحليلي التأملي من خلال محوري الدراسات والنقد، فأنا أزعم أن توجه الدكتور معجب الزهراني «الفكري» يبدأ من روايته الرائعة «الرقص».
هذا ما كتبه عبد الله سعيد عبد الله باخشوين في مقال بجريدة «الرياض» تحت عنوان «الرقص على طريقة معجب الزهراني». قبل أن يضيف «الذات الإبداعية لمعجب.. هي نتاج «تربية» تأملية، وجدل فكري اجتماعي فلسفي، وليست وليدة «حياة إبداعية».
وشاءت الأقدار أن تنتقل خبرة الرجل وبديهته وجدُه وإخلاصه إلى فضاء يخدم فيه الثقافة من بابها الواسع، حيث يدير معهد العالم العربي في باريس، ذلك الصرح الكبير الذي يطلق عليه الزهراني اسم: جامعة شعبية مفتوحة يرتادها الملايين. استقبلنا الدكتور معجب الزهراني في مكتبه في باريس، وكان هذا الحوار:

* قال السيد جاك لانغ، رئيس معهد «العالم العربي بباريس، في مقابلة سابقة مع «الملحق الثقافي» لجريدة «الاتحاد»: إن من بين المشاريع التي سيشرف على تطويرها الدكتور معجب الزهراني، المدير الجديد لمعهد العالم العربي، مشروع الترجمة «العربية الفرنسية»، فهل انطلق القطار مع مباشرتك إدارة المعهد؟

** في البدء؛ أتقدم بجزيل الشكر لـجريدة «الاتحاد» وملحقها الثقافي على هذه المبادرة. كما تعلمون وصلت حديثاً لإدارة معهد العالم العربي في باريس، وأريد أن أكون صريحاً وواضحاً في إجابتي، فأنا قادم من الحقل الأكاديمي والثقافي كما يعلم كثيرون، وطموحات الإنسان ومشاريعه لا تنفصل عن خبراته ومساراته السابقة، وبما أنني اشتغلت في هذه البيئة مدة ثلاثة عقود معلماً وباحثاً، فقد حظيت بعلاقات قيمة ووطيدة مع فاعلين ثقافيين في عموم الفضاء العربي الكبير، كما كانت لي تجربة تواصل مهمة في فرنسا مع الوسط ذاته. لهذا كله أقول إن الترجمة هي جزء من انشغالاتي العميقة، وأنا أسعى جاهداً، ومنذ اليوم الأول في موقعي الجديد إلى أمرين أساسيين: الأول أن تستمر الأنشطة المتنوعة والمهمة التي دأب المعهد على تقديمها منذ تأسيسه وحتى الآن، وثانيهما التطوير النوعي لبعض الفعاليات الثقافية والفنية، ومنها الترجمة حتماً، لأنها تمثل عملاً جدياً يساهم بشكل فعال متصل في تنويع جسور التواصل بين ضفتي المتوسط. نعم، لديَّ خطة طموحة في هذا الاتجاه بلورتها قبيل تسلمي العمل بداية سبتمبر الماضي، وقد حاورت رئيس المعهد السيد جاك لانغ بشأنها وتحمس لها، وآمل أن نبدأها بالإعلان عن مفاجأة سارة للجميع خلال وقت قريب.

* لكننا نسمع كثيراً أن الوضع المالي للمعهد ليس جيداً، فهل تتوقعون الذهاب بعيداً في تنفيذ خططكم الجديدة وتطوير برامجكم الطموحة؟
** من حقنا أن نفكر في الأجمل ونتوقع ما دون ذلك. السؤال وجيه تماماً، ولعلها فرصة ثمينة لأذكر كل المحبين للثقافة العربية وكل من تهمه صورة العرب في العالم بأن معهد العالم العربي مؤسسة مخصصة للثقافة العربية ولا يضاهيها أي مركز في العالم من هذا المنظور، ودعمه هو خدمة جليلة لثقافتنا وحضارتنا في حاضرة عالمية جذابة، مثل باريس، فالمعهد جامعة مفتوحة تعرض أجمل ما أنتجته الثقافة العربية بالأمس وما تنتجه اليوم وغداً، ولذلك أنتظر من كل الكرماء الذين يدركون أهميته ويؤمنون برسالته أن يدعموه بكل ما يستطيعون. فعلاً لا أفهم أن تكون لدينا هذه المؤسسة النبيلة الجميلة ثم نهملها عوضاً عن أن نضاعف ميزانيتها، وكم هي بسيطة فيما لو استيقظ الوعي وصح العزم لدى بعض المقتدرين الخيرين وهم كثر لحسن الحظ.

استشراف الأفق
* ماذا ينتظر الإنسان العربي والفرنسي والأوروبي من «معهد العالم العربي» في باريس وأنشطته؟
** «معهد العالم العربي» جزء من المؤسسات الناشطة في مجال دعم التعاون والتبادل الثقافي بين العالم العربي وفرنسا ومعها أوروبا والعالم عبرها، لكن ميزة المعهد هي كونه فضاء مفتوحاً يومياً للإنسان العادي القادم من بيئات وثقافات متنوعة، وحين يزور المعهد سريعاً ما يتحول من سائح عابر متفرج إلى شخص مشارك متفاعل قد يجد إجابات مقنعة لأسئلة طرحها أو طرحت عليه من قبل. الأحداث المأساوية كثيرة في عالم اليوم، ونصيبنا منها وافر لسوء الحظ، ولا بد أن كثيرين يتساءلون عن الأسباب ويستشرفون الأفق بالتوجه نحو الثقافة بمعناها الشامل. هنا يأتي دور المعهد ليقوم بدوره في التعريف بالجوانب الإيجابية من ثقافة عربية أنتجت حضارة عالمية، شعت فقادت ركب العلم والفكر والفنون لأكثر من أربعة قرون، ولا شيء يمنع أن تعود ذات يوم إلى الموضع المتقدم ذاته.
* بالنظر إلى أنشطة معهد العالم العربي فإننا نلاحظ غياب التوازن بين حضور الخليج العربي والمغرب العربي لماذا؟
** طرح عليَّ هذا السؤال غير مرة وعادة ما ألمح إلى أن هناك منطقاً للتاريخ والجغرافيا يفرض نفسه على الجميع، ولابد من احترامه؛ لكن من دون الارتهان له كلياً، فبلدان المغرب العربي ومصر والشام ارتبطت بفرنسا منذ بدايات القرن الثامن عشر، فيما لم يكن لبلدان الجزيرة العربية تواصل يذكر بفرنسا حتى عهد قريب. وطبيعي جداً أن يكون حضور الجزيرة العربية، ومعها العراق، ضعيف حتى في المستوى الوظيفي في المعهد. لكن ثقتي في الوحدة الحضارية العامة للفضاء العربي في مجمله تجعلني أرى الأمر من منظور آخر. فالمعهد يحمل اسم العالم العربي، وقد أُسس لخدمة جميع الجهات والتوجهات، وهو يقدم الإنتاج الثقافي العربي المتميز ككل، ويستحضر من منجزات التاريخ العربي الإسلامي أجملها وهذا هو الأهم. وهذا كله لا يمنع أنني سأحاول جهدي تحقيق التوازن المطلوب، خاصة أن فضاء الجزيرة العربية عموماً، والخليج العربي بشكل أخص، يشهد تحولات عمرانية كبيرة، وطفرات ثقافية رائعة، تثير اهتمام العالم كله، وحضوره هنا أو في أي مؤسسة مشابهة هو حضور مستحق ومشرف للجميع.

* الشرق والغرب كيف ينظران إلى بعضهما في اعتقادك؟
** حين تخرجت في جامعة الملك سعود وعينت معيداً، اخترت السفر لفرنسا وبالتحديد إلى جامعة السوربون، وذلك بعد قراءات كثيرة للأعمال الأدبية والفكرية الفرنسية، والتي أثارت إعجابي، فأقمت في باريس من مطلع ثمانينيات القرن الماضي لغاية مطلع التسعينيات، وأعددت رسالتي للدكتوراه حول صورة الغرب في الرواية العربية، ولأن الرواية عموماً من الأشكال الأدبية الجديدة نسبياً، فهي ذاتها تعد ثمرة للتواصل بين الشرق والغرب، وقد شاركت الأعمال المتميزة في كسر الصور النمطية للفضاءين بتقديم صورة خلاقة أقرب إلى واقع الحياة الإنسانية بكل تفاصيلها الغنية. نعم ، لا تزال بعض المنابر الإعلامية هنا وهناك تروج للمقولات المعلبة والجاهزة والأفكار المختزلة الفقيرة فتقدم صوراً مزيفة عن الجانبين، وهنا يأتي دور المثقفين والكتاب ليقدموا للجماهير صوراً أكثر عمقاً وجدّية وفاعلية لخدمة التواصل بين ضفتي المتوسط.

* عرفك رواد الثقافة العربية ناقداً في الأدب والفكر، إلى أن قدمت للمكتبة العربية رواية «رقص» فهل هذه الرواية ميلاد حلم قديم، أم أنها جاءت وليدة لحظة استجاب فيها القلم للخيال؟
** الحكايات المركزية لهذه الرواية كانت حاضرة في ذاكرتي وخيالي منذ زمن طويل، وفكرة الكتابة ظلت تراودني منذ الثمانينات على الأقل، وحينما واتت الفرصة التي أشرت إليها في مقدمة الرواية بادرت إلى تحقيق ذلك المشروع، واثقاً أن أجمل أحلامنا يستحق الحياة. وعلى مدار عام كامل كنت أكتب من الفجر حتى منتصف النهار، وبشكل يومي تقريباً، ثم بقيت عاماً آخر أراجع وأحذف وأعدل حتى بدت لي حكايات الماضي نصاً تخييلياً حديثاً وقادراً على التحليق من دون رعاية أو وصاية، وهنا توقف دوري. طبعاً الحكم على العمل فنياً وفكرياً متروك للقراء، لكن هناك نقاداً وأدباء معتبرين كتبوا عني وعن هذه الرواية بلغة احتفالية عالية، ولعلها فرصة ثمينة لأرد لهم بعض الجميل فأُهديهم وردة الشكر.

ظواهر العنف
* مع تنامي ظواهر العنف والتطرف والعنصرية والإرهاب، كيف تلعب الثقافة في نظرك دورها في الحد من هذه الظواهر وآثاره السلبية على الإنسان والمستقبل والتعايش؟
** الثقافة الخلاقة هي الوحيدة القادرة على مواجهة فكر التوحش والإرهاب والعنصرية، وغيرها من النزعات البدائية العنيفة، التي يفترض أن الإنسان ما استحق هذه التسمية إلا لأنه قد تجاوزها. وأعني بالثقافة هنا مفهومها العام الشامل للفكريات والعلميات والجماليات، وهي عادة ما تنحاز للكائن البشري البسيط الهش، وتزرع قيم المودة والمحبة والعطاء والعدالة وحماية الحقوق الفردية والجماعية وصيانة التعايش في ظل الاختلاف، ويفترض أن هذه الثقافة تحقق للفرد النجاح والسعادة، وأن تعوّد كلاً منا على أن يجاهد يومياً كي يرتقي بفكره وخلقه وذوقه، فلا يرهن ذاته لغرائز الموت ونزعات العداء أياً كان السبب. فالحوار وإن عزّ وصعب مركبه فإنه هو الطريق الوحيد للتعارف والتفاهم والتعاون بين البشر. أما ثقافة الكراهية والعنف بكل أشكالها ومبرراتها وغاياتها فلا يمكن أن تنتج عن تعقل وبصيرة، وهي عاجزة عن تحقيق أي هدف إنساني نبيل. ولأنني كتبت عن فكر التوحش وحذرت من ذرائعه الدينية والمذهبية غير مرة فإنني أرجو ممن يريد التوسع حول القضية أن يعود إلى بعض الدراسات في كتابي (مقاربات حوارية) وسيجد ابن حزم وابن رشد في انتظاره.

رواية الرقص
كتب الزهراني «رواية الرقص» على مدار سنة كاملة، آناء الليل وأطراف النهار، وكان حينها أستاذاً زائراً في جامعة السوربون العريقة، حيث نهل من معارفها عقداً من الزمن، بعد أن عشق الأدب الفرنسي، وامتلك زمام لغة «فيكتور هيجو»؛ لكنه كتب رواية الرقص للجمهور العربي بلغة المتنبي وأبي الفرج الأصفهاني والجاحظ وطه حسين ونجيب محفوظ، وهي أسماء بين أخرى، تسكن ذاكرة الدكتور الزهراني لكثرة ما قرأ عن هؤلاء العمالقة ودرّس إنتاجهم لأجيال عديدة.