الملحق الثقافي

الدين.. سؤال المعنى بديلاً لسؤال الحقيقة

الحقيقة ثابتة والمعنى متحرك (عمل للفنان إيجور مورسكي - أرشيفية)

الحقيقة ثابتة والمعنى متحرك (عمل للفنان إيجور مورسكي - أرشيفية)

سعيد ناشيد

عندما نبتغي ممارسة البحث الفلسفي في قضايا الدين، نجد أنفسنا أمام مقاربتين اثنتين، لكل واحدة منهما معاييرها الخاصة من حيث البحث والتقييم:
1- مقاربة أولى، تروم دراسة الدين انطلاقاً من وجهة نظر الحقيقة، حيث يتمّ فحص المعطيات للتأكد من مدى صحتها، والنظر إلى مستوى تناسقها الدّاخلي، ودرجة تطابقها مع الوقائع الحسية، ونحو ذلك. وهي مقاربة تسمح على وجه العموم باتخاذ موقف من الدين باستحضار ثنائية الحقيقة والوهم، الصدق والكذب، الواقع والخيال. ولا يخفى أن هذا النوع من الدراسة قد يُستثمر في نهاية المطاف لفائدة الاصطفاف ضمن أحد الخيارات العقائدية، كالإيمان أو الإلحاد أو الشك أو اللاّأدرية أو نحو ذلك من مختلف المواقف الدينية. وأحياناً قد لا يتورّع صاحب مقاربة الحقيقة عن تفكيك المعطيات الدينية نفسها وإعادة بنائها إمّا بغية نقد الدين بافتراض بطلانه، أو لغاية إنقاذ الإيمان بافتراض صلاحيته، أو كليهما معاً في بعض الأحيان، بمعنى، التضحية بالدين لإنقاذ الإيمان مثلما كان يفعل بعض أهل النظر الصوفي. في كل الأحوال يبقى معيار دراسة الدين هنا هو معيار الحقيقة.
2- مقاربة ثانية، تروم دراسة الدين ليس باعتماد وجهة نظر الحقيقة وإنّما باعتماد وجهة نظر المعنى، وهي مقاربة لا تقود إلى اتخاذ أي موقف عقائدي من الدين على أساس الحقائق الكامنة فيه، سواء بالتصديق أو التكذيب، فلا يهمّها الإيمان أو عدمه، وإنما يهمها أن تستنبط من المضامين الدينية – وهي مضامين ذات خلفية سردية في الغالب- بعض المعاني الممكنة والملهمة للوعي الإنساني الرّاهن. فالمؤكد أن داخل كل فكرة مهما بلغت بساطتها، داخل كل حكاية مهما بدت تفاهتها، داخل كل حلم مهما كانت سذاجته، ثمة ما هو خالد وأبدي لأنّه متجدد على الدّوام. يتعلق الأمر بالمعاني الكامنة والممكنة. في كل سطح ثمة عمق قد لا يظهر سريعاً. أحياناً قد يمضي زمن طويل قبل أن يتيح لنا السطح النّفاذ إلى الأعماق. إن شذرات بارمنيدس التي كانت تبدو أمام عقول القدامى مجرّد خيالات خاطئة تبدو أمام عقولنا اليوم مفعمة بالمعاني الأشدّ عمقاً. في واقع الحال لا تكمن عبقرية الحلم في الحلم ذاته، وإنما في حبكة التأويل.
يصدق هذا القول أكثر ما يصدق على مجال اللاّشعور الجمعي، بمعنى أنه يصدق على الإنتاج الرّمزي الأكثر تعبيراً عن روح الجماعة: الأساطير والأعراف والأديان، بل حتى الإنتاجات الأدبية ذات الطابع الملحمي، من قبيل الإلياذة والأوديسة، وألف ليلة وليلة، والكوميديا الإلهية، إلخ.

بحثاً عن جودة المعنى
هكذا، وكما قلنا، ثمة مقاربة أولى تتمحور حول سؤال الحقيقة (مثلاً، هل حكاية برج بابل الواردة في «الكتاب المقدس» واقعة تاريخية أم لا؟)، وثمة مقاربة ثانية تتمحور حول سؤال المعنى (مثلاً، هل ثمة معان يمكن استخلاصها من رمزية البرج بنحو يلهم العقل الراهن نحو فهم الشرط الإنساني بشكل أفضل، وبصرف النظر عن وجود أو عدم وجود تطابق بين الرواية الدينية والتاريخ الفعلي؟
للتوضيح أكثر، إذا تناولنا ملحمة جلجامش على سبيل المثال، فأمامنا نفس المقاربتين: مقاربة أولى، بموجبها نقوم بدراسة الملحمة انطلاقاً من وجهة نظر الحقيقة، فنتساءل من ثمة مثلاً، هل حدث أن وُجد ملك اسمه جلجامش؟ هل ذهب ذلك الملك فعلاً في رحلة البحث عن عشبة الخلود؟ هل الثور السماوي حقيقة أم مجرد خرافة؟ إلخ. هذه المقاربة تفضي في النهاية إما إلى التصديق بكل تبعاته الطقوسية والشعائرية والسلطوية، وإما إلى التكذيب بكل أبعاده الطقوسية والشعائرية والسلطوية. من المرجح أن يكون الكثيرون في حضارة بلاد الرّافدين في زمن الأساطير قد خضعوا لثنائية التصديق والتكذيب. وهو ما كانت تقتضيه الأحوال. إلا أن تلك المقاربة لم تصمد أمام صيرورة التاريخ، ولم تنجح في المحافظة على قدرة الملحمة على مخاطبة كل الأجيال والعقول، لأنّ الحقائق ليست خالدة، لكن وحدها المعاني قد تكون خالدة ما دامت ثمرات متجددة لإبداع إنساني متواصل. من حسن الحظ -وهذا ما يمنح للملحمة قيمتها- أن المقاربة الثانية لا تكترث بسؤال الحقيقة وإنما تهتم بسؤال المعنى. ما المعاني الوجودية والحياتية التي يمكننا استنباطها من ملحمة جلجامش بنحو يلهم العقل الرّاهن؟ هنا لا تهمنا حقيقة وجود جلجامش وأنكيدو بقدر ما تهمنا معاني الصداقة بينهما مثلاً، والرغبة في تحقيق الاعتراف المتبادل والمتكافئ كقضية إنسانية. لا تهمنا حقيقة وجود بائعة الهوى التي روضت أنكيدو بعد أن كان وحشاً فصيّرته إنساناً، بقدر ما تهمنا معاني الحب ودوره في أنسنة الإنسان. لا تهمنا حقيقة عشبة جلجامش بقدر ما تهمنا بالأحرى معاني الحياة ومعركة الإنسان ضدّ الفناء، إلخ. بمعنى أوضح، لا تهمنا صحة الحقيقة، لكن تهمنا جودة المعنى.

فارق
كذلك الأمر بالنسبة للأديان، ثمة من يدرسها من وجهة نظر الحقيقة، وثمة من يدرسها من وجه نظر المعنى.. ما الفرق بين الحقيقة والمعنى؟ الفرق شاسع وكبير. مثلاً، فإن الحقيقة تكتسي طابعاً سلطوياً لأنّ وجودها مستقل عن إرادة ورغبة الإنسان الباحث عنها، لكن المعنى يكتسي طابعاً إبداعياً مرتبطاً بقدرات ومهارات الإنسان الباحث عنه. الحقيقة واحدة وثابتة في جوهرها، قد يراها البعض وقد يغفلها أو يغفل عنها البعض الآخر، أما المعنى فإنه متغير، متعدد، ومتنوع تبعاً لتنوع الخبرات الإنسانية. لذلك، يظل طريق الحقيقة محفوفاً بالعنف والتسلط والإقصاء، وطريق المعنى محفوفا بالتنوع والتعدّد والاختلاف.. هكذا يكون الانحياز للمعنى بدل الحقيقة انحيازاً للحياة في انفتاحها وتحرّرها. لعل هذا الإقرار يقربنا من فلسفة نيتشه. لكن مهلاً، ثمة ملاحظة لا ننوي القفز عليها.
لقد سبق للزمخشري أن فتح الباب من خلال أسلوبه في تفسير القرآن، أمام إمكانية إزاحة معيار الحقيقة الموضوعية عن محور بلاغة الخطاب القرآني واستبداله بمعيار المعنى المجازي، فالقوة البلاغية لمعظم قصص القرآن كما يرى ليست في مطابقتها للوقائع التاريخية، وإنما في قوة المعاني المجازية والدلالات الرّمزية التي تحملها. عموماً فتلك الحكايات هي من باب ضرب المثل. هذا ما يؤكده الذكر الحكيم في الكثير والكثير من الآيات: (وتِلْك الأمْثال نَضرِبها للنّاس ومَا يَعقلها إلاّ العَالمون) العنكبوت 43، (وتِلك الأَمْثال نَضرِبها للنّاس لعلّهم يَتفكّرُون) الحشر 21، (ويَضربُ الله الأمثالَ للنّاسِ لَعلّهم يتذكّرُون) إبراهيم 25، (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) الزمر27، إلخ. غير أن ثورة المعنى المجازي مع الزمخشري سرعان ما انكسرت، فأعقبها هوس التجسيم، والتشبيه، والتصديق الحرفي، والمطابقة المطلقة بين المضامين والوقائع. ما يعني بداية تدهور العقل النظري في الإسلام لفائدة العقل الحسي. لقد توفي الفيلسوف العربي ابن رشد في الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، لكن جثمانه حُمل ليُدفن في الضفة الشمالية، وكان ذلك الأمر بمثابة تعبير رمزي عن انتقال لواء العقل إلى الضفة الأخرى، مع الفلسفة الغربية تحديداً. وهذا مجاز من نوع آخر.
إن كانت الفلسفة المعاصرة قد انتقلت بفضل نيتشه من قبضة الحقيقة إلى بسطة المعنى، فيما يُعتبر ثورة داخل الفلسفة المعاصرة، فإن فلسفة الدين باعتبارها فرعاً من فروع الفلسفة المعاصرة، ستكون جزءاً من تلك الثورة التي استبدلت الحقيقة بالمعنى. لذلك، طبيعي أن تستبدل فلسفة الدين بدورها مفهوم الحقيقة الدينية بمفهوم المعنى الديني. أو هكذا يُفترض.
بمعنى آخر - وهذه خلاصة القول في آخر القول - فلسفة الدين مبحث يساعدنا اليوم على دراسة الأديان من وجهة نظر سؤال المعنى بدل سؤال الحقيقة. من خلال ذلك المبحث فإننا لا نسعى إلى التصديق أو التكذيب، وإنما نسعى إلى إبداع المعاني الأكثر جودة، والتي من شأنها أن تنمي العقل وتلهم الوجدان. إن التفكير نفسه هو بمثابة إبداع متواصل. وهذا مبحث آخر.

ثورة لم تكتمل
سبق للزمخشري أن فتح الباب من خلال أسلوبه في تفسير القرآن، أمام إمكانية إزاحة معيار الحقيقة الموضوعية عن محور بلاغة الخطاب القرآني واستبداله بمعيار المعنى المجازي، فالقوة البلاغية لمعظم قصص القرآن كما يرى ليست في مطابقتها للوقائع التاريخية، وإنما في قوة المعاني المجازية والدلالات الرّمزية التي تحملها، غير أن ثورة المعنى المجازي مع الزمخشري سرعان ما انكسرت، فأعقبها هوس التجسيم، والتشبيه، والتصديق الحرفي، والمطابقة المطلقة بين المضامين والوقائع. ما يعني بداية تدهور العقل النظري في الإسلام لفائدة العقل الحسي.

مجاز
لقد توفي الفيلسوف العربي ابن رشد في الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، لكن جثمانه حُمل ليُدفن في الضفة الشمالية، وكان ذلك الأمر بمثابة تعبير رمزي عن انتقال لواء العقل إلى الضفة الأخرى، مع الفلسفة الغربية تحديداً، وهذا مجاز من نوع آخر.