صحيفة الاتحاد

ثقافة

«سيو».. الجسد هبة كونية لتجربة الوعي الوجودي

عمل الفنان يونغ ديوك سيو في أوبرا غاليري (من المصدر)

عمل الفنان يونغ ديوك سيو في أوبرا غاليري (من المصدر)

نوف الموسى (دبي)

في وسط «أوبرا غاليري»، في مركز دبي المالي العالمي، يستوقف الماضين في الطريق بتجاه «أيام غاليري»، عمل للفنان الكوري يونغ ديوك سيو، ذي القطع المعدنية المترابطة، تلك المستخدمة في محركات الدراجات، مشكلةً جسداً بشرياً بديعاً، يجلس منكفئاً على نفسه، مبدياً هالة من الحزن، في آلية قراءة قريبة للغة الجسد الحديدي، وربما الإيحاء الأكبر للعمل، يثير سؤال الأثر الصناعي في التكوين الاجتماعي والإنساني في الحياة العصرية بالمجتمعات، ولكن الدقة في البنية الخارجية للعمل الفني، تقدم رؤية انسجامية لاتحاد الآلة والإنسان، وأبعاد ذلك الاتصال في خلق الصراعات الأكثر قرباً لمشهدية النزاعات على الجسد، باعتباره هبة كونية لتجربة الوعي الوجودي.
بناء التماثيل العارية المتشكلة من الوصلات المعدنية المتتالية، تهديك مقاربة فلسفية مع الجسد، وبالنظر لأعمال يونغ ديوك سيو، من يشكل فيها الجسد، الخامة الرئيسة لإثارة محاكاة الواقع الصناعي، فإنه في نفس الوقت يهديك تصورات ما يملكه الجسد، من مقدرة بديعة، لاستشعار الوعي، فالأخير لا يمكن إدراكه من قبل الإنسان، دونما جسد. على سبيل المثال، فإن الوعي بالألم أو مشاعر الغضب أو قُبلات الأطفال أو حتى اللمس المادي لدمار ما، لا يمكن التكهن بمشاعره أو حتى معرفة إحساسه، دونما جسد، لذلك فإنها أشبه بالهبة الكونية، غير المكتشفة بشكل فعلي من الإنسان، أو بمعنى أصح ماهية الهدف الأسمى من أن يكون لدي جسد ما!
بطبيعة الحال، يستنكر الناس عادةً، جهلهم بأجسادهم، مقتنعين بشكل معين بمعرفتهم الأكيدة بهذا الجسد، ومتغيراته الفعلية، وهنا تأتي قيمة الأعمال الفنية، وموجة الفنان يونغ ديوك سيو، الذي يبهر المتلقي، بإيقاعات نوعية، يقوض الحديد ومن ثم يلينه ويلحمه، وصولاً إلى مرحلة من الإلهام الروحي لهذا الجسد، الأقرب إلى كونه يحمل قدسية شفافة، في اللحظة الآنية للتفاعل مع الوجود. والوعي بين العام والخاص، ينمو في حضرة التفرد واليقظة، فمثلاً تلك اللحظة التي تشهد فيها نفسك مع العمل الفني، وتستشعره بحواسك، فإنك تمارس طقساً تأملياً للوعي، ولكن مستوى تأثير العمل الفني عليك، ليس مرتبطاً بزمنية وقوفك أمام الأعمال، ولكن بمدى قدرة جسد المتلقي نفسة على استشعار المساحة بين الوعي العام والخاص.
الوقوف بين الوعي العام والخاص، يهديك فضاء لإقرار التجربة الفعلية في الحياة، ومفهوم التجربة هنا يقصد به، المرور العابر لكل الأفكار والمشاعر المتعلقة بما يود العمل الفني قوله، وبين ما تود أنت قوله، بناء على تراكمك الشعوري والفكري كمتلق، فهل مثلاً يحدث تمازج بين الوعي الخاص والعام، في الفضاء بينهما؟ ربما، ولكن الأدهى والأعمق في العملية، أن ذلك الفضاء، يكفل لك حرية مطلقة أن تمر عبر جسدك دون تراكم فكري وشعور مسبق، يهديك لحظة خلق جديد، على مستوى الفكرة والشعور، تبهر المتلقي نفسه أحياناً، لأنها أتت من عمق ما، مُنحت له الفرصة بالتمدد والظهور.