الاقتصادي

وكالات التصنيف.. كيانات خاصة تتحكم في أطر التنظيم المالي للحكومات والمؤسسات

مصطفى عبدالعظيم (دبي)

أصبحت هيئات التصنيف الائتماني جزءاً لا يتجزأ من المشهد المالي، وتقوم هذه الشركات الخاصة بتقييم المخاطر الائتمانية التي تواجه الشركات والحكومات الساعية إلى الاقتراض وإصدار أوراق مالية تدر دخلاً ثابتا،ً على غرار السندات.
وأصبح الاعتماد على هذه الهيئات راسخ الجذور حتى أن المقترضين المحتملين غالباً ما يتعين عليهم الحصول على تقدير لمراتبهم الائتمانية قبل محاولة تدبير الأموال اللازمة في أسواق رأس المال، ويسترشدون بهذه التقديرات لمعرفة الجدارة الائتمانية للمقترض، مما يساهم في تحديد الفائدة، أو السعر الذي يجب أن يدفعه المقترض مقابل الحصول على التمويل. ولكن تقييمات الهيئات الخاصة، والتي توضع على أسواق المالية الخاصة على وجه التحديد، قد أُقحِمت في النطاق العام- إذ أصبحت تستخدمها الأجهزة التنظيمية في مختلف أنحاء العالم، لتقدير مستوى المخاطر التي تنطوي عليها المحافظ المصرفية وتحديد حجم رأس المال الذي يجب أن تحتفظ به المؤسسات للوقاية من الإعسار. ومع تزايد تركيز الأجهزة التنظيمية على المخاطر كأساس لتحديد كفاية رأس المال، تحول تقييم هيئات التصنيف الائتماني لهذه المخاطر إلى سلعة عامة بالفعل.

النشأة والتاريخ
أدت حاجة المستثمرين والمقترضين لسد فجوة المعلومات الموجودة بينهم، والرغبة في توفير معلومات سهلة الفهم وموجزة وموثوقة عن مستوى المخاطر في إقراض الحكومات والمؤسسات والشركات والأفراد، إلى إنشاء شركات خدمات المعلومات الائتمانية في منتصف القرن التاسع عشر. واستخدمت هذه المعلومات في بداية القرن العشرين لإنشاء وكالات التصنيف الائتماني، وتطوير صناعة تصنيف الائتمان والجدارة الائتمانية، ويعد جون مودي أول من أصدر مؤشرات الجدارة الائتمانية عندما صنّف سندات شركة السكك الحديدية في الولايات المتحدة الأميركية عام 1909. وبعد ذلك، انتشر تصنيف الحكومات والمؤسسات والسندات على نطاق واسع، وبحلول عام 1929 كانت وكالة موديز لخدمة المستثمرين والتي أسسها جون مودي تقوم بتصنيف 50 حكومة تصدر سندات إقراض دولياً، في حين بدأ تصنيف الأفراد ائتمانياً في الخمسينيات من القرن الماضي.
وخلال فترة التسعينيات من القرن العشرين وحتى الآن، ازداد نشاط التصنيف الائتماني، وتعددت أنواعه، وأصبح هناك العديد من الوكالات المحلية والإقليمية والعالمية التي تقوم بعملية التصنيف الائتماني وإصدار درجات الجدارة الائتمانية، حيث بلغ عددها في سبتمبر من عام 1999 ما يقارب 150 وكالة تصنيف ائتماني منتشرة حول العالم، وهناك توقعات بزيادة هذا العدد في المستقبل خصوصاً في أسواق البلدان النامية.
وكان لإدخال هيئات التصنيف الائتماني لا سيما ستاندرد آند بورز، وموديز، وفيتش في نطاق التنظيم العام نتيجتان. أولاً، تغيير طبيعة التنظيم المصرفي من الاعتماد على نسب مئوية ستاتيكية ثابتة إلى استخدام درجات ديناميكية يمكن أن تتغير حسب تقييم هيئة التصنيف للمخاطر الائتمانية. وأدى هذا إلى مستوى أعلى من التطور، وإن كان قد أدى أيضاً إلى زيادة التعقيد وإمكانية الخروج بتقييمات خاطئة أو قديمة أو ربما مضللة بشكل أو بآخر.
وثانياً، أدى ذلك إلى ترسيخ دور الكيانات الخاصة في عملية التنظيم وهو كان بالطبع مقصوراً على القطاع العام. وقد ركزت معظم المناقشات التي تناولت دور هيئات التصنيف الائتماني على تضارب المصالح وغيرها من المشكلات المتعلقة بجودة التقييم. ولم يتطرق النقاش كثيراً إلى احتمال وجود تضارب خطير في المصالح بين أهداف هيئات التصنيف ذات الملكية الخاصة التي تسعى لتعظيم قيمة ملكية المساهمين، وأهداف الدور التنظيمي الذي تؤديه، حتى إذا لم تكن قد سعت إليه.

الإخفاقات التنظيمية والرقابية
وبينما تعيد السلطات النظر في الإخفاقات التنظيمية والرقابية التي شهدتها المرحلة السابقة على الأزمة العالمية، يجب أن تنظر أيضاً في مسألة الاعتماد على هيئات التصنيف الائتماني. فبرغم أن أي تقييم ينبغي أن تراعى فيه تكاليف القيام بتغييرات، فإنها كمجموعة من المسارات الممكنة للاختيار منها بما في ذلك إصلاح هيئات التصنيف الائتماني، أو وضعها تحت المراقبة العامة، أو إيجاد بدائل لها.
ومع تزايد الطابع المعقد الذي تتسم به الأسواق المالية، حدثت زيادة هائلة أيضاً في فرص الاقتراض وازدادت إلى حد كبير صعوبة حصول الطرف المقرض على معلومات كاملة عن المقترضين المحتملين. وتستطيع هيئات التصنيف من خلال وفورات الحجم الكبير أن تقدم خدمات معلومات منخفضة التكلفة تعمل على تضييق الفجوة بين ما يعرفه المستثمر عن المقترض وما يعرفه المقترض، فتحدد لكل مقترض درجة، وهي ما يسمى تقدير المرتبة الائتمانية.

فجوة التباين في المعلومات
وبتضييق فجوة التباين في المعلومات بين المقترضين والمقرضين، تعمل هذه الهيئات على تعزيز السيولة في الأسواق، مما يزيد النشاط المالي ويخفض التكاليف. فالمقترضون الذين يحصلون على مرات بأعلى (أي أفضل) عادة ما يتمكنون من الحصول على قدر أكبر من التمويل بسهولة وبتكلفة أقل، لأنهم يعتبرون أقل خطورة والاحتمال الأرجح أن يتمكنوا من سداد كامل الديون المستحقة عليهم، بما في ذلك الفوائد. وكثيراً ما تمثل هذه المراتب المقدرة للمقترضين النقطة المرجعية المبدئية في إجراءات العناية الواجبة. وبرغم أن هيئات التصنيف الائتماني شركات خاصة، فقد توسع دورها في أطر التنظيم المالي منذ سبعينيات القرن الماضي، خاصة مع عقد اتفاقية دولية لتقييم محافظ البنوك حسب مستوى المخاطر التي تتعرض لها أصولها وتحديد رأس المال الإلزامي بناء عليها. وكان الهدف من هذه الاتفاقية المسماة بازل 2 هو زيادة دقة المعايير التنظيمية المطبقة. ومن أهم المبررات التي استند إليها إدراج تقييمات هيئات التصنيف الائتماني هو الاعتقاد بأنها تتيح منهجاً أكثر تطوراً لقياس مخاطر الائتمان مقارنة بالممارسة التنظيمية الأبسط والتي تتمثل في تحديد رأس المال الإلزامي على أساس نسبة مئوية ثابتة من مجموع الأصول وهو المنهج المنصوص عليه في اتفاقية بازل 1 السابقة والذي كان يسمح بقدر من التمييز أقل بكثير.

جدل دائم
يلفت بانايوتيس جافراس، الرئيس المشارك لإدارة السياسات والاستراتيجيات في بنك البحر الأسود للتجارة والتنمية في مقالة له بعنوان «لعبة التصنيف» في مجلة التمويل والتنمية الصادرة عن صندوق النقد الدولي، إلى أنه بعد الأزمة دار جدل واسع حول دور هيئات التصنيف الائتماني في التنظيم المالي وانصب تركيزه على قضايا مثل تضارب المصالح وكفاءة الأداء، لافتاً إلى أنه من التساؤلات المطروحة كيفية تحديد هذه الهيئات للمراتب الائتمانية، وما هي الجوانب التي يتم تقييمها، وما إذا كانت المراتب الائتمانية قد تسببت في نوبة الرواج الائتماني وفقاعات الأصول التي نتجت عنها قبل الأزمة وأفرزت أثراً مضاداً وضاراً بعد الأزمة؟
واعتبر جافراس أن كل هذه أسئلة مشروعة، لكنها تؤكد أيضاً كيف أصبحت هيئات التصنيف الائتماني جزءاً لا يتجزأ من النظام المالي- أي إنها «في رباط لا ينفصم» مع هذا النظام، إن صح التعبير، حتى أنها تأخذ مكان إجراءات العناية الواجبة بدلاً من أن تكون عنصراً مكملاً لعملية صنع القرار على أساس مستنير، مرجعاً هذا الرباط إلى الاستراتيجيات الاستثمارية التي تطبقها البنوك وصناديق الاستثمار وغيرها من الكيانات الخاصة. غير أنه يرجع في المقام الأول أيضاً إلى الدور ذي الطبيعة المؤسسية الذي تؤديه هيئات التصنيف الائتماني في أنشطة السياسة العامة، وأهمها التنظيم المصرفي، وإن كانت تشمل أيضاً تحديد أهلية الضمانات المقدمة في عمليات البنوك المركزية وقرارات الاستثمار التي تتخذها الصناديق التي يسيطر عليها القطاع العام أو يتولى تشغيلها، مثل صناديق التقاعد. ونجد أن الاعتماد في التنظيم المالي على المراتب التي تحددها هيئات التصنيف الائتماني هو عمل يضاهي خصخصة العملية التنظيمية- التي تدخل ضمن مسؤوليات الحكومة في الأساس- وتنازلاً من الحكومة عن واحد من واجباتها الأساسية للحصول على منافع مزعومة مثل خفض تكاليف التنظيم ورفع درجة الكفاءة والدقة.

أحد أشكال الإخفاق الحكومي
ويمكن اعتبار هذا التسليم للمسؤولية التنظيمية إلى هيئات خاصة بحسب جافراس، شكلاً من أشكال الإخفاق الحكومي لأن الدولة تقوم فعلياً بنقل سلطتها التنظيمية إلى شركات خاصة وإن كانت تحتفظ بمسؤوليتها عن النتيجة الكلية. وينطوي هذه المنهج على مشكلات ترجع إلى عدة أسباب: هدف هيئات التصنيف الائتماني هو تحقيق الحد الأقصى من الأرباح وتعظيم قيمة ملكية المساهمين. وبرغم أن لديها حافزاً قوياً لتوفير معلومات جديرة بالثقة، فهي غير مكلفة بتوفير معلومات للصالح العام كأي هيئة تنظيمية. وفي ظل غياب التوافق التام بين الحافز الخاص والواجب العام، تكون هناك احتمالات من حدوث تعارض ولبس. وقد يعاني أحدهما أو كلاهما. فإذا عانى الواجب العام، تصبح مصداقية العملية التنظيمية ضعيفة. حتى وإن كانت هيئة التصنيف الائتماني تتمتع بسجل أداء ممتاز، فلا تزال هناك مخاطر من تقلص مصداقية العملية التنظيمية.