تقارير

«ماي» في البيت الأبيض.. أخطاء بروتوكولية

هناك تاريخ طويل وشهير من حوادث لسوء فهم أو عدم احترام من قبل الولايات المتحدة لأقرب حلفائها: المملكة المتحدة.



ففي 2009، أهدى رئيس الوزراء البريطاني «جوردون براون» الرئيسَ الأميركي باراك أوباما «حافظة أقلام مصنوعة من خشب سفينة تعود للعصر الفيكتوري استُعملت في محاربة العبودية».



وبالمقابل، تلقى براون مجموعة من أقراص الـ«دي في دي».

وفي تلك السنة نفسها، أهدى أوباما الملكةَ إليزابيث الثانية جهاز «آي بود» (وللأمانة فإنها أهدته صورة من صورها).



وفي 2001، خلال مأدبة عشاء بقصر باكينجهام، أخطأ أوباما في الحديث أثناء عزف النشيد الوطني البريطاني. وبدون الدخول في التفاصيل المعقدة للموضوع، فإن أوباما أزال تمثال وينستون تشرشل من المكتب البيضاوي.



ولكن الزيارة التي قامت بها رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي إلى البيت الأبيض يوم الجمعة كانت مختلفة. فـ«ماي»، التي كانت تريد التأكيد على أن بريطانيا ستصبح أكثر عالمية بعد الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، كانت في حاجة لتُظهر مدى خصوصية العلاقة الخاصة التي تجمع بين بلدها والولايات المتحدة (على الرغم من أن بريطانيا لا تستطيع توقيع اتفاقية تجارة مع الولايات المتحدة إلا بعد إنهاء إجراءات طلاقها مع الاتحاد الأوروبي). كما أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان يريد أن يُظهر أنه يستطيع في الواقع مزاولة الدبلوماسية، ولاسيما عقب إلغاء الزيارة التي كان من المقرر أن يقوم بها الرئيس المكسيكي «إنريكي بينيا نييتو» إلى واشطن. بعبارة أخرى، إن كلا الطرفين كانا يريدان أن تتم الزيارة في أحسن الظروف. غير أننا للأسف لا نستطيع دائماً الحصول على ما نريد.

فأولاً، البيت الأبيض أصدر بياناً ورد فيه اسم تريزا ماي مكتوباً بطريقة غير صحيحة. ثلاث مرات. وكانت «مولي أوتول» صحفية مجلة «فورين بوليسي» قد نوّهت على «تويتر» إلى أن اسم ماي كُتب بطريقة خاطئة.



ووفق «مويرا ويلان»، نائبة مساعد وزير الخارجية السابقة، فإن ذلك لم يكن شيئاً جيداً؛ إذ تقول: «قد يبدو هذا مضحكاً ولكنه ليس كذلك. إنه أمر مهين لرئيس دولة. وغير مهني، إذ من الواضح ألا أحد سعى للتحقق والتأكد من البروتوكول». وبعد ذلك، تم منع الوفد الصحفي البريطاني من دخول البيت الأبيض لأن تواريخ الميلاد الخاصة بالصحفيين كتبت بالطريقة البريطانية (التي تقدم اليوم على الشهر)، وليس الأميركية (التي تقدم الشهر على اليوم). ثم دار هذا الحوار بين الزعيمين، مثلما وصفه المراسلون الذين قاموا بتغطية اللقاء: الرئيس الأميركي:«إنه شرف كبير عودة وينستون تشرشل». «إنه شرف كبير أن أكون هنا»، هكذا قالت رئيسة الوزراء في ردها. لقد بدا كما لو أن ترامب كان يفترض أن يقول إن الشرف لا يكمن فقط في عودة تمثال رئيس الوزراء، ولكن أيضاً في رؤية رئيسة الوزراء الحقيقية في البيت الأبيض.

ثم جاء المؤتمر الصحفي المشترك. ولئن شدد الجانبان على اهتماماتهما المشتركة (أي التجارة بين الولايات المتحدة وبريطانيا، والطبقة العاملة، إلخ) ودعمهما للعلاقة الخاصة التي تربط البلدين (وهي عبارة استُعملت أربع أو خمس مرات على الأقل)، فإن المؤتمر الصحفي لم يخلُ من لحظات محرجة.

وعلى سبيل المثل، فقد أشار ترامب إلى أن والدته ولدت في أسكتلندا وإنه احتفل في أسكتلندا بنتيجة الاستفتاء التي جاءت لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، المعروف اختصاراً باسم «بريكست». والحال أن أسكتلندا صوتت بأغلبية ساحقة لصالح البقاء ضمن الاتحاد الأوروبي، وقد تقوم الآن بتنظيم استفتاء ثانٍ حول الانسحاب من المملكة المتحدة. وراح ترامب يقول إنه لئن تعرض لانتقادات لاذعة جداً لأنه توقع حدوث «بريكسيت»، فإن الأحداث والتطورات اللاحقة أثبتت أنه كان محقاً، وأكد أنه سيكون شيئاً رائعاً بالنسبة لبريطانيا. والجدير بالذكر هنا أن «ماي»، التي وصلت إلى رئاسة الوزراء عقب «بريكسيت»، ويتعين عليها الآن الإشراف على تنفيذها، خاضت حملة ضد الانسحاب.

كما كانت ثمة اللحظة التي سألت فيها صحفية «بي. بي. سي» لورا كوينسبرج (التي سُمح لها أخيراً بدخول البيت الأبيض) ترامب حول ما سيقوله للبريطانيين الذين يشعرون بالقلق إزاء تزعمه العالم الحر. فكان أن أجاب الرئيس مازحاً: «انتهى الأمر بالنسبة لهذه العلاقة الخاصة».

غير أن القصة انتهت بنبرة سعيدة (علانية على الأقل)، حيث قال ترامب خلال المؤتمر الصحفي إنه و«تريزا» سيكونان على وئام تام. ومن جانبها، طمأنت ماي جمهورها بأن الجانبين يستمعان لأحدهما الآخر قائلة: «إن الفكرة من وراء العلاقة الخاصة هي أننا نستطيع إجراء نقاش مفتوح وصريح».

*محللة سياسية أميركية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»