تقارير

ولاية «إسبيريتو».. قصة نجاح في مواسم الفشل

يبدو من الغريب أن تأتينا قصص النجاح والتطور من قطاع الخدمات في البرازيل هذه الأيام. وحيث لا تكاد تمر أيام قلائل إلا ونسمع المزيد من الأخبار الواردة من هناك عن العجز المالي بسبب «الفيلة البيضاء» أو المسؤولين المنتخبين بأياديهم التي تمتد إلى صناديق الريوع الضريبية التي تحصلها الدولة. وأصبحت هناك «ظاهرة سامة» ذات عناصر سلبية متعددة مثل الإنفاق العام المبالغ فيه والسنّ المنخفض للإحالة على التقاعد والتراجع المسجل في الدخل الحكومي، والتي أدت في مجموعها إلى تأزّم الوضع المالي للدولة والحكومات المحلية على حد سواء. وأصبح الارتفاع المتزايد لديون الدولة عنواناً لمعارك سياسية يستغلها البعض للضغط على حكومة الرئيس «مايكل تامر» التي لا تحظى بالشعبية، والتي تورط نفسها في بعض الأحيان بتقديم تنازلات غير قانونية مقابل الحصول على الدعم السياسي.
وبالرغم من هذا الوضع، ما الذي يجعل ولاية «إسبيريتو سانتو» قادرة على صنع الفارق؟
هي رابعة أصغر ولاية برازيلية، وتستأثر بنحو 2% من مجموع عدد السكان الذي بلغ 209.56 مليون نسمة آخر عام 2016 (عدد سكان الولاية 4 ملايين)، وهي أيضاً واحدة من الولايات الأكثر دراية وخبرة بتوزيع الأموال واستثمارها. وفي الوقت الذي عانت فيه بقية الولايات من البيروقراطية الإدارية المعيقة للتطور، حرصت ولاية «إسبيريتو» على تأمين فرص العمل لسكانها، واتخذت الإجراءات الكافية لتخفيض إنفاقها بنسبة 8% خلال عام 2016، لتختتم عامها المالي بديون متبقية يمكن السيطرة عليها. وكانت إسبيريتو واحدة من ثلاث ولايات حازت على تصنيف B الائتماني من الخزينة العمومية الوطنية العام الماضي، وجاءت وراء ولاية «بارا» التي فازت بتصنيف B+.
ويعود فضل هذا الإنجاز الكبير الذي حققته الولاية لعضو البرلمان الفيدرالي السابق «باولو هارتونج» الذي شغل منصب محافظ الولاية وحاكمها لثلاث مرات غير متتالية، وهو الذي جعل من التقتير والترشيد المالي عنواناً لحملته الانتخابية الناجحة عام 2014. وهكذا عاد من عزلة سياسية دامت أربع سنوات إلى أن صار حاكم الولاية عندما بدأ الاقتصاد البرازيلي بالتراجع. ومن بين إنجازاته الأخرى، إصلاح نظام الشرطة واعتقال أكثر المجرمين خطورة، وهو الذي أمر بجمع الأسلحة الفردية غير المرخصة، وخفّض معدل جرائم القتل في واحدة من أكثر مناطق البرازيل تعرضاً للجريمة بنسبة 11% عام 2015.
وهذه الولاية التي تقع على الشاطئ الجنوبي الشرقي للبرازيل، تشغّل ميناء عامراً بالنشاط وتعوم فوق مخزون ضخم من النفط الخام يتجمع ضمن تكوينات جيولوجية عميقة. إلا أننا لا نرى مثل هذه النِعم والهبات في ولاية ريو دي جانيرو المجاورة لها (والتي حصلت على التصنيف الائتماني الضعيف D)، وهي التي أُعلنت «ولاية منكوبة» العام الماضي عندما باتت عاجزة عن دفع الديون لدائنيها، ولم تعد قادرة حتى على دفع رواتب موظفيها ومتقاعديها. وفي تعقيبه على هذا الحال، قال لي «هارتونج» خلال لقاء صحفي: «حكوماتنا المتعاقبة كانت متفوقة في استهلاك الموارد التي ليست ملكاً لها. ولا عجب بعد ذلك أن نواجه أكبر أزمة تشهدها البرازيل منذ 120 عاماً».
وعندما كان «هارتونج» يدرس الاقتصاد في إحدى الجامعات، كانت تنمو في عقليته ظاهرة كره الديكتاتوريات العسكرية. وعندما عادت الديمقراطية إلى البرازيل عام 1982، فاز بمقعد في المجلس التشريعي، وكانت تلك أول خطوة له في المشوار السياسي الناجح حتى أصبح واحداً من طبقة النخبة السياسية. وبوضعه القوي كسياسي تكنوقراط، قرر الإعلان عن دعمه لجهود حكومة الرئيس تامر لاستئصال البيروقراطية.
وعندما تألق النجم السياسي لهارتونج، كان سوء إدارة الموارد في البرازيل قد أصبح جزءاً لا يتجزأ من الثقافة السياسية. ومع ازدياد الضغوط المالية على الحكومة الفيدرالية ابتداء من عام 2010، ازدادت الأمور سوءاً عندما سمحت الحكومة للولايات بالحصول على قروض من الدائنين الأجانب. ومما زاد من النتائج السلبية لهذه الرؤية الخاطئة، النظام الضريبي القديم والذي فاته الزمن، والذي يجبر الولايات المختلفة على الاعتماد بشكل مكثف على الريوع الضريبية التي يتم تحصيلها عن البضائع المصنعة في اقتصاد يعتمد أساساً على قطاع الخدمات بشكل متزايد. وقال لي أحد الخبراء الماليين: «كنت أحرص دائماً على إخبار حكام الولايات بأن من واجبهم أن يعجلوا بإصلاح النظام الضريبي من دون أن يفرضوا أعباء ضريبية جديدة أو يعيدوا التفاوض بشأن جدولة ديونهم الخارجية».
وقال لي هارتونج: «عندما كانت أسعار المواد الأولية في القمة، بدا كل شيء عظيماً. إلا أن الثراء الذي عمّ البرازيل في ذلك الوقت صنع غشاوة على أعين القادة البرازيليين حجبت عنهم الرؤية الواضحة. والآن لم يعد لدينا خيارات كثيرة، فإما أن نتخذ قرارات صعبة مثل إصلاح نظام التقاعد، أو أن يصبح حالنا أكثر سوءاً من حال بقية جيراننا في أميركا اللاتينية».

*محلل سياسي برازيلي متخصص في شؤون أميركا اللاتينية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»