الاقتصادي

الرأسمـالية.. جدلية اقتصاد عدم التدخل والاقتصادات المختلطة

مصطفى عبد العظيم (دبي)

يحتل النظام الاقتصادي أهمية خاصة وأساسية في حياة الأفراد، والمجتمعات، والدول، وفي عمل الاقتصادات وتطورها، ذلك لأن النظم الاقتصادية هي التي تتحدد من خلالها الكيفية التي تتم بموجبها القيام بالنشاطات الاقتصادية، ومن خلالها تتحدد الأهداف التي تتصل بتوفير العيش والرفاه للمجتمع وأفراده، والقوه، والتقدم.
وكثيراً ما يتبادر إلى الأذهان أن الرأسمالية هي نظام اقتصادي تتمكن بموجبه أطراف فاعلة في القطاع الخاص من اقتناء الممتلكات والسيطرة عليها بما يتفق مع مصالحها، وحسب حرية أسعار السوق التي تحددها قوى العرض والطلب وعلى النحو الذي يمكن أن يحقق مصلحة المجتمع على أفضل وجه.
وتتمثل السمة الأساسية للرأسمالية في الدافع لتحقيق الربح، وكما قال آدم سميث، فيلسوف القرن الثامن عشر ورائد الاقتصاد الحديث، «إننا لا نتوقع أن نحصل على طعامنا نتيجة نزعة الخير عند الجزار أو الخباز، لكن من منطلق رغبتهما في تحقيق مصالحهما الخاصة”. فكلا طرفي معاملة تبادل طوعي لهما مصلحة في المحصلة، ولكن لا يستطيع أي منهما الحصول على ما يريد دون تحقيق ما يريده الآخر. وهذه المصلحة الذاتية العقلانية هي التي يمكن أن تؤدي إلى تحقيق الرخاء الاقتصادي.
وفي الاقتصاد الرأسمالي، يمكن أن تكون الأصول الرأسمالية - كالمصانع والمناجم والسكك الحديدية - مملوكة للقطاع الخاص وتخضع لسيطرته، وأن يتم الحصول على العمالة مقابل أجور مالية، وتتجمع مكاسب رأس المال للمالكين من القطاع الخاص، وأن تعمل الأسعار على توزيع رؤوس الأموال والعمالة بين الاستخدامات المتنافسة.
ورغم أن الرأسمالية في بعض صورها هي الأساس حاليا لكل الاقتصادات تقريبا، فإنها لم تكن تمثل خلال معظم سنوات القرن الماضي سوى واحد من منهجين رئيسيين للتنظيم الاقتصادي. وفي المنهج الآخر، الاشتراكية، تمتلك الدولة وسائل الإنتاج، وتسعى المؤسسات المملوكة للدولة إلى تعظيم الصالح الاجتماعي على الربح.

ركائز الرأسمالية
وتقوم الرأسمالية حسب تقرير استعرضته مجلة التمويل والتنمية الصادرة عن صندوق النقد الدولي، على العديد من الركائز، أبرزها الملكية الخاصة، التي تسمح للناس بامتلاك الأصول الملموسة كالأراضي والبيوت والأصول غير الملموسة كالأسهم والسندات، المصلحة الذاتية، التي يسعى الناس من خلالها لتحقيق المصالح الخاصة بهم، بغض النظر عن الضغوط الاجتماعية-السياسية. ومع ذلك، ينتهي الأمر بهؤلاء الأفراد الذين يفتقرون للتنظيم إلى تحقيق صالح المجتمع كما لو كانت هناك يد خفية توجههم.
ومن ركائز الرأسمالية الأخرى، المنافسة فمن خلال حرية الشركات في دخول الأسواق والخروج منها، تؤدي إلى تعظيم أثر الرفاهية الاجتماعية، أي الرفاهية المشتركة للمنتجين والمستهلكين، وتضم الركائز كذلك آلية السوق التي تحدد الأسعار على نحو لامركزي من خلال العلاقة التفاعلية بين البائع والمشتري - فتقوم الأسعار، بدورها، بتخصيص الموارد، التي تسعى بطبيعة الحال لتحقيق أعلى عائد، والتي لا تقتصر على السلع والخدمات وإنما تشمل الأجور أيضا.
وتشمل ركائز الرأسمالية كذلك حرية الاختيار بالنسبة للاستهلاك والإنتاج الاستثمارات - حيث يمكن أن يشتري العميل منتجات أخرى عند شعوره بعدم الرضا، وأن يسعى المستثمر للدخول في مشروعات أكثر ربحية، وأن يترك العامل وظيفته للحصول على أجر أفضل، فيما يكون هناك دور محدود للحكومة، لحماية حقوق المواطنين الأفراد والمحافظة على البيئة المنظمة التي تيسِّر سلامة عمل الأسواق.

صور الرأسمالية
تتباين صور الرأسمالية حسب مدى تطبيق هذه الركائز، ففي الأسواق الحرة، والمعروفة أيضا باقتصادات عدم التدخل، تعمل الأسواق ضمن نطاق محدود، إن وجد، من التنظيم. وفي الاقتصادات المختلطة، والتي سميت بهذا الاسم بسبب مزيج الأسواق والحكومة فيها، فالأسواق لها دور مهيمن لكنها تخضع لتنظيم الحكومة بدرجة أكبر لتصحيح إخفاقات السوق، كالتلوث والاختناقات المرورية، وتحسين الرعاية الاجتماعية، وغيرها من الأسباب، كالدفاع والسلامة العامة. والاقتصادات الرأسمالية المختلطة هي الاقتصادات السائدة اليوم.

درجات عديدة من الرأسمالية
يصنف الاقتصاديون الرأسمالية في مجموعات مختلفة مستخدمين في ذلك معايير متنوعة. فعلى سبيل المثال، يمكن ببساطة تقسيم الرأسمالية إلى نوعين، استنادا إلى كيفية تنظيم الإنتاج. ففي اقتصادات الأسواق الحرة، تهيمن السوق التنافسية ويجري الجانب الأكبر من عملية الإنتاج على نحو لامركزي على غرار المتبع في رأسمالية السوق الحرة المعمول بها في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. وفي اقتصادات الأسواق المنظمة، من جهة أخرى، يتم تبادل المعلومات الخاصة من خلال مؤسسات غير سوقية كالاتحادات العمالية والجمعيات التجارية - مثلما في ألمانيا واليابان. وفي الآونة الأخيرة، حدد الاقتصاديون أربعة أنواع من الرأسمالية وفقا لدور ريادة الأعمال (عملية بدء المشروعات الجديدة(في توجيه الابتكار والوضع المؤسسي الذي ينطوي على الأفكار الجديدة نحو تحفيز النمو الاقتصادي.
وفي الرأسمالية الموجهة من الدولة، تقرر الحكومة أي القطاعات ستحقق نموا. ويتمثل الحافز في البداية بالرغبة في تشجيع النمو، ولهذا النوع من الرأسمالية عدة مساوئ وهي: فرط الاستثمار، وسوء اختيار الفائزين، وقابلية انتشار الفساد، وصعوبة سحب التأييد عندما يصبح غير ملائم. أما رأسمالية حكم القلة فهي موجهة نحو حماية وإثراء شريحة صغيرة جدا من السكان، والنمو الاقتصادي ليس من أهدافها الرئيسية، كما أن البلدان التي تعتمد هذا النوع من الرأسمالية تعاني من انتشار الفساد وعدم المساواة.
وتستفيد رأسمالية الشركات الكبيرة من وفورات الحجم. وهذا النوع من الرأسمالية ضروري للإنتاج بالجملة. أما رأسمالية العمل الريادي فتقدم منتجات الإنجازات كالسيارات والهواتف وأجهزة الكمبيوتر. وتكون هذه الابتكارات عادة من إنتاج الأفراد والشركات الجديدة. غير أن الشركات الكبيرة ضرورية للإنتاج بالجملة ولتسويق هذه المنتجات الجديدة، لذا يبدو أن مزيج رأسمالية الشركات الكبيرة والعمل الريادي هو الأفضل. وهذا هو نوع الرأسمالية الذي تتسم به الولايات المتحدة أكثر من غيرها من البلدان.

النقد الكينزي
عانت الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة من انتشار البطالة على نطاق واسع أثناء فترة«الكساد الكبير»في الثلاثينات من القرن الماضي. وذهب الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينز، إلى أن الرأسمالية تناضل للتعافي من فترات تباطؤ الاستثمار نظرا لأن الاقتصاد الرأسمالي قادر على البقاء في حالة توازن إلى الأبد في ظل ارتفاع معدلات البطالة وانعدام النمو.
وشكك الاقتصاد الكينزي في الرأي القائل بأن اقتصادات عدم التدخل الرأسمالية يمكنها المحافظة على مستويات أداء جيدة بمفردها دون تدخل الدولة لتنشيط الطلب الكلي ومكافحة ارتفاع البطالة والانكماش من ذلك النوع الذي عانى منه العالم في ثلاثينيات القرن الماضي. وأكد كينز رأيه بضرورة التدخل الحكومي)عن طريق تخفيض الضرائب وزيادة الإنفاق الحكومي(لانتشال الاقتصاد من فترة الركود.
وكان الهدف من هذه الإجراءات هو التخفيف من حدة فترات الانتعاش والكساد في الدورة الاقتصادية ومساعدة النظام الرأسمالي على النهوض من كبوته في أعقاب «الكساد الكبير». ولم يكن هدف«كينز » أبداً إحلال نظام اقتصادي مختلف محل الاقتصاد القائم على السوق، وإنما كان يؤكد فقط ضرورة التدخل الحكومي الدوري.
ويمكن للقوى المؤدية عموما لنجاح الرأسمالية أن تؤدي أيضا إلى فشلها. فالأسواق الحرة لا يمكنها أن تزدهر إلا إذا وضعت الحكومات القواعد التي تنظمها - كالقوانين التي تؤمن حقوق الملكية - وعززت الأسواق بالبنية التحتية السليمة، كالشوارع والطرق السريعة لنقل السلع والأفراد. غير أن الحكومات قد تتأثر بجماعات المصالح الخاصة المنظمة التي تسعى للاستفادة من قوة القواعد التنظيمية لحماية مراكزها الاقتصادية على حساب الصالح العام - على سبيل المثال، بكبح نفس السوق الحرة التي كانت السبب في نجاحها.
ويرى ساروت جاهان وهو اقتصادي في إدارة الاستراتيجيات والسياسات والمراجعة بصندوق النقد الدولي، أنه وبالتالي، لابد أن يعمل المجتمع على«إنقاذ الرأسمالية من الرأسماليين»- أي باتخاذ الإجراءات المناسبة لحماية السوق الحرة من سطوة جماعات المصالح الخاصة التي تسعى لعرقلة كفاءة أداء السوق. فلا بد من الحد من تركز ملكية الأصول المنتِجة لضمان التنافس.
ونظرا لأن التنافس يخلق أطرافا فائزة وأخرى خاسرة، فلا بد من تعويض الأطراف الخاسرة. ومن شأن التجارة الحرة والضغوط التنافسية القوية على الشركات المتنافسة أن تكبح مجموعات المصالح ذات النفوذ. فلا بد لعامة الناس من التعرف على محاسن السوق الحرة ومقاومة التدخل الحكومي في السوق لحماية أصحاب النفوذ على حساب الرخاء الاقتصادي الكلي.
ومن المحتمل أن يكون النمو الاقتصادي في ظل النظام الرأسمالي قد فاق كثيرا النمو الذي يتحقق في ظل النظم الاقتصادية الأخرى، ولكن لايزال عدم المساواة واحدا من أكثر سماته المثيرة للجدل. وهنا نتساءل هل تؤدي حتما ديناميكية تراكم رؤوس الأموال في القطاع الخاص إلى تركز الثروة لدى فئة محدودة، أم هل يؤدي توازن قوى النمو والمنافسة والتقدم التكنولوجي إلى تقليل عدم المساواة؟
وتناولت واحدة من أحدث الدراسات تحليل مجموعة فريدة من البيانات يرجع تاريخها إلى القرن الثامن عشر بغية اكتشاف أهم الأنماط الاقتصادية والاجتماعية، وخلصت هذه الدارسة إلى أن معدل العائد على الاستثمار في اقتصادات السوق المعاصرة كثيرا ما يتجاوز معدلات النمو الكلي.