دنيا

التربية الوطنية العمود الفقري للمواطنة

خورشيد حرفوش (القاهرة)

«التربية الوطنية» إحدى أهم الركائز المهمة في التربية العامة وبناء الشخصية وتكوين اتجاهاتها. وتتنوع مفاهيم التربية تبعاً لتنوع الخلفيات التاريخية والاجتماعية والثقافية لكل مجتمع. ويذهب علماء اجتماع وخبراء دراسة الشخصية إلى أن مفهوم «المواطنة» هو أهم مخرجات التربية الوطنية. ومن ثم كان التعريف الأبرز للتربية الوطنية، بأنها المنهج أو السياسة العامة التي تنتهجها جميع أجهزة الدولة ومؤسساتها السياسية والتعليمية والتربوية والاجتماعية والدينية والثقافية والإعلامية من أجل خلق وترسيخ مشاعر الانتماء والولاء وحب الوطن في نفوس الناشئة، ليزدادوا اعتزازاً به وحباً له، ما يدفعهم إلى الذود عن حياضه، والحفاظ على مكتسباته، والإسهام الإيجابي في نهضته، وانتفاء النزعات الفردية والمصالح الذاتية لديهم وإعلاء مصالح الوطن.

جهود متشابكة

ولا يمكن أن تحقق أهدافها بالصدفة، أو بين عشية وضحاها، وإنما هي حلقة من سلاسل من الجهود المتشابكة والمتماسكة تمتد طيلة سنوات التربية والتعلم من عمر الطفل، حتى تصبح جزءاً ومكوناً رئيساً وفاعلاً في شخصيته.

ويوضح الدكتور عبدالحميد زيد، أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة القاهرة فرع الفيوم، أن الهدف العام للتربية الوطنية يتمثل في إعداد المواطن الصالح الذي يعرف حقوقه ويؤدي واجباته تجاه مجتمعه. وقد تعرض كثير من التربويين إلى ذكر أهداف تفصيلية للتربية الوطنية من منطلقات تأخذ في عين الاعتبار خصوصية كل مجتمع من حيث العقيدة التي يؤمن بها، والظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يمر بها. وتلك الأهداف تتشابه إلى حد كبير في كثير من الدول، حيث تتفق على قائمة من القيم الفردية، مثل العدالة والمساواة والسلطة والمشاركة والمسؤولية الشخصية تجاه الصالح العام. وقيم جماعية مثل الحرية والتعددية والخصوصية وحقوق الإنسان والتسامح والعدل واحترام العقل، مشيراً إلى أن هذه الأهداف يمكن ترجمتها في خطط وبرامج ومناهج تعليمية للطلاب حتى يتكون لديهم فهم إيجابي وواقعي للنظام السياسي الذي يعيشون فيه، ولتنمية دوافعهم نحو المشاركة المجتمعية في السياسات التي تؤثر في مجرى حياتهم في البيئة المحلية، وبناء فهم إيجابي لديهم لكل القوانين والتشريعات المنظمة، والتعرف على القضايا العامة الراهنة التي يعاني منها المجتمع.

ويضيف: «التربية الوطنية ترمي إلى تحقيق الانتماء والاعتزاز والولاء للأمة العربية والإسلامية وعقيدتها وفكرها ومُثُلها وقيمها، حيث إن هذا الانتماء والاعتزاز والولاء هو محور وجود هذه الأمة، والالتزام بمبادئ الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية بعيداً عن التعصب والتمييز بجميع أشكاله الطائفية والمذهبية والعرقية والإقليمية، واكتساب الثقافة السياسية التي تمكّن المواطن من أن يلعب دوره السياسي بوعي وخلق وكفاية ومسؤولية. كذلك الإيمان بالأخوة الإنسانية القائمة على الحق والعدل والمساواة».

العامل التربوي

يؤكد الخبير التربوي عدنان عباس، مدير عام مدارس النهضة في أبوظبي، أن التربية الوطنية أهم جوانب التربية التي يشعر الفرد بموجبه بصفة «المواطنة» ويحققها فيه. فهي عملية غرس مجموعة من القيم والمبادئ والاتجاهات الحسنة في نفوس الطلاب والطالبات، وتوجيههم إلى السلوكات الاجتماعية والثقافية المحلية والعالمية «الإيجابية»، وتزويدهم بالمهارات الحياتية اللازمة، ليصبحوا مواطنين صالحين، يتحلّون في سلوكهم وتصرفاتهم بالأخلاق الطيبة، ويشاركون بفعالية في القضايا الوطنية، وهذا لا يتحقق إلا بترسيخ القيم والمبادئ والمعلومات التي تشكل الاتجاهات الإيجابية لدى الناشئة وتربيتهم إنسانياً ليصبحوا مواطنين صالحين، مشيراً إلى أنه لا بد أن تتبلور المناهج والبرامج التعليمية والأنشطة المدرسية نحو مساعدة الطلاب في جميع مراحلهم التعليمية على تطوير كل طاقاتهم الكامنة بوصفهم مواطنين، ما يعني أن يكونوا منتجين ومسؤولين ومهتمين بما حولهم، وأعضاء مشاركين في المجتمع من خلال النجاح والتفوق الدراسي، وتعلم القدرة على اتخاذ القرارات المسؤولة، والاهتمام بالآخرين، والمشاركة في بناء المجتمع على اعتبار أن التربية الوطنية جزءٌ من التربية العامة.

ويُذكر أنه بينما تركز التربية والتعليم عامةً على إكساب الطالب صفات وسلوكات ومهارات يتم تحديدها باعتبارها تعكس البعد الثقافي والاجتماعي للأمة وللمجتمع، فإن التربية الوطنية هي جرعة مكثفة أو تأهيل أكثر تحديداً وتركيزاً على الصفات والسلوكات والمهارات التي تمكنه من القيام بأدواره ومسؤولياته ذات الأبعاد الأكثر عمومية، أي تلك الأدوار والمسؤوليات التي يتحملها بجانب غيره من المواطنين في المجتمع.

الفهم الإيجابي

يلفت الكاتب والمفكر كامل رحومة، إلى أن «التربية الوطنية إذا ما دُرّست بطريقة جيدة فإنها يمكن أن تهيئ التلاميذ للفهم الإيجابي الواقعي للنظام الاجتماعي، والمشاركة الفعالة في الحياة الاجتماعية، من أجل خير الجماعة التي هم أفراد منها. والتوجيه منذ البداية إلى المواطنة الصالحة في مجتمعهم. وتعلم ضرورة مشاركتهم في القرارات السياسية، التي تؤثر في حياتهم وبيئتهم المحلية. وتنمية روح التعاون بين التلاميذ أنفسهم، وبينهم وبين أفراد مجتمعهم، لا سيّما في مجال الخدمات الحكومية والاجتماعية التطوعية. وتنمية الشعور بتحمل المسؤولية للمشاركة في الأنشطة الوطنية والعالمية، على أساس إدراك حقوق الأفراد وواجباتهم».

ويقول: «من أهداف التربية الوطنية تزويد المواطن بالمعرفة الوطنية الأساسية والضرورية بتاريخ الوطن، وإنجازاته ومبادئ الدستور والسلطات القائمة وواجباتها، والمؤسسات المختلفة والمرتكزات التي تقوم عليها الدولة في السياسة والحكم وطبيعة التكوين الاجتماعي للمجتمع وطريقة التفكير السليم، وتنمية وتعميق إحساس وشعور كل مواطن بالمواطنة وحب الوطن».