الملحق الثقافي

قلعة التنوير العربي

معارض الكتب في الإمارات دشنت نهضتها الثقافية

معارض الكتب في الإمارات دشنت نهضتها الثقافية

استطلاع ــ ساسي جبيل (الاتحاد الثقافي)

يأتي احتفال دولة الإمارات العربية المتحدة بالعيد الوطني الخامس والأربعين، وسط إنجازات عملاقة تشمل مختلف المجالات، بما في ذلك الثقافية التي تجلت حقائقها بوضوح كبير، ومبهر. وتأتي الذكرى الخامسة والأربعين لتثبت أن المسيرة شامخة ورائدة على كلّ المستويات، وبأن هذه التجربة غدت نموذجاً فريداً في التميز والإبداع والإمتاع، هذا إضافة إلى التلاحم والتناغم اللذين يربطان القيادة بالمثقفين على مختلف اختصاصاتهم، وأنواع إبداعاتهم.

يجمع المراقبون والمحللون على أن احتفال الإماراتيين، باليوم الوطني الخامس والأربعين، يأتي وقد ارتقت الإمارات إلى مصافّ الدول المتقدمة في العالم، بعد أربعة عقود ونصف العقد، كانت حافلة بالعمل الدؤوب والإنجازات الثقافية غير المسبوقة.
ويتفقون على ضرورة اقتفاء أثر النموذج الإماراتي من أجل تقدم الشعوب العربية التي أرهقتها الأوضاع الثقافية المتردية، خاصة أن الثقافة ظلت وستبقى المنارة التي تضيء دروب المستقبل.
هنا آراء عدد من المثقفين العرب الذين تحدثوا لـ «الاتحاد الثقافي» عن التجربة الوحدويّة في الإمارات ومخرجاتها الثقافية والإبداعية.

بناء الإنسان
اعتبر الكاتب المصري مصطفى البلكي أن تجربة الإمارات تنويرية بامتياز وأنها تعيد إلى الأذهان تجربة محمد علي التحديثية مع الحفاظ على خصوصيتها على هذا الصعيد، وقال:
«في الإمارات العربية المتحدة؛ تطلعت العيون ذات يوم إلى المعنى الخفي وراء الاتحاد، فوجد الكيان الذي ظهر للدنيا سنة 1971، وهو يحمل اسماً، أصبح غاليا على كل عربي: (دولة الإمارات العربية المتحدة). تلك كانت لحظة فارقة، أكدت مولد الصباح الذي يحمل النور، نور لا لبس فيه، نشعر به، وتلمسه العقول، وتلك الحقيقة أعلنها المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حينما قال: «العقول أساس نهضة الأوطان وتقدمها»، كلمات أفصحت عن رؤية القائد الذي يدرك أن العنصر البشري أساس كل نهضة وتقدم، وهو الثروة الحقيقة التي يجب أن تُوفر لها سبل البقاء».

وأضاف: «في الإمارات وجدت الإرادة السياسية التي مهدت الطريق، ولأنه في تلك الأوقات، تغيب أي مصلحة إلا مصلحة الوطن، فقد صفت القلوب، وراحت تنهل من المعارف التي وفرتها الدولة، من تعليم وصحافة، وحركة نشطة في الطباعة والترجمة، فكهذا يولد عصر التنوير، على يد فئة تؤمن بالغد، تلك الحركة قريبة جدا من الحركة التنويرية التي قام بها محمد علي في مصر، والتي تبلورت في البعثات العلمية التي أوفدها للخارج، وبناء المدارس، وتشجيع الترجمة، فكانت الدولة فكرة، من غير تلك الخطوات ما وجدت».

ثقافة كونيّة بامتياز
وعلق الشاعر والمسرحي التونسي محمد عمار شعابنية بأن ما يجعل المرء ينبهر بحركية الحياة الواعدة بالخير والنماء في دولة الإمارات العربية المتحدة؛ «هو ما تتميّز به من مصداقية ووفاء بالوعود»، لافتاً إلى أنها «تعيش الربيع الحقيقي المؤسَّس على الكدّ والجدّ وحكمة الحاكمين وجدّية المواطنين، الذين استطاعوا في فترة زمنية لم تتجاوز بعد النصف قرن، على تأسيس اتحادهم، أن يقطفوا ثمار ما بشّروا به وأن ويرفعوا صروح النماء شامخة واضحة للعيان في كل مكان».
وأضاف: «لئن كانت مسيرة هذا البلد قد تأسست على عواتق طموح حكامها وذويها في مختلف قطاعات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، فإنها لم تستثن دوْر الثقافة في بناء الإنسان بناء قويما، بالروافد الفنية والفكرية التي تحرّض وتحرص على التمسك بالقيم النبيلة والحفاظ على مقوّمات الهوية العربية الإسلامية، والتفتّح على العالم والتوْق إلى الجمال والنقاء والإبداع. ولا غرابة في ذلك لأنّ مؤسس دولة الإمارات المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان كان رجل إبداع وشاعراً، ولأنّ رئيسها الحالي صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة «حفظه الله» هو أوّل حاكم عربي يصدر قانونا نموذجيا للقراءة لتنتشر أفعالها بين الناس في مختلف مواقعهم وبمختلف أعمارهم ومستوياتهم المعرفية.. إلى جانب إنجاز المشاريع الثقافية الكبرى في مجالاتها المتنوعة، كما أنّ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، شاعر، وباعث مبادرات ثقافية تنويرية، أما صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة فقد خصص 30 في المئة من موازنة الإمارة للثقافة، معتبرا إياها زاداً روحياً وعقلياً لكل المواطنين، هذا إلى جانب ما يبذله أصحاب السمو حكام الإمارات الباقية من جهود ترتقي بالشأن الثقافي إلى أعلى درجاته في مجتمع يعيش قفزة حضارية وطفرة ثقافية بمحاملها المتنوعة التي ترتبط بسموّ أذواق القائمين على تنمية الحراك الثقافي بدولة الإمارات وسعيهم إلى تنوير العقول وربطها بقيم الجمال والمعرفة والتطلع إلى الأفضل تجعلها قادرة على أن تحوّل البلد إلى موقع كونيّ الثقافة بامتياز، وتمنحها أحقية الحضور الثقافي في الأقطار العربية إلى جانب الانتشار خارج القطر بمؤازرة أنشطة مماثلة في بلدان شقيقة، كما حدث من خلال إقدام صاحب السمو حاكم الشارقة على تأسيس بيوت الشعر العربية. ويجوز بعد ذلك القول إنّ ما تؤديه الإمارات من خدمات جليلة للثقافة والمثقفين، يضاهي بمشمولاته أحجام ما أنجز في دول غربية كأميركا وفرنسا وانجلترا وروسيا، واليابان والصين، ويتواصل مع دول أخرى آمنت بأن الثقافة هي المنبع الحقيقي لتهذيب الأذواق وتأهيل العقول لابتكار أساليب جديدة تؤسس لجودة الحياة. فطوبى لدولة الإمارات وشعبها بهذا الزخم الثقافي».

التنوير الثقافي المُستدام
وينظر الباحث والناقد العراقي الدكتور رسول محمَّد رسول، إلى الطابع الريادي لمنجزات الإمارات الثقافية، ويوضح: «منذ تأسيس الدولة أخذ المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان على عاتقه بناء دولة ومجتمع يرتبط بعرى وثيقة بمسألة التنمية الثقافية بالتوازي مع كل قطاعات التنمية، لكنه أولى المسألة الثقافية أهمية لافتة عندما هيّأ كل السبل المتاحة لوضع بنية تحتية حديثة للعملية الثقافية. لقد ربط الشيخ زايد بين الثقافة والتنوير بمعناه الشامل، وظل على مدى سنوات طويلة يقدم الدعم غير المحدود من أجل ذلك، وبعد العام 2005، استأنفت العاصمة أبوظبي المسير على خطى القائد الراحل، فتواصل النهوض الثقافي بالإعلان عن جملة من المشاريع الثقافية منها مهرجان أبوظبي السينمائي، وامادا للموسيقى، وجائزة الشيخ زايد للكتاب، ومشروع كلمة للترجمة، فضلاً عن مشاريع ثقافية أخرى في الشعر والسرد والتراث المحلي، وكذلك بناء جزر ثقافية محيطة بجزيرة أبوظبي وهي المشاريع التي فتحت الأفق الثقافي الإماراتي على نحو عربي وعالمي في آن واحد ما جعل العاصمة أبوظبي بؤرة تنويرية لافتة في العالم.
لقد كانت هذه المشاريع مدعومة من جانب صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، كذلك من جانب صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة. وفي عام 2016 وجه صاحب السمو رئيس الدولة، بأن يكون عام 2016 عاماً للقراءة، وهي الدعوة التي جاءت ثمرة من ثمار الحراك الثقافي التنويري الذي شهدته الدولة خلال العقود الماضية، بل هي التكليل التنويري لتلك الحركة الثقافية الإماراتية ولم يكتف بذلك بل أصدر «القانون الوطني للقراءة»، وهو القانون الريادي في نوعه وشموله بالعالم العربي إيماناً من سموه بأن النهضة الثقافية لا تأتي إلى أهدافها الحقيقية إلاّ بتوسيع رقعة القراءة في المجتمع، عبر تحقيق مجتمع الصحبة القرائية مع الكتاب. وفي سياق هذه النهضة الثقافية التنويرية الإماراتية التي تكلَّلت بصدور«القانون الوطني للقراءة» تكون الرؤية التنموية للدولة وعلى نحو مستدام بشأن القراءة قد اتضحت معالمها على نحو تفصيلي حيث مأسسة تداولها بقانون وطني دعا المجتمع والدولة معاً إلى إحياء فاعليتها، والعمل على إنزالها منزلة عملية - وطنية مجتمعية وليس فردية أو نخبوية فقط، وبذلك أصبح دعم «القراءة» جزءاً حيوياً من منظومة القوانين المحفزة للتنمية المستدامة وعلى نحو استراتيجي جلي في بادرة تشريعية تنموية ثقافية مجتمعية حضارية هي الأولى من نوعها بالمنطقة العربية».

حالة استثنائية
من ناحيته، قال الكاتب السوري زيد سفوك إن «الثقافة والتطور والحضارة التي شهدتها دولة الإمارات العربية المتحدة لم تكن تجربة، بل كان هناك إصرار لإتقان عمل مميز من صنع إنسان ترك له بصمة ليس في دولته فقط، بل في العالم العربي والإسلامي والغربي، فحين يذكر اسم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، تتوضح أمام العين رؤية شاملة من الحضارة التي بناها في دولة الإمارات العربية المتحدة، ويتفتح العقل على منارة للثقافة والقيم والأخلاق».
وزاد قائلاً: «خمسة وأربعون عاماً من العطاء المستمر، استطاع رئيس الدولة المغفور له الشيخ زايد أن يزرع الخير ويسقيه، وهذا ما يفعله صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، حيث ما زال الاتحاد يقوى ويزداد قوة من خلال الإرث الحضاري الأصيل والمعاصرة التنموية المتطورة، حتى باتت منبراً لالتقاء الشعوب بمختلف أعراقها، واستوعبت مختلف معتنقي الأديان السماوية ولم تفرق بين أحد، وهذا ما لفت أنظار العالم إليها، حتى بات الجميع يدرك أن بناء الدولة والارتقاء بها إلى القمة لا يأتي عبر المال فقط، فهناك الكثير من الدول التي تمتلك أغنى الثروات ذهبت كلها سدى، بل أصبحت تلك الثروات هي بحد ذاتها الوسيلة لانهيار الكثير منهم وتفتتهم نتيجة الأنظمة الشمولية التي قادت شعوبها إلى الهاوية، لكن الاتحاد وبفضل حكمة القادة، رسخ مفهوم المحبة بين الحاكم والشعب، الأمر الذي جعل من الإمارات صلة التواصل الدائمة بين شعوب الغرب والشرق، وما زال الكثير من الأوروبيين حين يغادرون الإمارات يأخذون معهم الكثير من هذه الحضارة والثقافة والأفكار المقتبسة، وهذا بحد ذاته نجاح وانتصار للوطن العربي والعالم الإسلامي برمته».
وذهب سفوك إلى أن معاني الاتحاد العميقة والقيمة أصبحت حاضرة في ذاكرة الإنسان الإماراتي وهي ترسم له آفاق ورؤية ناجحة للمستقبل، وتفتح له نوافذ الأمل والثقة بغد سيكون أفضل بالحرص على جوهر فكرة هذا الاتحاد الذي بات من خلال الإنجازات التي حققها والتي ما زالت مستمرة نافذة أمل للدول التي باتت شبه مفككة وعلى حافة الانهيار، ولو طبقت هذه الدول التجربة الثقافية لدولة الإمارات لأصبحت في أمان تام، ولكانت شعوبها هي بحد ذاتها السد المنيع لحمايتها وتطورها».

فتح للعقل العربي
ويرى الباحث والناقد الأدبي التونسي منذر ثابت أن الإمارات كسبت الرهان الثقافي والتنويري، وأوضح قائلا:
«لقد دخل عالم ما بعد الحداثة ثقافة الصورة، وتحولت معاني ودلالات الثقافة إلى سيميائية جديدة كشف العالم الغربي عن أهميتها ضمن استراتيجيات الهيمنة والغزو. تحولٌ فارقٌ بين عالمين: عالم الكلمة المحنط وعالم الرمز والصورة بكل ما يحمل عليه من دلالات السرعة والقدرة على التأثير الواسع في رأي عام دولي، منفتح على كل إبداع ذي بعد كوني. ولقد تمكنت الإمارات العربية من كسب هكذا رهان؛ فلم يتم اختزال مفهوم الثقافة في حدود المعنى الكلاسيكي.. بل راهنت على بناء صورة مجتمع مفتوح متسامح حداثي منسجم تمام الانسجام مع مطلب الكونية. إن كسب هذا التحدي يشكل بلا منازع فتحا حقيقيا للعقل العربي الناجع، والمقتدر على مواكبة العصر، لكسر الصورة النمطية لفكر عربي ماضوي، متكلس؛ فالثقافة الإماراتية صورة ومعنى حداثي متكامل الأبعاد يضم تحت مسماه المعمار والعلم والسياسة وأشكال الفن والإبداع الفردي.. لكن الأبرز في هذه الإضافة المكانة الرئيسة لقيم الحداثة والتسامح والعيش المشترك، التي استقطبت اهتمام العالم وحولت الإمارات إلى قطب دولي يواجه أنماط الثقافات الدوغمائية المعادية للآخر، والمولدة لأنماط العنف والتطرف والمغالاة.
إن المفهوم الشامل للثقافة كان الحامل المركزي لاستراتيجيات السياسات الرسمية في هذا القطب العربي، وهو وليد عقل يواكب تطورات العصر بقدر حرصه على صيانة الهوية والتراث وتجديده، في سياق سردية الاجتهاد والتنوير».

سبع سنبلات خضر
ويعتقد الشاعر المغربي الدكتور ياسين حميد حزكر أن في الإمارات ضوءاً نقياً يبدد وحشة المثقفين العرب، ويشرح قائلاً:
«يشتكي معظم شعراء وأدباء وكتاب العالم العربي من ضآلة الميزانيات الحكومية المقدمة للبحث العلمي والأدبي، والشأن الثقافي عموما، هذا التقزيم للجميل في مقابل تضخيم الرديء وتكريسه، والمراهنة على استراتيجية الإلهاء بالفنون السطحية الزائفة في مقابل «تجهيل» الإنسان العربي وإفقاره ثقافيا؛ جعل نخبة المثقفين العرب المتمردين على القبح في حالة من الاغتراب داخل أوطانهم وكرس لديهم إحساساً عميقاً بالوحشة والنبذ والكآبة. وعندما يكون القبح بهذا القدر من الظلام والبؤس فلا يمكن أن يبدده إلا ضوء نقي، خارج من قلب لؤلؤة معتقة في صفاء وزرقة الخليج العربي حيث آخر قلاع التنويريين، وحيث تتركز روح المشرق في حدود سبع سنبلات خضر، وحيث الخبز ليس أكبر قيمة من فاكهة الكتب. لم تكن أولى حجارة البناء التي وضعها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بقلب أبوظبي ممزوجة بإسمنت صلب، بل ممزوجة بـ (شيلات) و(تغرودات) النبط التي تمتد إلى أصداء بعيدة من واد عبقر، ونستند في إثبات رؤية الشيخ زايد البنَّاءة إلى قوله السديد: «إن العلم والثقافة أساس تقدم الأمة وأساس الحضارة وحجر الأساس في بناء الأمم». ومن ثمة؛ فأبراج الإمارات ليست مجرد محاولة عابثة لمناطحة السحاب، بل محاولة حقيقية لصناعة رموز حضارية مرتبطة بالإرث الثقافي للإنسان العربي البسيط؛ وهنا تحضرني عبارة كتبت على جدار في مدخل برج خليفة تقول: «من الرمل إلى السحاب».
وتابع قائلاً: «لقد عملت الإمارات العربية المتحدة على بناء المواطن الإماراتي تهذيبا وتخليقا من جميع النواحي السوسيوثقافية، بقدر تركيزها على تحسين دخله القومي وتمتيعه بحقوقه الطبيعية والشرعية والقانونية، فلم يكن تحت «الغترة» إلا أدمغة شفافة متنورة، ولما كانت حكمة الشمس ألا تضيء نفسها فقط؛ فقد اضطلعت الإمارات بدور ريادي في إيصال شرايين الضوء إلى أبعد الأصقاع العربية.
ونذكر هنا؛ مبادرات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، التي توزعت على ميادين ثقافية متنوعة. وكذلك، مبادرة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة بإنشاء بيوت الشعر في جميع الدول العربية. بالإضافة إلى ثقل الشارقة كحاضرة ثقافية وقطب جمالي فريد يشتغل برؤية تمتد إلى أكثر من ثلاثين سنة من الضوء والتنوير، شعرا ومسرحا ورواية ونقدا.
إننا مع دولة الإمارات العربية المتحدة نقف أمام ميزانيات حكومية ضخمة تتسابق من أجل إثراء الجانب المعرفي وسد الخصاص الثقافي محليا وعربيا؛ ولعل أرقى ما في هذه الميزانيات أنها في كثير من الأحيان تكون بتمويل شخصي من أحد هؤلاء الحكام الذين نجد فيهم المثقف والشاعر والدكتور؛ بعيدا عن الصورة النمطية لحكام العرب الذين لا تجد فيهم إلا العسكري والديكتاتور.
إن تقاسم نعمة الضوء بين الحاكم والمحكوم لهو الديمقراطية في أرقى تجلياتها؛ وعندما يكون التنوير فضيلة يراهن عليها الحاكم فلا محالة أن الشعب سيكون مضيئا وشفافا».

خيار استراتيجي
ويذهب مصطفى الغرافي أستاذ البلاغة والنقد، جامعة مولاي إسماعيل في مكناس، المغرب، إلى أن الإمارات راكمت تجربة مهمة في المجال الثقافي وقال:
«تشهد الإمارات حراكا ظاهرا على مستوى السياسة الثقافية التي تتوخى النهوض بميدان الثقافة والعلوم. وقد تجسد ذلك بشكل بارز في العناية التي ما فتئت الإمارات توليها لمسألة القراءة وشؤون الكتاب. فما من شك أن تقريب الكتاب من القارئ يعد خطوة ضرورية لبث قيم التنوير في المجتمع وتحقيق الإقلاع الثقافي والحضاري المنشود. ومن أجل تدعيم هذا التوجه أصدرت الإمارات «قانون القراءة» الذي يؤكد أن القراءة اختيار استراتيجي وخطوة ضرورية للنهوض بأوضاع المجتمع والسير به نحو التقدم والتحضر.
إن التربية على القراءة من أهم مداخل تقدم المجتمع وازدهاره الحضاري، فالقراءة تبني الإنسان الذي يعد أساس الحضارة، لأن القراءة تغرس في الإنسان الحس النقدي وتجعله يعتاد على ممارسة التفكير العقلاني وهما أساس التنوير. ولعل أبرز مظهر للدور الثقافي للإمارات مسابقة «تحدي القراءة»التي شملت مدارس الوطن العربي، وخلقت حركية كبرى على مستوى القراءة والإقراء. وقد عكس ذلك حاجة هذه الفئة إلى من يأخذ بيدها من أجل التمرس بالقراءة وتملك أدواتها».
وأضاف: «هناك مظهر آخر للاعتناء بمسائل القراءة وشؤون الكتاب هو الإعلام الثقافي، حيث يولي الإعلام في الإمارات بمختلف أصنافه المكتوب والمرئي والمسموع عناية كبيرة بالثقافة، وهو يجسد انفتاح إعلاميي الإمارات على المبدعين والدارسين العرب والإماراتيين. وتشكل الجوائز الأدبية حافزا قويا على التميز والتفوق في مجالات الكتابة الفكرية والإبداعية. وهنا تحضر جائزة الشيخ زايد للكتاب وجائزة الشارقة بوصفهما تقليدا ثقافيا رسخته الإمارات من أجل حفز الكتاب العرب على تجويد منتوجهم على نحو يستجيب للمعايير المعمول بها في مجال الكتابة والإبداع. ولا يخفى أن هذا الأمر من شأنه الإسهام في تطوير الثقافة والإبداع العربيين والارتقاء بهما إلى مراق شامخة».

ذخيرة العرب الثقافية
من جهته، أكد الشاعر والإعلامي التونسي الحبيب الأسود أن الإمارات حازت قصب السبق في الارتقاء الحضاري بحيث بات يُنظر لها اليوم «على أنها موئل ومثابة للثقافة العربية والإنسانية، بما حققته القيادة الحكيمة على امتداد مسيرة دولة الاتحاد من إنجازات كبرى، ما أعطى لهذا البلد الآمن الأمين قصب السبق في الارتقاء الحضاري إلى مستويات تضعه اليوم بين نخبة الدول الأكثر تقدما ورفاها وسعادة ومعرفة وإبداعا وتطورا ورخاء. فقد آمنت دولة الإمارات العربية بأن الإنسان عقل ووجدان، ورأي وبيان، ولذلك وفرت له النور الذي يذكي جذوة العقل، والإبداع الفني والجمالي الذي يشكل الوجدان ويغذيه، والفضاء الذي يستوعب رؤية المثقف، وأحاطت كل ذلك بالرعاية والعناية ماديا ومعنويا في إطار يرتقي بالمنجر الثقافي إلى مستويات تذكرّ ببغداد والأندلس في عصورهما الذهبية».

وأضاف: «كما قال الزعيم الإفريقي الراحل نيلسون مانديلا بأنه «لا يوجد بلد يمكن أن يتطور حقا ما لم يتم تثقيف مواطنيه»، قال المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان قبل عقود: «إن العلم والثقافة أساس تقدم الأمة وأساس الحضارة وحجر الأساس في بناء الأمم»، وانطلاقا من هذا المفهوم الطلائعي، انْبنَت رؤية دولة الاتحاد إلى العلوم والثقافة باعتبارهما عنصرين متكاملين في بناء شخصية الفرد والمجموعة، وأساس البناء السيوسيولوجي والسيكولوجي السليم للمجتمعات والشعوب، أولاً من خلال الارتباط العقلاني مع الموروث الحضاري، حيث قال رحمه الله: «لن تكون هناك ثروة بشرية حقيقية ومؤهلة وقادرة على بناء الوطن إن لم تتمسك بمبادئ ديننا الحنيف وشريعتنا السمحاء، لأن القرآن الكريم هو أساس الإيمان وجوهر الحياة والتقدم عبر الأجيال» ثم من حيث العلم حيث «إن رصيد أي أمة متقدمة هو أبناؤها المتعلمون، وإن تقدم الشعوب والأمم إنما يقاس بمستوى التعليم وانتشاره»، ومن خلال الأخلاق، حيث أبرز الراحل الكبير أن «من دون الأخلاق وبدون حسن السلوك وبدون العلم لا تستطيع الأمم أن تبني أجيالها والقيام بواجبها، وإنما حضارات الأمم بالعلم وحسن الخلق والشهامة ومعرفة الماضي والتطلع للحاضر والمستقبل»ـ خصوصا وأن «الثروة ليست ثروة المال، بل هي ثروة الرجال».
وفلسفة الشيخ زايد في ترجمة مفهوم الثقافة ارتبطت دائما بالسلوك الإنساني التضامني والرؤيوي والتواصلي والقيمي والأخلاقي وبفتح المجال أمام المبدعين وتشجيعهم وتقديم الدعم للفاعلين الثقافيين، ثم اتسعت في عهد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، حفظه الله، وبرعاية موصولة من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلى ترسيخ البناء الهيكلي والتنظيمي عبر المشاريع والإنجازات الثقافية الكبرى في مجالات الإعلام والفكر والآداب والفنون، ما جعل من الدولة الشابة منارة عالمية مشهودا لها في مجالات الإبداع الفني والثقافي.
ولأن الكتاب يبقى العنصر الجامع لتجارب الإبداع الإنساني سواء كان فكريا أو علميا أو أدبيا أو فنيا، أعطته دولة الإمارات العربية المتحدة اهتماما خاصا غير مسبوق في المنطقة، حيث وفي أكتوبر الماضي أصدر صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، أول قانون من نوعه للقراءة، يهدف إلى دعم تنمية رأس المال البشري. ومن يتجه إلى بقية الإمارات، يكتشف في دبي مهرجانا دائما للثقافات الإنسانية، وفي الشارقة عاصمة دائمة للثقافة العربية، وفي رأس الخيمة موئلاً أصيلاً للإبداع والاهتمام به، وفي الفجيرة تجربة صاعدة في المجال الثقافي، وفي عجمان وأم القيوين مشاريع ثقافية مواكبة لمشاريع البناء والإنجاز في بقية مناحي الحياة».

وختم قائلاً: «إن ما يلفت نظر أي زائر لدولة الإمارات العربية المتحدة أو متابع للحراك الثقافي الذي تشهده، هو ذلك الوعي الكامل ليس بأهمية الثقافة كأحد محركات البناء الحضاري الأساسية، وإنما الرؤية التنويرية التي تصاحبه، أو التي تعطيه دوافعه الأصلية ليكون في مستوى إنجازات العقل الإنساني والإنجاز العلمي والتقني، وفي مستوى قيم التسامح والتضامن والتكافل والسلام بين الشعوب والحوار الحضاري بين الأمم».

نهج تنويري مختلف
أكد الدكتور محمد حجـو (أستاذ التعليم العالي في جامعة محمد الخامس بالرباط) أن الإمارات العربية المتحدة، «لا يمكن إلا أن تكون ملتقى لتنوع الثقافات والحضارات، نظرا لموقعها الجغرافي الذي يلعب بالضرورة أهمية وتأثيرا حاسماً على حركية تاريخها ضمن محيطها الآسيوي العربي بمختلف مكوناته العرقية والتدينية والمعتقداتية». وقال: «لا غرابة، إذن، أن يكون تاريخها غنيا وتراثها متنوعا، وأن يسودها عيش متفتح ومتسامح بين مكوناتها البشرية، في ظل وحدة وطنية متماسكة تسعى إلى التطور والتنمية الفكرية والثقافية والعلمية، متشبثة بأصالتها وخصوصياتها والروحية»، لافتاً إلى أن «هذه المعطيات الجغرافية والتاريخية والظرفية السياسية والاقتصادية تجعل من دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجا لعالم مصغر منفتح على الثقافات ومختلف أنواع المعرفة، يستقطب أجناسا بشرية متنوعة، بحيث صار الاهتمام بالثقافة، باعتبارها قيمة في حد ذاتها، وقيمة كونية تسهم في التعرف إلى الآخر ومعرفة مكوناته النفسية اللصيقة بهويته، من أولويات السؤال السياسي الثقافي للدولة».
وتابع قائلاً: «حينما نتحدث عن الثقافة والانفتاح، فالمعنى يقودنا مباشرة إلى مفهوم الثقافة التنويرية. وليس المقصود هنا مفهوم التنوير، كما ورد، أو كما يستشف من متون طائفة من المؤلفات الفكرية والفلسفية التي سادت خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر في أوروبا، وما زالت رحى النقاشات حولها تثير تطاحنا وتشاحنا «فكريا ومذهبيا» إلى يومنا. فهذا مجال آخر؛ إنما المقصود به انخراط الدولة بمسؤوليتها الأخلاقية _ بالمعنى الفلسفي للأخلاق _ في العمل الثقافي من خلال هندسة سياسية اجتماعية للثقافة، تقوم على نشر المعارف وتشجيع العمل الفكري والإبداعي للأفراد والجماعات، وتبنّي المؤسسات المشتغلة بالفكر والعلم والتربية والتعليم، وتعهدها بالرعاية والتشجيع والمكافأة الملائمة. من هنا يأتي الحديث عن النهج التنويري الذي تبنته دولة الإمارات العربية المتحدة في الحركة الأدبية والفكرية والإبداعية، إن على المستوى المحلي، بإقامة المهرجانات الشعرية والملتقيات الفكرية والفنية المختلفة، والوقت لا يتسع هنا للتفصيل، أو من خلال تبني سياسة ثقافية ذات بعد عالمي كوني، يشمل مشارب الثقافات والأبحاث الفكرية والعلمية في العالمين العربي والإسلامي وباقي العالم».
وختم قائلاً: «إن هذه السياسة الثقافية المؤسِّسة للتجربة التنويرية، بالمعنى المشبع بقيم الحداثة التي ترتكز على تنمية مدارك الإنسان/‏‏‏المواطن والنهوض به ودفعه إلى الارتقاء وتحفيزه نحو المشاركة في نظام الحياة الاجتماعية، لينتج ثقافة التغيير الإيجابي، ويتحمل المسؤولية الملقاة على عاتقه تجاه محيطه المحلي والكوني».

مركز إشعاع حضاري
من جهته، ألمح الكاتب الموريتاني د. منّــي بونعامه إلى أن الثقافة «تشكّل عنصراً جوهرياً وأساساً قوياً في بناء دولة الإمارات العربية المتحدة، وفي فكر وتوجّه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، حيث أدرك ـ مبكّراً ـ أهمية الثقافة في توعية شعبه ومجتمعه، وبناء أسس قويمة وإرساء قواعد مكينة للكيان الناشئ آنئذٍ، لذلك كان للثقافة حضورها الواعي والطاغي على سياسة الدولة، الثقافة المستنيرة التي تتواصل مع الثقافات المتعددة والحضارات المختلفة، وتنفتح على مختلف التجارب الإنسانية وتنهل من معينها الزاخر، وقد بدت نتائج ذلك واضحةً وجليةً في سياسات دولة الاتحاد ونهجها القويم. كما أولى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، الثقافة شأناً كبيراً ومكانة مرموقة تأسياً بوالده المؤسّس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وسيراً على خطاه، فكان لها حضور طاغٍ ومتوهج في رؤية صاحب السمو رئيس الدولة، وفي فكره، وقد تجلى ذلك بوضوح في نهجه سياسة ثقافية مكينة من أجل المحافظة على تراث المجتمع الإماراتي وثقافته».
وأضاف: «تعكس غزارة الفعاليات التي تعقد على مدار العام، في صنوف الأدب والشعر والتشكيل والموسيقى والمسرح والسينما، فضلاً عن حركة نشر باتت تنمو باطراد. مظاهر الحراك الثقافي في الدولة بوضوح. ويمكن رصد أبرز مظاهر هذا الحراك الثقافي المزدهر في معارض الكتب السنوية، والفعاليات الثقافية الشهرية والأسبوعية، واستضافة أبرز المتاحف العالمية في السعديات، ومد جسور التواصل والتبادل الثقافي والحضاري مع ثقافات العالم».
وخلص إلى القول: «الإمارات اليوم أوجدت قاعدة من التراكمات الثقافية والتاريخية عبر سنوات من العمل المتواصل والبناء والتأسيس لإنسان الغد، لذلك فلا غرو، أن تشهد الثقافة، من عصر التكوين في عهد المؤسس الراحل المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، إلى مرحلة التمكين في عهد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، نقلة نوعية أسست وتؤسس لثقافة مستقبلية أكثر إشراقاً وانفتاحاً وتنويراً».

إبداع الإدارة.. وإدارة الإبداع
ولفت الشاعر المصري - الكندي عصام خليفة إلى أن تجربة الإمارات الثقافية «تمتلك تفردا و ريادة تضعها في مرجعية التجارب التي تهتم بإدارة الثقافة، فهي تجربة تُدْرَس و تدَرَّس، إذ تمتلك دولة الإمارات «إبداع الإدارة» الذي ساعدها بشدّة في «إدارة الإبداع»، فجوائز أمير الشعراء و شاعر المليون والشيخ زايد للكتاب، والشارقة والبوكر العربية وغيرها، لم تمنح فقط تلك الدولة المتألقة بريقا فنياً، وإنما امتد تأثيرها ليمنحها ما هو أعمق وهو «البصمة الثقافية» إذ استطاعت بإدارتها الذكية أن تصنع تميزا خاصا، وملامح فريدة لواقعها الثقافي، و بوتقة يمتزج داخلها التاريخ الأدبي بين قديم و حديث، و تنصهر فيها الجغرافيا العربية بين مشرق و مغرب، فترسم لوحتها المميزة التي تحمل روح الشام، وبلاغة العراق، وعروبة الخليج، وألوان لبنان، ودموع الأقصى، وعمق القاهرة، ووميض تونس، وسحر المغرب، وتوقيع الإمارات إذ رسمت فأبدعت، ودوّنت فوثّقت، وأكدت وجودها وبقاءها في صدارة المشهد الثقافي».
وزاد قائلاً: «على الرغم من التجربة الرائعة لدولة الإمارات في إدارة الثقافة بمعناها المتداول، إلا أنني أرى أنها تمتلك تجربة أكبر وأقوى في إدارة الثقافة بمفهومها الأعمق وهى ثقافة السلوك و المفاهيم، فما أن تطأ قدمك مدينة: أبوظبي إلا و تشعر بأنك في عاصمة العالم بما تحمله من أجناس مختلفة من البشر، تصهر كل هذه الثقافات في نظام إداري قوى، وثقافة مؤسسية سائدة، تقدّس العمل، وتقبل الآخر، وتحترم القانون. وتستقبل العالم بحفاوة عربية وحداثة أوروبية، و يلتقى فيها الشرق والغرب على مائدة تتسع للجميع».