الملحق الثقافي

أبوظبي.. باريس العرب

المنطقة الثقافية في جزيرة السعديات دليل على سياسة الانفتاح الثقافي التي تتبناها الدولة (أرشيفية)

المنطقة الثقافية في جزيرة السعديات دليل على سياسة الانفتاح الثقافي التي تتبناها الدولة (أرشيفية)

هاشم صالح

هل انتقل مركز الثقل الثقافي العربي من بيروت والقاهرة إلى أبوظبي ودبي؟ يحق لنا أن نطرح هذا السؤال دون أي إنكار أو إجحاف بحق كلتا العاصمتين العريقتين اللبنانية والمصرية. ففضلهما كبير على النهضة الفكرية العربية منذ أكثر من قرن ونصف: أي طيلة ما يدعى بعصر النهضة أو العصر الليبرالي العربي بحسب تعبير ألبيرت حوراني. ولكن الإمارات التي لم يمض على تأسيسها أكثر من 45 سنة أصبحت تنافس كبريات العواصم العربية وتحل محلها لعدة أسباب. نذكر من بينها أن الإمارات تشكل واحة كبيرة من الازدهار والأمان والاطمئنان في منطقة مليئة بالعواصف والألغام حاليا. هذا من جهة. وأما من جهة أخرى فلا ينبغي أن ننسى أن الإمكانيات المادية الضخمة تلعب دورها أيضا في هذه الانطلاقة الصاروخية حيث حققت الإمارات في فترة قصيرة ما لم تحققه دول أخرى في قرون. ولكنها وحدها على عظمتها وأهميتها لا تكفي. فلولا وجود تعطش هائل للثقافة والفكر والتجديد لدى مثقفي الإمارات ومبدعيها لما حصل كل ما حصل. والأهم من كل ذلك هو وجود قادة حكماء بعيدي النظر على رأس البلاد يخططون لمستقبلها على المدى الطويل. فهناك دول أخرى بترولية غنية ولكنها أهدرت ثرواتها وبددتها ولم تعرف كيف تستخدمها لخدمة شعوبها وتنميتها وتطويرها. ولا ننسى التفاعل القائم بين مثقفي الإمارات وبقية مثقفي العالم العربي الذين شدوا الرحال إليها وأقاموا فيها وهم يشعرون بأنهم في بيتهم، بين أهليهم.. أضيف بأن مجرد إلقاء نظرة على الملاحق الثقافية في الجرائد والمجلات الإماراتية يظهر لنا أن معظم كتاب العرب ينشرون إبداعاتهم على صفحاتها. وهكذا وحدت الإمارات العرب ثقافيا بعد أن عجزت كل الأحزاب العربية مجتمعة عن توحيدهم سياسيا.
والواقع أن التوحيد الثقافي يسبق التوحيد السياسي ويمهد له الطريق. وعليه، أعتقد أننا كنا على مدار العقود السابقة نسلك الطريق بالمقلوب أو المعكوس. كنا نعتقد أنه ينبغي توحيد العرب سياسيا قبل كل شيء حتى ولو بالقوة. فكانت النتيجة كارثة! كانت مخالفة تماما لما توقعه قادة القومية العربية. لم نكن ندرك أن تحقيق الوحدة الثقافية هو أهم بألف مرة من الوحدة السياسية. فالثانية تجيء كتحصيل حاصل إذا ما تحققت الأولى. لم نكن نعي أن النهضة الثقافية العربية هي غاية الغايات أو ينبغي أن تكون. ولم نكن ندري أيضا أن النور إذا ما انبثق في أي بقعة عربية فسوف ينتقل إشعاعه بالضرورة إلى بقية أقطار العرب. وبالتالي فنهضة الإمارات هي لمصلحة العرب جميعا وليس فقط لمصلحة الإمارات.

فتّش عن الانفتاح
يخيل إلي أن سبب نجاح النهضة الثقافية والحضارية والعمرانية في الإمارات يعود إلى سياسة الانفتاح التي اتبعتها هذه الدولة في ظل الحكم الرشيد المستنير القائم هناك. وفي رأيي تجلت سياسة الانفتاح هذه من خلال مشروعين كبيرين وطموحين من جملة مشاريع أخرى عديدة: الأول هو مشروع «كلمة» للترجمة. والثاني هو نقل جامعة السوربون من باريس إلى جزيرة الريم. وأضيف إليهما مشروع ثالث: هو نقل متحف اللوفر من ضفاف نهر السين إلى ضفاف جزيرة السعديات.
عندما سمعت قبل بضع سنوات بأن السوربون ستنتقل إلى أبوظبي لم أكد أصدق ما سمعت. ولكن الحلم أصبح حقيقة واقعة. بل واحتفلت «سوربون أبوظبي» قبل أيام قلائل بمرور عشر سنوات على تأسيسها (2006- 2016). وكان ذلك بمثابة أول تصدير لجامعة فرنسية إلى الخارج. ولكن يبدو أن جامعات فرنسية أخرى ستقلدها وسوف تنتقل إلى دبي، وتونس العاصمة، وكازخستان، الخ.. وبالتالي فالتجربة كانت رائدة. وهكذا ما عاد الطلاب العرب بحاجة للذهاب إلى فرنسا للدراسة في أعرق جامعاتها بعد أن جاءت هذه الجامعة الشهيرة اليهم، في عقر دارهم.
ويبدو أن عملية الزرع هذه في الأرض الإماراتية قد نجحت وحققت أهدافها. وأصبحت سوربون الإمارات تجتذب الطلاب العرب هذا ناهيك عن الطلاب الإماراتيين بطبيعة الحال.وقد صرحت احدى الطالبات المغربيات قائلة بأنها لا تشعر بالغربة في الإمارات لأنها في بلد شقيق عربي وإسلامي. وبالتالي فهي سعيدة هناك. وقد فضلت الدراسة في سوربون أبوظبي على سوربون باريس لهذا السبب بالذات. والواقع أنه لا يوجد أي فرق في مستوى التعليم هنا ومستوى التعليم هناك. فذات البرامج التي تدرس في باريس تدرس في الإمارات. والشهادات بعد التخرج هي ذاتها. وهي شهادات عليا معترف بها عالميا. نذكر من بين الاختصاصات المدرسة في سوربون أبوظبي: كلية علم الآثار وتاريخ الفن، وكلية الاقتصاد والادارة، وكلية الآداب الحديثة والعلوم الإنسانية، وكلية التاريخ، وكلية الفلسفة والعلوم الاجتماعية، وكلية الجغرافيا والتخطيط، وكلية الرياضيات والفيزياء، الخ. وسوف تفتتح لاحقا كلية الطب، وكلية التكنولوجيا لأغراض صناعية، وكلية لعلوم البيئة، وكلية لتعميق الاختصاصات المتعلقة بشؤون البترول والغاز. هكذا نلاحظ أن سوربون الإمارات تلبي حاجيات عديدة دفعة واحدة. لقد تحولت بمرور زمن قصير، أي عشر سنوات فقط، إلى جامعة حقيقية متكاملة شيئا فشيئا.
وقد صرح نائب رئيس الجامعة البروفيسور اريك فواش بأن زرع جامعة السوربون في أبوظبي كان عملية ناجحة جدا وموفقة. فقد أصبحت مركزا للإشعاع الفكري ليس فقط في الإمارات العربية المتحدة وإنما في المنطقة ككل. والشيء اللافت للانتباه هو أن عدد الطالبات أكبر من عدد الطلاب. فهن يشكلن 60 في المئة من العدد الإجمالي لطلاب الجامعة. والتعليم مختلط؛ فالصفوف مشكلة من الطلاب والطالبات على حد سواء. وهذا دليل على مدى الانفتاح الفكري والاجتماعي الذي يرين في الإمارات. فهي بلد يزاوج بشكل ناجح وموفق بين الأصالة/‏‏ والمعاصرة، أو بين القيم العليا للتراث العربي الإسلامي من جهة/‏‏ وقيم الحداثة العالمية من جهة أخرى. انه بلد متسامح، منفتح، على أفضل ما أعطته الثقافات والحضارات الأخرى من غربية وشرقية. على هذا النحو ولدت السوربون على ضفاف جزيرة الريم في أبوظبي بعد أن كانت قد أسست قبل سبعة قرون ونصف في الحي اللاتيني وسط باريس. والآن تبدو سوربون باريس عتيقة بالية قياسا إلى سوربون أبوظبي ذات المباني الفاخرة والمدرجات الراقية والأبنية التي تلمع لمعانا من شدة الحداثة والنظافة. أنها صرح شامخ تتوجه قبة عظيمة تذكرك بتراثنا الإسلامي العريق وقداسته.
ينبغي العلم بأن سوربون أبوظبي استفادت من أفول نجم جامعة القديس يوسف في بيروت، وبعض الجامعات الفرانكوفونية الأخرى في القاهرة وسواها. وعلى هذا النحو حلت أبوظبي إضافة إلى دبي بطبيعة الحال محل عواصم المشرق العربي كما ذكرنا سابقا. على هذا النحو أصبحت الإمارات العربية المتحدة مركزا للأنوار العربية في هذا العصر. نقول ذلك اعتمادا على الفكرة القائلة بأن الأنوار العربية ستنبثق كمحصلة للتفاعل بين تراثنا العريق من جهة/‏‏ وحداثة الغرب من جهة أخرى. ولكن لا نريد انحرافات الغرب وشططه وتطرفاته الإباحية التي ظهرت مؤخرا للعيان والتي تطرح مشكلة على عقلاء فرنسا والغرب ذاته. نريد فقط علمه وفلسفته ومناهجه في البحث العلمي. نأخذ الجوهر ونطرح القشور. لا أحد يجبرنا على أخذ أشياء تتعارض مع قيمنا العربية وأخلاقنا الإسلامية. ض من هذا المعنى نجحت سوربون أبوظبي وكل عملية التفاعل الحضاري والثقافي الجارية في الإمارات. ويرى بعض الباحثين الفرنسيين أن وجود جامعة السوربون في عاصمة الإمارات سيخفف من حدة التوتر السائد حاليا بين الغرب/‏‏ والعالم العربي. نقول ذلك وبخاصة أنه لا يوجد تاريخ استعماري بغيض لفرنسا في الإمارات. وبالتالي فلا توجد عقدة في التعامل بين الجانبين. ولهذا السبب فان جامعة السوربون تشكل جسرا حضاريا بين فرنسا والإمارات ثم انطلاقا من الإمارات بين فرنسا والعالم العربي ككل. يضاف إلى ذلك أن اختلاط الطلاب الذين هم من جنسيات مختلفة ومتنوعة مع بعضهم البعض يخفف من صدام الحضارات الذي يهدد العالم حاليا نتيجة انتشار نزعات التطرف هنا أو هناك. وكما قال العالم الأنثربولوجي الشهير كلود ليفي ستروس مرة: كل حضارة لكي تحافظ على نفسها ينبغي أن تقيم تركيبة ناجحة بين الانفتاح والانغلاق. بمعنى: لا ينبغي أن تنفتح أكثر من اللزوم لكيلا تذوب في الحضارات الأخرى وتفقد شخصيتها. ولا ينبغي أن تنغلق على ذاتها وخصوصيتها أكثر من اللزوم لكيلا تجمد ثم تتحنط وتتكلس وتنقطع عن حركة التاريخ والعصر. وهذا ما تفعله الإمارات في الواقع. ولذلك نجحت تجربتها وأصبحت قدوة للدول العربية الأخرى.

اللوفر وأبعاده
وماذا عن لوفر أبوظبي الذي سيقام على جزيرة السعديات؟
هو أيضا سيكون صرحا شامخا يشهد على نهضة الإمارات وازدهارها الحضاري. نقول ذلك وبخاصة أن الشخص الذي بناه هو نفس الشخص الذي بنى معهد العالم العربي في باريس. انه المهندس الشهير جان نوفيل. وهو يعرف كيف يراعي جماليات الفن المعماري العربي الاسلامي. ويعرف بالأخص كيف يزاوج بينه وبين جماليات الحداثة الأوروبية. وعندما ستفتح أبوابه العام القادم 2017 فان طلاب كلية علم الآثار وتاريخ الفن يمكن أن يشكلوا أول كوادره. هكذا نلاحظ أن الإمارات تخطط بشكل عملي مدروس لتخريج طلابها وطالباتها ليس لكي يجلسوا في بيوتهم عاطلين عن العمل. وإنما لكي يصبحوا فيما بعد كوادر البلاد والمشاركين في نهضتها. وبالتالي فالجامعات تُؤسس طبقا لحاجيات البلاد.

نقل المعرفة إلى العربية
هناك مفكر فرنسي محب لحضارتنا العربية الإسلامية ومختص بها وبفلسفتها هو: آلان دو ليبيرا. وهو الآن أستاذ في الكوليج دوفرانس يقول العبارة التالية الهامة: كل الحضارات الكبرى قامت على أكتاف الترجمات الكبرى. بمعنى: لا حضارة من دون ترجمة. فالنهضة الأوروبية ذاتها قامت على ترجمة كتب علماء العرب وفلاسفتهم.. ثم جاءت العصور الحديثة وانتقلت الحضارة والمعرفة إلى أوروبا. وأصبحت جميع الأمم مضطرة لترجمة العلم الأوروبي إذا ما أرادت أن تنهض من كبوتها وتلحق بركب الأمم المتقدمة. هذا ما فعله محمد علي في مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر. وهذا ما فعلته سلالة الميجي، أي الحكم المستنير، في اليابان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وهذا ما فعله الصينيون والروس الخ.
ويقال بأن اليابان هي أكبر بلد مترجم في العالم. فقد سألهم الإمبراطور: لماذا تفوقوا علينا؟ فأجابوه: لأنهم سبقونا علميا وفلسفيا ومعرفيا. فقال لهم: انقلوا اذن إلى لغتنا كل علومهم وفلسفاتهم ومعارفهم لكي نلحق بهم ونسبقهم إذا أمكن. وهذا ما حصل في الواقع. ثم أرسل البعثات الدراسية إلى كل أنحاء أوروبا وأمريكا الشمالية. وعلى هذا النحو انطلقت نهضة اليابان بسرعة صاروخية. ويمكن أن نقول الشيء ذاته عن الأمة العربية. ولهذا السبب ينبغي التنويه بمشروع «كلمة» للترجمة الذي دشنته الإمارات منذ أكثر من نحو العشر سنوات. وهو أضخم مشروع للترجمة في العالم العربي على ما يبدو. وقد أغنى المكتبة العربية حتى الآن بمئات الكتب المترجمة من أكثر من ثلاث عشرة لغة. وهذا يلبي حاجتنا الماسة إلى نقل الفتوحات العلمية والفلسفية والأدبية إلى اللغة العربية. فبناء على عملية النقل هذه يتوقف نجاح نهضتنا المقبلة.

وحدة ثقافية
إن مجرد إلقاء نظرة على الملاحق الثقافية في الجرائد والمجلات الإماراتية يظهر لنا أن معظم كتاب العرب ينشرون إبداعاتهم على صفحاتها. وهكذا وحدت الإمارات العرب ثقافيا بعد أن عجزت كل الأحزاب العربية مجتمعة عن توحيدهم سياسيا. والواقع أن التوحيد الثقافي يسبق التوحيد السياسي ويمهد له الطريق.