الملحق الثقافي

الجَمْع في صيغة المُفرد

شجرة الاتحاد (أرشيفية)

شجرة الاتحاد (أرشيفية)

د. منصور جاسم الشامسي

دولة الإمارات العربية المتحدة، تُقدم، منذ عام وحدتها واستقلالها 1971، تجربة واقعية حقيقية تطبيقية معاصرة ناجحة، (جمالية وتنويرية)، في الثقافة الوحدوية، وهي، إلى جانب كونها تجربة، فهي سياسة وحياة فريدة ومتميزة واستثنائية، ينبغي ترسيخها، والمحافظة عليها، وتطويرها، كما أنها تَرّقى لأن تكون بمثابة (معرفة إنسانية) كما لو كان في غيابها ما يبرر وجود مشكلات عديدة، قد تم تجاوزها بهذه (الثقافة الوحدوية) التي تُعبر عن نزوع الإنسان الإماراتي إلى المعرفة يحققها، بمنهجية عملية وتطبيقية، عبر سياسة عامة (Public Policy) وحياة اجتماعية (Social life)، وحياة عامة (Public life)، وحياة خاصة (Private life)، تنحو، بصورة دائمة، لتحقيق التقدم، مصحوباً بالانسجام، والوئام، والآفاق المفتوحة، وتشابكات من المصالح الإنسانية، والشراكات الاستراتيجية، والسعي لتحقيق الجودة والكفاءة في الأعمال، على النطاق المحلي والخارجي.

الزخم الإماراتي الثقافي الوحدوي التنويري الجَمَالي المُعاصر، يُقدم للإنسان، عامة، والمواطن العربي والإماراتي، خاصة، فرصة تحقيق الاستفادة القصوى منه، وليس المقصود بالاستفادة القصوى تحقيق الفائدة (المادية)، التي هي متحصلة، بصورة طبيعية، بحسب طبيعة الحال، ومقتضى الحقوق والواجبات والأعمال، ولكن المقصود، تحديداً، هو تحقيق (الفائدة الجَمَالية) و(الفائدة التنويرية)، ذات الأبعاد المتعددة، والتي قد تكون غائبة عن ذهن الإنسان، وهي الأهم، والأساس، والتي تحقق تقدماً حقيقياً للإنسان في ذاته ونفسه وعقله وروحه وفكره وسلوكه، بل وأيضاً، تُحقق تقدماً في الجوانب (المادية)، ولكن بمنهجية جَمَالية، باعتبار (علم الجمال) إلى جانب كونه علماً معيارياً، تجريدياً، قِيمياً، فلسفياً، فهو، أيضاً، عملي وتجريبي وتطبيقي، يهدف للتأثير على حياة الإنسان لتغدو «جَمَالية» تحتوي على تكثيف داخلي من التناغم والوفاق والارتباط والتناسق والانسجام والتعاضد والتماسك، يجعل أركان وأجزاء وأفرع الحياة الإنسانية تعمل معاً كالسيمفونية الواحدة، من دون نغمة نشاز، وإنما تنوع جميل، كتنوع الآلات والنغمات الموسيقية، تنوعها واختلافها، لا يمنع، مُطلقاً، انسيابيتها، وانتظامها، في بوتقة موسيقية واحدة، من لحن جميل وعزف متناسق، وكأجزاء اللوحة التشكيلية، ألوانها المختلفة، وتنوعاتها الداخلية، لا تمنع مطلقاً من تشكلها كلوحة فنية واحدة تملك وحدةً في ألوانها، كما تملك وحدة موضوعية فنية، وهكذا (الفكرة الوحدَويَّة) و(الثقافة الوحدَويَّة)، سِياق جَمالي، على نمط (السيمفونية) الواحدة، و(اللوحة التشكيلية الفنية) الواحدة.

تحضُّر وتمدُّن
التفرد الإماراتي الثقافي الوحدوي التنويري الجَمَالي المُعاصر يُقدم للإنسان، عامة، والمواطن العربي والإماراتي، خاصة، برامج عمل وخدمات وحياة متنوعة وجاذبة وشائقة ذات جودة وكفاءة تحقق (الفائدة التنويرية)، والتي تعني في أصولها الفكرية مسألة (تطوير الذات)، تطوير القدرات العقلية للإنسان، حتى يُفكر بطريقة سليمة، وعقلانية، واستقلالية، وأهمية القانون والمحافظة على النظام العام، وصيانة الحريات، في ظل كيان جامع شامل من (فكر وحدوي) و(ثقافة وحدوية) ليُصبح جميع أفراد المجتمع، من مواطنين ومقيمين، أعضاء فاعلين، وقوى عمل وإنتاج مشتركة وفاعلة.
والثقافة الوحدويَّة الإماراتية، الجَمَالية والتنويرية، تشمل أن تحقق (إنسان حضاري مدني) وبالتالي (مجتمع حضاري مدني) و(مجتمع مستنير) و(مجتمع سَلام) و(مجتمع عمل وإنتاج) نوعي و(مجتمع سعيد)، تُحفظ فيه الحقوق وتُؤدى فيه الواجبات، عبر انتشار (ثقافة التوازنات) التي تعني هذه الموازنة الدقيقة، والمقاربة الفاعلة، والتصالح الطبيعي، بين مُتطلبات العصر وتحقيق التحديث (Modernization) والحداثة (Modernism) وبين المُحافظة على الأصالة والتراث والتقاليد (Tradition)، في الوقت نفسه، بطريقة سلسة، انسيابية، عملية، ومن دون هذه التناقضات أو التشنجات أو التنافرات أو الصراعات، والتي تحدث عادة بين التحديث والحداثة من جهة، وبين الأصالة والتراث والتقاليد من جهة أخرى، كما حدث ويحدث في مجتمعات أخرى، ولدى أفراد آخرين، لا يزالون يعيشون دوامات النزاع المهددة لتحقيق التقدم الحقيقي والحياة السعيدة، والدوران في حلقات مفرغة وخطيرة من جعل الأصالة والتراث والتقاليد في صِراع مع الحداثة والتحديث، في حين أن (ثقافة التوازنات) و(الثقافة الوحدَويَّة)، وهما مُكملتان لبعضهما، تحلان المشكلة.
و(الإنسان) يأتي في صُلب هذه الثقافة الإماراتية الوحدَويَّة التنويرية الجَمَالية باعتبار (الإنسان) خلق الله عز وجل، والعنصر البشري نتاج أرضي، واقعي عملي ملموس مشاهد، عليه تقوم كل متطلبات التقدم، وله تكون سياسات التقدم، فتحقيق التقدم مشروط بصورة دائمة بوجود موارد بشرية مؤهلة وعلمية ومبدعة وآمنة ومستقرة ومؤمنة وملتزمة بهذه المتطلبات على المسارات العلمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنفسية والروحية، حيث يحدث فيها تقدم بصورة حقيقية تعكسها مساهمات وإضافات جديدة، فحواها تقدم أكثر للإنسان، وهذا التقدم الإنساني المنشود والمُستهدف لا يتم تحقيقه بصورة كاملة وناجحة بالرؤية والروح والسياسات (النزاعية) و(الشقاقية) و(الانفصالية) و(الأنانية) و(الفُرقة) و(التجزيء) و(التعصب)، بل يتم تحقيقه عبر الرؤية والروح والسياسات (الوفاقية) و(الائتلافية) و(الوحدَويَّة) و(الجماعية) و(الاتحادية) و(المرونة)، حيث لا يمكن اعتبار (الأجزاء/‏‏‏ Parts) ذات قيمة حقيقية إنْ لم تتحد وتتوحد في (كُلْ/‏‏‏/‏‏‏all) و(تكتل/‏‏‏ Block) و(وحدة/‏‏‏Unity) و(اتحاد/‏‏‏ Union) وائتلاف (Coalition) وتحالفات (Alliances).

تكامل الأجزاء
الثقافة الوحدوية الجَمَالية التنويرية الإماراتية تُفسرها أيضاً نظرية التفاضل والتكامل في التحليل الرياضي، وهي نظرية علمية مهمة للعقل البشري، فالعلم الطبيعي والروح العلمية هي قوة دافعة لتحقيق التميز والإبداع في السياسات والحياة، وفي هذا الإطار، التكامل بالتجزئة أو التكامل بالأجزاء (integration by parts) هي قاعدة فكر رياضي متقدم، كما هي أيضاً قاعدة فكر إنساني متقدم، فالأجزاء قيمتها الحقيقية في عنصر التكامل لها، الأجزاء تقود للكليات، وهذا هو جوهر (التفكير الوحدوي) ولُب (الثقافة الوحدوية)، التكامل بالأجزاء، وينتج عن هذا (ثقافة التكامل)، كما لا يمكن اعتبار (الأطراف/‏‏‏ Parties) ذات قيمة حقيقية إذا لم تلتقِ عند أصول لها (origins)، ولايمكن اعتبار (الفروع/‏‏‏ Branches) ذات قيمة حقيقية إذا لم ترجع لمراكز (centers)، وبُؤر (core)، ومراكز ثقل، تُشكل مصدراً لها، وقوة لها، وتوحدها وتجمعها، وهذه هي (المرجعية الوحدوية) التي تنفي عنصر التنافسية المدمرة. والعلماء، وتحديداً، علماء الفلك والرياضيات، قد استفادوا كثيراً من (نظرية التفاضل والتكامل) الرياضية في رصد وفهم وتفسير مدارات الأقمار والكواكب، وحركات النجوم، التي تعود إلى مراكز لها، فهي ليست مدارات وحركات عشوائية، غير منتظمة، بل هي مُنظَمة ومُنتظمة تعود لقواعد، ومراكز مشتركة، وهكذا، فالأجزاء والأفرع والوحدات المتناثرة تُعبر عن (حقيقة جامعة) و(حقيقة كُلية) و(وحدة واحدة) الذي هو أصلها.
الثقافة الوحدوية الجَمَالية التنويرية الإماراتية تُعبر عن فهم عميق للمتغيرات والعلاقات بين الأجزاء والأشياء والمواضيع والحقائق، كيف تُكتشف؟ وهنا أيضاً حساب التفاضل والتكامل الرياضي، يُفيدنا كمنطق، حيث يبحث في وجود المُتغيرات والتغيرات، من درجة (لا مبدأ) ثم (المقترحة) ثم (العلائقية) ثم (المؤكدة) وهذا أصل نظري وتطبيقي في دراسة نشأة وتشكل وقيام العلاقات من درجة (لا مبدأ)/‏‏‏ أي لا توجد علاقة، ثم (المقترحة)/‏‏‏ أي احتمالية وجود علاقة، ثم (العلائقية)/‏‏‏ أي أن هناك علاقة موجودة، ثم (المؤكدة)/‏‏‏ أي تم تأكيد وجود العلاقة، وبالتالي، يتأكد جوهر الموضوع، أن هناك علاقة بين الأجزاء والأشياء والمواضيع والحقائق، وقد كانت غير معروفة وغامضة، في حين أنها موجودة وحقيقية وفي باطن الطبيعة.
إن نظرية، وحساب، التفاضل والتكامل الرياضي تفتح آفاقاً لنمو (النظرية الوحدوية) و(التفكير الوحدوي) و(الثقافة الوحدوية) لدى الإنسان، ليبحث في وجود العلاقات بين الأجزاء والأشياء والمواضيع والأفكار والحقائق والمتغيرات والوحدات والأطراف، ويدرسها، ويَرَدّها إلى مرجعيات وكليات، حيث يتم الإيمان، في الحياة، والعمل على، تكامل الأجزاء والوحدات والأفرع وانتظامها في نسق جامع لها، تنتظم على المستويات، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والروحية والنفسية والعلمية كافة، كما تنمو ثقافة الحرص على (الوحدة) و(التكامل)، والدفاع عنها، لأنها (قيمة) جَمالية وتنويرية وإبداعية، بحد بذاتها، لها فوائد غير محدودة ملموسة على أرض الواقع.

ضمانة للحقوق
الثقافة الوحدوية الجَمَالية التنويرية الإماراتية تخلق أشكالاً تنظيمية وحدوية على أرض الواقع، على مستوى قطاعات الأعمال والحياة الاجتماعية، تجعل الخلاف غير جوهري وغير ضروري، حتى وإنْ كان موجوداً، بل يتم نفي الخلاف بفاعلية، والسعي لتحقيق العدالة الضرورية، داخل المجتمع، وبين أفراده، التي لها ارتباط بالفكر الوحدوي، والثقافة الوحدوية، والمشاركة في البناء، وانطلاقاً من (مبدأ الكثرة) أفضل من (مبدأ القِلة والأقلية)، كما تحدث ضمانة توافقية حرة داخل المجتمع، حيث يتم ضمان حقوق الأفراد، والسعي لتحقيق الرضا، رضا الأفراد عن مؤسساتهم الجامعة، ورضا المؤسسات عن الأفراد المكونين لها، وهكذا ينشأ فضاء وسائطي وحدوي يجمع بين الأفراد والمؤسسات داخل المجتمع الواحد، وتنمو علاقات صحية بين جميع الأطراف، فالبشر متجانسون أكثر مما هم مختلفون، ما يوحدهم من عوامل أكثر مما يُفرقهم، وهذا (مبدأ وحدوي)، وبهذا تترسخ الحالة الإنسانية في التاريخ عبر (الفكرة والثقافة الوحدوية) التي هي قوة إنتاجية لتنظيم البشر، تُنظمهم على (معنى إنتاجي)، و(معنى جَمالي) و(معنى تنويري)، يُصبح الناس، جميع الناس، فاعلين، في منظومة إنتاجية جمالية تنويرية، وتكون الأسرة والعائلة والمؤسسة والدولة والمجتمع هي الأوعية التي توحدهم، وهذا (المعنى الإنتاجي/‏‏‏الجَمَالي/‏‏‏التنويري) المتكامل يقوم على (النظرية الوحدوية) في الأصل، حيث يغيب (مبدأ الخوف) من الخِلاف، لأن (مبدأ الخلاف) يصبح غير جوهري وغير ضروري في ظل (المبدأ الوحدوي)، الجامع الشامل المستنير، كما يتم نفي الأحكام المسبقة ومشكلة التصنيف التي تتغذى من (ثقافة الخِلاف والاختلاف)، حيث يسقط الناس في أحكامهم المسبقة وبراثن التصنيف يمنحونها ثقتهم، وذلك حين يغيب (الفكر الوحدوي) وتغيب (الثقافة الوحدوية).
لقد تطوّرت الثقافة الوحدوية الجَمَالية التنويرية الإماراتية عبر التجربة العملية للناس في الحياة اليومية النابعة من ثقافات الائتلاف والانفتاح على الآخرين والعالم والانتماءات المشتركة، كما أن التجربة العملية هذه تدعم هذه الثقافات، وهذا يحدد السمة العامة للمجتمع الإماراتي، في كونه وحدويّ، يمتلك (ثقافة وحدوية) فاعلة.
وهكذا، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة، مركز ثِقلها هو كيانها الاتحادي الكُلي الوحدوي المتكامل الذي عبر عن وجود علاقة إنتاجية حياتية مصيرية جميلة تكاملية بين الإمارات السبع المُكونة للاتحاد الإماراتي، وهذا انعكس في (الثقافة الوحدوية) السائدة التي تتطور نحو آفاق أوسع.

وِحدَة عائليّة
حين تبحث السياسة في المجتمع في مسألة الاختلافات الكائنة، والأشخاص من حيث إنهم موجودون في فضاء مُطلق، والتبادل الحاصل بينهم، فإن الثقافة الوحدَويَّة تُنظم ذلك، تجعل له منظومة، تجعله ينتظم وفق مؤسسات، كالأسرة والعائلة والمدرسة والجامعة وسوق العمل والبرلمان والمجالس، بأنواعها، وهيئات الأعمال والجمعيات الأهلية والتطوعية والأندية، و(العائلة) تحديداً، والتي هي تبع لمفهوم الإنسان، والعائلة خلق الله أيضاً، هي أقدم تشكيل وحدويّْ في التاريخ البشري، حيث ينتظم المجتمع بناء على العائلة، وتنتظم الدولة بناء على العائلة، كما ينتظم العالم بناء على العائلة، فالعالم مُنتظم على هذا النحو من الأصل العائلي، فالعائلة مؤسسة، وبالتالي فإن في هدم العائلة، والتوقف عن بناء العائلة، هدم لأصل بشري، كما هو مُناقض للفكر الوحدوي، والفكر الوحدويّْ تعبير عن فكرة العائلة الواحدة، والثقافة الوحدوية تربط بين أنواع الأشخاص والتبادل والأشياء والمواضيع والأفكار والمصالح، بل تربط بين أشد الكائنات اختلافاً، وتنشأ تشكيلات في المجتمع، مُطَوَرَة أو جديدة، تُعبر عن أشكال التوحد والتكامل، رغم التنوع والاختلاف.