الملحق الثقافي

الثقافة.. قضية أمن وطني.. وقوة للبقاء

اللحظة التاريخية التي أعلن فيها قيام الاتحاد في 2/‏12/‏1971 ورفع علم الإمارات للمرة الأولى (أرشيفية)

اللحظة التاريخية التي أعلن فيها قيام الاتحاد في 2/‏12/‏1971 ورفع علم الإمارات للمرة الأولى (أرشيفية)

د. يوسف الحسن

كان يوم ميلاد الاتحاد الفيدرالي بين الإمارات، قبل 45 عاماً، يوماً فاصلاً في تاريخ المنطقة، وإقليم الخليج العربي، فتح الباب أمام تغيير جذري في المجتمع، والرؤى والمكان والبنى الاجتماعية، والنظام السياسي والدستوري والاقتصادي، وبناء حالة من التلاحم المجتمعي والاندماج غير المسبوق، والانتقال من القبيلة إلى الدولة، حيث الكينونة الوطنية، وبناء شرعية الإنجاز، وتعزيز شرعية التاريخ.
كان هذا اليوم التاريخي بداية مسار للسفر إلى المستقبل، عبر تمكين الناس في مختلف الإمارات، من تشكيل شعب جماعة إنسانية، بالمعنى السياسي والقانوني، وتعويضه عن عقود طويلة من الحرمان والشقاء، والتخلف والعزلة المفروضة، والأمية واقتصاد الكفاف، والتجزئة والنزاعات، بتأسيس دولة رفاه ورعاية، توسّع خيارات الشعب، وتضعه في مواقع متقدمة في مؤشرات الإنماء والتعليم والصحة والأمن الإنساني، والانفتاح وتمكين المرأة، والتنافسية، والحياة الرغدة، والتميز والجودة في الخدمات.. إلخ.

ثقافة وئام وتلاحم
كانت الثقافة الفطرية لرواد هذا الاتحاد، المسلحة بإرادة صلبة، ثقافة وئام وطني، وتلاحم مجتمعي، وتراحم إنساني. ثقافة «وحدوية»، إنْ على مستوى الخليج، أو على مستوى الوطن العربي، ويذكر الصديق الدكتور سعيد حارب، في مؤتمر قبل سنوات، أن طلبة المدارس في الإمارات ما قبل الاتحاد، كان نشيدها في طوابير الصباح، هو«بلاد العرب أوطاني»، وهو نشيد قومي وحدوي، نظم كلماته الشاعر فخري البارودي، وهي ثقافة ترسخت في وجدان الناس، بقيام الاتحاد، وبثماره اليانعة، ولعبقرية الصحراء وركوب البحر دور في اتساع الرؤية وامتلاك ثقافة الصبر والانفتاح، فضلاً عن الحكمة في مواجهة الصعاب، وقد نجحت هذه «الثقافة» في تحويل صعاب التأسيس، إلى رافعة ومرتكز للنهوض، وتعزيز الدفاعات الذاتية للشعب. وفي تقديم هذا الاتحاد الفيدرالي، إلى العالم، كدولة نافعة للإنسانية، لا دولة هشة أو فاشلة أو عالة، بعد أن أقامت، خلال العقود الأربعة الماضية، علاقة ناجحة مع التحديث والتجارة والإدارة الحكومية الذكية، وبناء المؤسسات، وبلورة معالم هوية ثقافية وطنية جامعة، وراكمت رأس مال بشري ثقافي، يسهم في تنمية وجدان الشعب، وتجديد حيويته، وتعزيز تنميته الثقافية، وتواصله مع الآخر، وترسيخ قيم الخير العام في المجتمع.

شخصية إماراتية
نستطيع أن نقول بلا مواربة إن لدينا اليوم، ثقافة إماراتية عربية، وهوية ثقافية في طور التشكل، وتراث روحي ومادي مشترك، يشعر كل مواطن أنه جزء منه، وشخصية اجتماعية اتحادية، شخصية إماراتية ثقافية، لها عمق خليجي وعروبي، تنشد الإبداع والتطور والانفتاح على ثقافات العصر. ومن حسن الحظ أنْ توفرت لسؤال الثقافة، قيادات مسؤولة، مثقفة، ذات رؤية ورغبة في إعلاء شأن الثقافة، مدركة أهميتها، باعتبارها حصناً لوحدة الشعب، ومنتجة لهويته الوطنية ولصياغة قيم تنويرية وأخلاقية وعقلانية وعلمية، ومصدراً أساسياً لتجديد حيوية المجتمع، وبث أخلاقيات الحوار بالتي هي أحسن، واحترام الاختلاف والقانون، ونبذ الغلو والعنف.

مشروع ثقافي وطني
إن المبادرات الثقافية (بمعناها الواسع) التي أطلقتها، وتطلقها، الإمارات، هي مؤشر ساطع على إعلاء شأن الثقافة باعتبارها مستودع الهوية الوطنية وقضية أمن وطني، وأن التنمية الشاملة لا تتحقق من دون تنمية ثقافية. إن الثقافة هي الصورة المميزة لأي شعب، وفيها تنتظم سماته المادية والروحية والوجدانية والفكرية، وتشمل معارفه وقيمه وطرائق تفكيره، وطرز حياته، فضلاً عن تطلعه وطموحاته المستقبلية، وإشباع حاجاته الإنسانية. والثقافة، أيضاً، عنصر حيوي في تأسيس الدولة الحديثة، وفي صوغ صورة الإنسان لذاته، وصورته لدى الآخر.
لدينا اليوم حراك ثقافي ملموس ومشاريع ثقافية عصرية كثيرة تتفاعل مع الواقع وتسعى للوصول إلى الناس في المدن والقرى وتتطلب رعاية ودعماً حكومياً ومن القطاع الخاص، وجهوداً دؤوبة لإغنائها واستدامتها في إطار مشروع ثقافي وطني جامع يسهم في إعداد مواطن المستقبل، مواطن منتمٍ بولائه إلى وطنه، مبدع ومنتج ومشارك ومنفتح.. مشروع ثقافي متوازن في حقوله، وشمولي في ميادينه الثقافية، نابع من الذات، ومتطلع إلى التجدد والتفاعل مع العصر ومع الآخر الثقافي المغاير، وله علاقة تبادلية مع التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويتسع لأكبر عدد من أفراد المجتمع، لتصبح الثقافة نمط عيش مشترك، وسلوك، وينخرط فيها المواطن والمواطنة، إبداعاً وإسهاماً واستمتاعاً.

تحديات ثقافية
ونحن نقترب من عيد الاتحاد الخمسين (الذهبي)، بعد خمس سنوات، ونعمل على مبادرات ومشاريع للتنمية الثقافية، كثيرة ومهمة، ويتموضع سؤال الثقافة في جدول أولويات العمل الوطني،... يتطلب منا، كل ذلك، إنضاج تصور واضح وعلمي، لإطار التنمية الثقافية في أزمنة التحولات الجارفة والعميقة، مبادرات ثقافية مدهشة وملهمة، تطرحها الدولة أمامنا، وأمام العالم من حولنا، وتقننها بالتشريعات اللازمة، والرعاية والتكريم، وإعلاء شأن اللغة العربية، والإبداع العربي، وتحفز في الناس حس المشاركة، والبحث والتفكر والقراءة، وامتلاك آليات الفعل الثقافي، لمواجهة ثقافة معولمة ذات سطوة، و«ضجيج» ثقافي، يوقظ بنىً عصبوية، منحدرة من عهود ما قبل المجتمعات الحديثة، وأخرى «ثقافة ترفيهية» بجرعات هابطة، بعيدة عن الإبداع والذهنية الإنتاجية، وثقافة أخرى مرئيّة، هي ثقافة الصورة والفرجة، واللحظة الزائلة، بقيمها المتعولمة، كقيم البذخ الاستهلاكي، والكسب السريع... إلخ.
في مبادراتنا الثقافية المدهشة ما له صلة بإنتاج المعرفة وطنياً، وتأسيس تقاليد علمية وبحثية، تُثري شخصية الوطن والمواطن، إبداعاً وثقةً بالنفس، وتقدم نتاجه الثقافي إلى فضاءات ومجتمعات خارج حدود الوطن، وتدير حول وفي هذا النتاج، حركةً نقدية تثريه وتسوّقه وتطوره.
وفي الوقت نفسه، لا بد أن نستحضر في الذهن والفعل، أن هناك تحديات ثقافية ليست هينة، وعلى رأسها تحديات ثورة الاتصال والمعلومات والإعلام المرئي، وضغوط الثقافة المعولمة، وتأثيراتها الهائلة، و«تسليع» الثقافة، وجعلها مقترنة بمفهوم السلعة التجارية... إلخ. وبالطبع، إننا لا ندعو إلى الانكفاء، وهذا يتعذر تحقيقه، أو فقدان الثقة بقيم إيجابية، ارتبطت بثورة التقنية والاتصال والمعلومات، لكننا ندرك أن نوعية ثقافة أي مجتمع هي التي تحدد نوعية أي مواطن نريد في المستقبل.
الثقافة في زمن «الاتحاد» هي قوة أساسية للبقاء، وأعطت وتعطي لهذا النموذج التكاملي الفيدرالي الناجح والملهم، المعنى، وتنسج وحدة التكوين المجتمعي للوطن، وهويته الوطنية.