الملحق الثقافي

الاتحاد.. يقينُ المثقَّفين

 الهوية الوحدويّة لأهل المنطقة راسخة في أذهان أهل الفكر والثقافة (أرشيفية)

الهوية الوحدويّة لأهل المنطقة راسخة في أذهان أهل الفكر والثقافة (أرشيفية)

د.حمد بن محمد بن صراي*

منذ بدايات تشكّل إمارات الساحل، بنشوء الأسر الحاكمة في المنطقة، بدأت تتشكّل في الوقت نفسه الهوية الوحدويّة لأهل المنطقة، وترسّختْ هذه الهويّة في مواجهة الأطماع الأجنبيّة التي تمثّلتْ بصورة فعّالة في السلطات البريطانية التي رأتْ في هذا الإقليم ميداناً حيويّاً لمواصلاتها في المستعمرات الشرقيّة، وحماية تجارتها المتشعّبة، وهنا انبرى أهل المنطقة يدافعون عن حقّهم في الوجود، والعيش الكريم، والتواصل مع العالَم المحيط بكلّ حريّة وأريحيّة إلا أنّ السلطات البريطانية ترسّختْ أقدامها في عموم منطقة الخليج العربي، وبدأتْها بفرضها بالقوّة العسكرية ثمّ بقوّة القانون والاتفاقات والمعاهدات حتى تكبّلتْ إمارات الساحل بهذه العهود التي لم يكن لأهلها بدّ من التعامل معها. وبعد أن انتهت الحرب العالميّة الثانية، وانجلتْ عمّا فيها من مآسٍ وآلام نال المنطقةَ حظّ منها. وظهر في هذه البلاد نمط جديد من أبنائها ينادون بلمّ الشمل في أشعارهم وأقوالهم، وكانوا الحَمَلة الأوائل للوحدة في المنطقة على الرغم من عدم معرفتهم لكيفيّة إنجاز ذلك، وإتمامه على الواقع.
ثمّ بدأتْ بواكير النّفط تخرج في منطقة الخليج العربي، وسبقت إلى ذلك إمارات الكويت والبحرين وقطر والمملكة العربية السعوديّة، وبعموم خيرات النّفط في الكويت خاصّة، بدأت تولّي شطرها نحو إمارات الساحل، فنتج عن ذلك عدد من المشاريع الحيويّة المتعلّقة بالتعليم والصحة تحديداً. كما أنّ جزءاً كبيراً من أبناء الساحل يمّموا وجوههم إلى بقيّة إمارات ودول الخليج العربية للعمل حيث انفتحت لهم آفاق جديدة للرزق بعد تعثّر مهنة الغوص، ووجد هؤلاء الراحلون في طلب الرزق ثم في طلب العلم ضالّتهم في دول الخليج العربية. وبدأت تتشكّل بواكير الوحدة السباعيّة تحديداً بين الإمارات السبع التي في الوقت نفسه بدأت تتضح فيها معالم إداريّة جديدة، ومشاريع، وهيئات، وجوازات، وحدود، وكان لقاء أبناء هؤلاء الإمارات في أماكن العمل من أهم معالم التواصل والتعارف فيما بينهم، فبدأتْ تبثّ فيهم روحاً جديدة، فالأرضيّة مهيأة، والنّفسيّة مستعدّة، والعقليّة جاهزة تحتاج إلى قيادة تجمع هذا الشتات.

زايد.. داعية الوحدة
وبعد تولّي الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، حكم إمارة أبوظبي في عام 1966 بدأ بنفسه بتوجيه بعض من خيرات النّفط إلى الإمارات الأخرى، بل وانفتح المجال لأبناء الإمارات للانبعاث العلمي على حساب حكومة أبوظبي فصار ذلك فتحاً للأهالي بدؤوا بعمومهم يتطلّعون إلى إطار شامل يضمّ الجميع، ويحفظ المنطقة من الشتات. ثمّ كان إعلان الحكومة البريطانية رغبتها في الانسحاب من شرقيّ السويس، فتلقّاها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، كإشارة إلى ضرورة العمل المشترك بين إمارات الخليج، فكان في البداية الاتّحاد التّساعي، وجرت مباحثات كثيرة حول هذا الشكل الوحدوي إلا أنّه لم يقدّر له أن يتمّ، فانفصلت إمارتا قطر والبحرين وأعلنتا نفسيهما دولتين مستقلّتين. وبقي تطبيق الفكرة عمليّاً على بقيّة الإمارات السبع، وبعد مشاورات واجتماعات كثيرة أيضاً بذل فيها الشيخ زايد، رحمه الله، جهده الأعظم بتوافقٍ من إخوانه حكّام الإمارات رحمهم الله، وتمّ إعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في 2 ديسمبر 1971.
فنشوء الدولة الاتحادية اجتمع فيه إرادة الحكّام، ورغبة الشعب الذي كان مهيّئاً للانضمام إلى هذا النشء الجديد الذي لم ترَ له المنطقة مثيلاً من قبل، وبلا شك فإنّ الجانب الوحدوي هو أوضح دلالة على المصير المشترك بين إمارات الساحل التي كانت تسعى إليه حثيثاً بدون حتى مقدّمات سياسيّة أو إداريّة، وإنّما كان شعوراً عند مواطني الإمارات بأنّ هذه الكيانات الفرديّة الإداريّة سوف تنضمّ في إطار وحدويّ شامل في يومٍ من الأيام.

أمنية.. وتحققت
ورأى مثقّفو الإمارات في تلك الفترة الأولى، وهم في مقارّ أعمالهم في دول الخليج العربيّة، وهم في تعاملاتهم المباشرة وهم على أرض الإمارات، وهم يسمعون كثيراً عن التجارب الوحدويّة في الوطن العربي التي كان مصيرها الفشل، عدم الاستمرار لأسباب عدّة من أهمّها عدم التوافق النّفسي بين بعض الشعوب العربيّة، والتنافر السياسي بين الإدارات التي عملت على نشوء مثل هذه الكيانات الوحدويّة، فكانت مثل هذه المصائر غير الجيّدة مصدر خشية عند أبناء الإمارات، وكانت في الوقت نفسه مصدر إلهام ودفع للمضيّ نحو الوحدة، لأنّ الكيانات الصغيرة لم يكن لها تأثير في الواقع العالمي، خاصّة أنّ المنطقة كانت تمرّ بظروف سياسيّة وعسكريّة خطيرة. كما رأى مثقّفو الإمارات الأوائل أنّ الدور البريطاني في المنطقة كان لاعباً سلبيّاً أثّر في البلاد، وجعلها في عزلة، وفرض عليها نوعاً من التجهيل في العلم والمعرفة، ومع كلّ هذه الظروف السلبيّة فإنّ الوحدة مضتْ قدماً بين حكّام الإمارات من جهة وبين شعب الإمارات من جهة أخرى. وكانت أمنية أن يتنقّل أبناء الدولة من السلع إلى دبا بدون وثائق سفر، وبدون أن يسألهم أحد عن الحدود أين أنتم ذاهبون؟ أو ما هو مقصدكم؟ حسبما كان الحال قبل الثاني من ديسمبر 1971. وهذه كانت من أهمّ معالم الاتحاد التي تحقّقتْ في البداية. ثمّ تطوّر الحال باجتماع أبناء الإمارات في دول الخليج العربية حيث كانوا يمثّلون وحدة إمارات الساحل على الرغم من عدم وجود دولة واحدة بالنّسبة إليهم، فقد كانوا حينها ينتمون إلى إمارات متعدّدة، ومع ذلك فإنّهم إذا اجتمعوا شعروا بأنّهم أبناء دولة واحدة سوف تتحقّق على أرض الواقع، بإذن الله تعالى، وهكذا تشاء قدرة الله عزّ وجلّ أن تنتقل الأماني والطموحات إلى واقع عمليّ ملموس، فيعود أولئك الطامحون وقد نشأت دولة الإمارات، عادوا وقد تعلّم جزء منهم، وعاد وقد اكتسب آخرون منهم خبرات عمليّة ساهمت في رفد هذه الدولة بما عندهم من مهارات.
وهم حين عودتهم تلقّتْهم أيدي بناة الاتحاد الأوائل، رحمهم الله، وفي مقدّمتهم الشيخ زايد، رحمه الله، ولهذا كان منهم الوزراء، والوكلاء، والمديرون والسفراء والموظّفون الكبار فعمل الجميع على بناء الدولة الاتّحاديّة. ثمّ انتقل الحال مع مرور الوقت إلى المشاعر النّفسيّة التي ارتضت الوضع الجديد، ضمن الإطار الوحدوي الجديد فلم تقبل عنه بديلاً، وأصرّت على بقائه والمحافظة عليه. وحين مرّت الدولة الاتحاديّة ببعض الظروف كان مثقّفو وطلبة الجامعة هم من أكثر المنادين ببقاء هذا الكيان الوحدوي واستمراريته لأنّهم رأوا ما تحقّق ضمنه من إنجازات ضخمة في ظرف عقد ونصف من الزمان. وكان لنشأة جامعة الإمارات العربية المتحدة تأثير واضح في كونها الجامعة الأولى، والجامعة الأم التي تخرّج فيها بعد ذلك أغلب مثقّفي الإمارات، فأصبحت إطاراً عامّاً للطلبة، كما أصبحت الدولة إطاراً عامّاً للشعب. فكانت عقود السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات عقود بناء وتأهيل وترسيخ للمفهوم الوحدوي للدولة الاتحاديّة، وقد يتساءل أحدهم، هل يتطلّب الأمر كلّ هذه السنوات لتحقيق الاندماج؟ والجواب نعم، فنحن الآن لا نتحدّث عن الإطار العامّ الذي تحقّق فعلاً، ونشأت ضمنه الدولة، وأنجزت إنجازات مبهرة في هذا الإطار إنما نتحدّث عن الاندماج الأهلي والشعبي، والتفاعل النّخبوي، والطلّابي والتربوي وهذا في عمر الأمم قصير مقارنة بما مرّت به أمم أخرى أنشأت اتحادات تكلّفت سنوات وعقوداً أطول، ومرّت بظروف أقسى وأتعب.

همّ ثقافي
وشغل الهمّ الوحدوي مثقّفي الإمارات بدءاً من الجزر الثلاث المحتلّة، وانتهاء بترسيخ المبادئ العمليّة للدولة الاتحادية، ومروراً بقضايا التركيبة السكّانيّة، وإحساساً بقضايا التعليم والصّحّة، وتلمّساً لهموم المواطنين، وإدراكاً للتحدّيات الاقتصاديّة الضخام، وقرباً من صانعي القرار.
وحين تمّ الأمر، واستوى كلّ شيء نضر على سوقه، وترسّخت أقدام الدولة الاتحادية وتعالتْ في عنان السماء بمنجزاتها العالية في كل ميدان من ميادين الحياة، واصل مثقّفو الدولة طريقهم في المضيّ متوافقين مع الدولة الاتحاديّة، يواصلون الطريق نفسه الذي سلكه أسلافهم حين بنائها، وتأسيسها، متلمّسين الأدوات نفسها مع الأخذ بعين الاعتبار ظروف العصر، وطبيعة الحياة، واختلاف وسائل التواصل مع الآخرين، فما كان معمولاً به في عقود السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات لم يعد معمولاً به في عقدَي القرن الحادي والعشرين، إذ تطوّرت الأحوال، وتغيّرت الظروف، فكان لا بدّ لمثقّفي الإمارات الأخذ بالواقع المعاصر، والتواصل مع الآخرين بوسائل العصر إذ لم يعد الكتاب وحده يكفي، ولم تعد الكتابة الصحفيّة بطريقتها الأولى تكفي، ولم تعد وسائل الإعلام بما كانت عليه تكفي، فلهذا عمل مثقّفو الإمارات على استعمال التغريدات ووسائل التواصل الاجتماعي الحديثة مع الأخذ بعين الاعتبار الوسائل الأخرى السابقة فأكّدوا بكلّ عبارات الفخر والاعتزاز أنّهم متفاعلون مع وحدتهم في إطار دولتهم الشاملة.
وما يحدث هذه الأيام من تغيّرات شاملة في كثير من مجالات الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والإدارية والعسكريّة والسياسيّة تتطلّب رأياً توافقيّاً بين مثقّفي الإمارات يدعم التوجّه الوحدوي للدولة، وفعلاً فإنّ مَن يتابع تصريحات وكتابات وتعليقات مثقّفي الدولة يلاحظ هذه الوتيرة التوافقيّة، والنّظرة الشاملة المدركة للأوضاع من حولنا. كما دخل مثقّفو الدولة في كلّ وسائل التواصل مع الجمهور، كتابة، وحديثاً، ونصّاً، ومحاضرة، ورأياً عن طريق المتاح من وسائل التواصل فأبدوا رؤاهم، وأفكارهم بما يتوافق مع الحفاظ على الكينونة الاتحادية لهذه الدولة.
..........................................
* قسم التاريخ والآثار، جامعة الإمارات العربية المتحدة

نظرة توافقيّة
ما يحدث هذه الأيام من تغيّرات شاملة في كثير من مجالات الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والإدارية والعسكريّة والسياسيّة تتطلّب رأياً توافقيّاً بين مثقّفي الإمارات، يدعم التوجّه الوحدوي للدولة، وفعلاً فإنّ مَن يتابع تصريحات وكتابات وتعليقات مثقّفي الدولة يلاحظ هذه الوتيرة التوافقيّة، والنّظرة الشاملة المدركة للأوضاع من حولنا.