الملحق الثقافي

شهداء الإمارات في «واحة الكرامة»

جانب من نصب الشهيد (تصوير وليد أبو حمزة)

جانب من نصب الشهيد (تصوير وليد أبو حمزة)

محمود عبد الله (الاتحاد الثقافي)

تهتم دول العالم قاطبة، بإنشاء النّصب التذكارية في مختلف مناطقها تخليداً لتاريخها، وتمثل تلك النّصب مع الزمن رموزاً وطنية، تفخر بها الأجيال المتعاقبة، باعتبارها شاهدة وحافظة لمحطات فاصلة ومهمة في الذاكرة الجمعية. وتتنوع النّصب التذكارية بتصاميمها وأهدافها، والغرض منها، قد يكون ما يخلّد قائداً أو مناضلاً، ومنها ما يخلّد حرباً أو معركة، أو حادثة تاريخية، ومنها أيضاً ما يخلّد الشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن الوطن وشرف الأمة، وتظل تلك الصّروح، إذا تمت المحافظة عليها وصيانتها بشكل منتظم، كنزاً ثقافياً للأجيال، كونها تمثل قيمة تاريخية ووطنية تفخر بها الأمة أمام العالم المتحضّر.

«واحة الكرامة» نصب تذكاري يخلد الشهداء، ويحتضنه فضاء العاصمة أبوظبي، وهو تصميم نوعي فريد للتشكيلي والنّحات العالمي البريطاني إدريس خان، تكريماً من القيادة لبطولات شهداء الإمارات وتضحياتهم النبيلة في سبيل الدفاع عن الوطن، وحماية وصيانة مكتسباته، وحفظ كرامة الأرض وأبنائها، وقد تفقّد موقعه مؤخراً صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حيث أكد، خلال جولته في الموقع، أن تضحيات شهداء وأبطال دولة الإمارات العربية المتحدة، ستبقى محفورة في ذاكرتنا عنواناً للفخر والعزّة والمنعة ونماذج مشرّفة في البذل والعطاء، ومنارة تضيء درب المستقبل المزدهر لوطننا، وستبقى دروساً عميقة لإلهام الأجيال القادمة بأسمى معاني التضحية والولاء والانتماء للوطن والحفاظ على أمنه واستقراره وعزّة وكرامة شعبه.
وكان لافتاً أن يوجّه سموّه، بأن يتولى مكتب شؤون أسر الشهداء بديوان ولي عهد أبوظبي، الذي يديره الشيخ خليفة بن طحنون بن محمد آل نهيان، مهمة الإشراف على تنفيذ النصب التذكاري ومتابعة الخطط والبرامج اللازمة بالتنسيق مع الجهات والمؤسسات المعنية في الدولة لتشييد هذا المعلم الحضاري غير المسبوق في فكرته وتصميمه.

في وقتها
إن فكرة إنشاء هذا المكتب في غاية الأهمية، وقد جاءت في وقتها فعلاً، بعدما استشهد عدد من جنودنا البواسل أثناء تأدية واجبهم الوطني ضمن قواتنا المسلحة المشاركة في عملية «إعادة الأمل» للتحالف العربي، الذي تقوده المملكة العربية السعودية الشقيقة، للوقوف إلى جانب الحكومة الشرعية في اليمن. في حين تأتي إقامة النصب التذكاري ترجمة لحرص صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، على تخليد شهداء الوطن الأبرار الذين جادوا بأرواحهم الطاهرة من أجل الحق والواجب ورفعة راية الوطن في المحافل كافة.
ولا شك في أن اختيار المكان المناسب للنصب التذكاري، يمثل ما نسبته 50% من قصة نجاحه، فهذا الصّرح العظيم ينتصب شامخاً في فضاء بديع مقابل جامع الشيخ زايد، من ناحية الشّرق على شارع الشيخ زايد في أبوظبي، ما يؤكد أن الاختيار كان وفق مخطط دقيق، فقد روعي فيه تميز المكان وانسيابية الوصول إليه من الجهات كافة، سواء الطرق الداخلة إلى مدينة أبوظبي أو الخارجة منها، وسط حديقة تغطي مساحة تبلغ 42 ألف متر مربع، بين الجامع، والقيادة العامة للقوات المسلحة الإماراتية، وعدد من الفنادق الفخمة، وتشمل الحديقة الكبرى مسطحات خضراء في شكل متنزهات أو حدائق صغيرة، بما تحتويه من أشجار مظللة ومزهرة، والنخيل وغيرها من المزروعات التزيينية، التي تضفي على المكان مزيداً من الجمال، إلى جانب ما تحمله من فائدة صحية وبيئية، وجميعها موظفة في سياقات تقتضيها مرتكزات البعد المكاني، تتوزع بشكل هندسي دائري تحفّ بالنصب التذكاري من كل الجوانب، إضافة إلى عدد من المزايا التي تجعل من زيارتها رحلة شيّقة ومؤثرة، حيث يمتد بصر الزائر نحو المساحة المظللة داخل الحديقة، ما يستدعي المدرك البصري إلى مزيد من التأمل في النباتات التي تم اختيارها بعناية لتنسجم مع الهارموني اللوني للمكان الذي نجح بكل المقاييس في أن يصنع الحدث من خلال لغة تشكيلية غير تقليدية، وتعكس أصالة البيئة المحلية، وتتسع حدقات العين، حينما تركز النظر في تحوّل الساحة الكبيرة المغمورة بطبقة رقيقة من الماء في معظم أوقات السنة، إلى مرآة تعكس صور (واحة الكرامة) التي تكاد تلامس ذلك البعد الروحاني في مسجد الشيخ زايد، الذي يظهر بوضوح كخلفية للتصميم، في وحدة فنية تتجسد في بانوراما المكان الذي يأخذك بعيداً، ويتم تجفيف الماء في الساحة مرة كل عام احتفالاً بالذكرى السنوية ليوم الشهيد الذي يصادف اليوم الثلاثين من شهر نوفمبر.
أما التصميم النوعي الدقيق الذي قدّمه إدريس خان، المهتم بالتصوير أيضاً، فتتمحور أعماله حول الذاكرة المركبة والإبداع والتجارب، فيكتسب أولاً قدرة على التعبير عن معاني الوحدة والقوة والتلاحم والتعاضد والتكاتف والافتخار بقيم التفاني والإخلاص والارتباط الحميمي بالمكان، حيث التأمل الفلسفي البديع في 31 لوحاً معدنياً مائلاً بترتيب هرمي بلون رمادي أخاذ، يسند بعضها الآخر، في تكوين هندسي مهيب يستفيد من المشهدية الدرامية في المسرح، ويضفي عليها الجلال تلك الباقة من أشعار المغفور له الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، التي كتبت عليها، فضلاً عن رواق مغلق يضم 7 رسومات زجاجية تمثل إمارات الدولة السبع، كما يحتضن الرّواق اسم كل بطل من الأبطال الذين ضحوا بأرواحهم فداء للوطن، وقد أخذ المصمم والمهندس خان، على عاتقه أن يبرز هذا المعلم، بصورة تنسجم تماماً مع أهمية النظرة التي تسمو على الفن من حيث كونها علامات إرادة جماعية، معتمداً في تحقيق ذلك على المعايير بتعدد المضامين والأشكال، مهتماً في الوقت ذاته بعملية الصقل للألواح، المصممة بطريقة هندسية بارعة، تسمح بتحقيق تقاطع وانعكاسات جميلة مع الإضاءة الطبيعية في النهار، حتى لتبدو للناظر من بعيد، وكأنها لوحة تشكيلية معمارية تصور مجموعة من النّاس، يأخذهم الحنين إلى لحظة عناق إنساني صافٍ، في الهواء الطلق، وحسبنا هنا ونحن نشغل الخيال، ونمعن النظر في شكل (واحة الكرامة) وقد سقطت عليها إضاءات ليلية، حيث يسهل للعين اكتشاف دنيا المجازات والاستعارات والدلالات الرمزية، في ميل عام نحو الفخامة والعظمة، بما ينسجم، مع الهدف من تصميم النصب التذكاري الذي يخلّد شهداء الواجب الذين سقطوا في ساحات المعارك دفاعاً عن الكرامة والحرية والشرعية، وبما يعبر ضمناً عن معاني القوة والوحدة والتضامن، وهي القيم التي تميز العلاقة المتينة بين قيادة وشعب الإمارات مع جنودها وأبطالها الذين قدموا أرواحهم فداء للوطن ونصرة للحق والمظلوم، على نحو ما قاله صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان: «إن (واحة الكرامة) هي صرح وطني شامخ، يجمع قلوب أبناء الإمارات، ويوحدهم على تكريم أبطال صنعوا أمجاد الوطن من خلال سرد قصص بطولية، قدّمت فيها تضحيات عظيمة، لحماية عزّة وكرامة وطنهم، فهذا الصّرح الوطني الذي يخلّد ذكراهم وتضحياتهم سيكون شاهداً تاريخياً يستلهم منه أبناؤنا وأجيالنا القادمة أسمى القيم السامية النبيلة وأروع النماذج المشرّفة في حب الوطن والانتماء لترابه وأرضه المعطاء».

ميدان الفخر
لا يقف تصميم واحة الكرامة، جامداً، بل فاعلاً يمتد تكوينه العام إلى (ميدان الفخر) الذي يتضمن مساحات واسعة لإقامة مختلف الفعاليات والمناسبات الوطنية، وإذا نظرت إلى هذا التضاد البديع في مكونات المشهد، ستجد خليطاً منسجماً: ألواح حديدية متسقة، حدائق متنوعة الشكل والحجم، ميدان، أشبه بساحات الحرية في مدن عديدة، ستجد دون شك أن هذا التضاد مقصود، للخروج أولا من استاتيكية المنظر، ولإضفاء (الصبغة الشعبية) على المشهد الفني العام، حيث سيادة فكرة التأمل في مفهوم التضحية قوياً واضحاً، على أنّ أجمل حيلة اشتمل عليها التصميم العام الذي وضعه إدريس خان بمهارة عالية، هي أنّك تستطيع التمتع بمنظورات هذا العمل الفني الراقي، أينما وقفت أو جلست، والواقع أننا نستطيع القول هنا إن حسن استخدام عناصر التزيينات الداخلية والخارجية، بما يسمح هذا التكوين الملحق بمساحات وفضاءات متنوعة ضمن المنظور العام، من إقامة احتفاليات تشمل عروض الموسيقا العسكرية، التي تبث أنواعاً من الأهازيج والألحان الوطنية، التي تثير في النفس الحماسة، دون أن نغفل أن إدريس خان يتمتع بخيال خلاّق، وطبيعة فلسفية، دفعت به إلى وضع تصميم لا يمكن أن يخطر على بال أحد، وبخاصة أنه خرج من إطار التصميم التقليدي، إلى تصميم معاصر أكثر رحابة وانطلاقاً، حينما وضع نصبه التذكاري (واحة الكرامة) وسط المنظر الطبيعي، ما جعل هذا العمل التحفة يمتلك طاقة تعبيرية كبيرة، ليس لكونها منسجمة مع الوسط المحيط، وإنما لتمكنها من التعايش بسلام مع كل العناصر القريبة والبعيدة عنها، بحيث يبدو مغروساً في موقع مرئي، يؤكد حضوره في المنظور العام، على مستوى عال من التأثير، فعادة ما تسهم الخضرة والفراغ في تضخيم النواحي التعبيرية، فالخضرة والفراغ أصبحا مع تقدّم الهندسة المعاصرة عنصرين فاعلين.
ومن المفيد هنا تأكيد أهمية تداخل العلاقة بين الشكل والمضمون، وهو ما فعله بالضبط إدريس خان وفريقه، بتركيزه على القيم الجمالية في التصميم العام، وربما مقتدياً بما أشار إليه هربرت ريد في كتابه «معنى الفن» إلى أن تنفيذ النصب التذكاري يستوجب أسساً خمسة هي: الشكل والمضمون، الموضوع، الحقبة، الأجيال اللاحقة، والخامة المستخدمة، إلا أن الأهمية التي ينبغي علينا الإشارة إليها من مشروع واحة الكرامة، ومدى حضوره وتواصله مع أصحاب القرار، والمثقفين والجمهور، كتعبير صادق عن أسمى احتياجات الإنسان الثقافية، ومن ذلك ما أكده في تصريحات سابقة، على سبيل المثال لا الحصر، أستاذ علم الاجتماع التطبيقي عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة الشارقة، الدكتور أحمد فلاح العموش، بقوله: «الأهمية الاجتماعية التي تمثلها مبادرة إنشاء نصب تذكاري للشهداء في أبوظبي، أنها تعمل على تعزيز مفاهيم التربية الوطنية لدى الجيل الجديد».
وأشار إلى أن النصب التذكاري يبرز قيمة التضحية التي قدمها الشهداء في سبيل الدفاع عن أمتهم ووطنهم، ما يجعله راسخاً في الذاكرة الجمعية بقوة، ولفت إلى أن النصب التذكاري يسهم في مزيد من الترابط والتماسك الشعبي نحو الوطن والقيادة السياسية، ويزيد من اللحمة الوطنية والوحدة الاجتماعية، اللتين يتميز بهما شعب الإمارات بما يجعل كل فرد في المجتمع يشعر بمسؤوليته تجاه بلده.
من ناحية ثانية، قالت خولة الملا، رئيس المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة:
«نقول لابن الإمارات البار، صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، لقد صافحنا طريق المجد، بأن يكون لشهدائنا الذين زادوا كرامة، بإنشاء نصب تذكاري بمسمى «واحة الكرامة»، وحقاً نقول لكل عائلة كان لها شهيد، أنتم فخر لدولتنا، وعروبتنا، وإسلامنا، فالحرية والكرامة والآباء، أجنحة لدولتنا الغالية، تحت ظل قيادتنا الرشيدة، التي التحمت مع الشعب لنصرة الحق، ولعلنا بهذا النصب التذكاري نكون نبراساً للأجيال القادمة».



يقف خلف نجاح وتميز هذا التصميم الفريد (واحة الكرامة) فنان تشكيلي ونحات عالمي شاب، هو إدريس خان الذي يعتمد في تصميماته الضخمة في العادة، على مجموعة متنوعة من المصادر الثقافية، بما في ذلك الأدب والتاريخ والفن والموسيقا والدّين، لخلق التكوينات الملائمة للغاية المأمولة منها، كما فعل تماما في تصميمه الفريد للنصب التذكاري (واحة الكرامة)، حيث روعي فيه أن يحقق الغاية التي أنشئ من أجلها التي تبدو متراصة، وكل لوح فيها يبدو أنه مكون من قطع تتلاحم مع بعضها لتكشف لك في النهاية عن فكرة التعاضد، حيث تشعر ومن أي زاوية نظرت منها إليه، بأنك أمام بناء مهيب، شامخ، من خلال آل 31 لوحا حديديا، المتشكلة بشموخ، يتحدى الفضاء، فيما تكسبه طبقة المياه الرقيقة التي تحف به على شكل دائري، مع تلك المنظومة من العتبات الرخامية، التي تحيل على فخامة في طرز العمارة الإسلامية، مع حداثة منضبطة في التصميم ذات الصبغة التركيبية، بحيث تنسل هذه المنظومة التصميمية كاملة إلى معاني البطولة والشجاعة والتحدّي التي تتسم بها فكرة الشهادة وتضحية الشهيد في ذات الوقت.
ويذكر خان، في عدد من المواقع الأجنبية: أن هذا العمل كان بالنسبة له تحد من نوع خاص، لأنه استغرق منه وقتا طويلا في نواحي التخطيط والبحث في عملية صقل الألواح الحديدية، وتلك التزويقات، حتى يصل لصورته النهائية، معتمدا في البداية على وسيلة التصوير، لخلق شيء موجود على سطح الورق ثانيا، ليتم نقلها مرة أخرى إلى لحظة التكوين الأخير. بينما عقلية خان، هنا، توضح تركيزه على الرسم أكثر من التصوير.
ويشير خان إلى أنه استعان في تصميم عمله بالعديد من مجالات الإبداع مثل التصوير والمسح الضوئي، والموسيقا، وصفحات من القرآن الكريم، لهذا وفي كثير من الأحيان ستجد أن عمله له صبغة روحانية.

كثافة وقداسة
إذا أمعنت النظر في التصميم ستجد أنّه بارع، في توظيف المسح الرقمي بما يسمح له بدقة الفروق ومراقبة دقيقة في المقابل، السطوح والتعتيم، ومن ذلك تستطيع متابعة الأفق الواسع لتكوين واحة الكرامة، الذي يحقق كثافة بصرية ممتدة، وكأنك على التوازي في مكان يملك قدسيته الكاملة.
نستطيع القول إن خان المتعدد المواهب، يهتم كثيراً بسبب ديانته، بالجانب الروحي في أعماله الضخمة، ولا شك أنه استفاد في تصميمه هذا من عمل كلف به عام 2012، من قبل المتحف البريطاني في لندن لخلق جدار جديد لمعرض بعنوان: (الحج: رحلة إلى قلب الإسلام) ونفذه في قالب فني يجمع ما بين الرسم والنحت، حيث تم تثبيت هذا الجدار في إحدى قاعات المحكمة الكبرى في المتحف، ولهذا ولأشياء كثيرة يمكن لنا أن نختم أن عمله هذا الذي يمثل إحدى منارات العاصمة، التزم في توقيعه إلى حد بعيد بأدبيات التشكيل والنحت المعاصر، مع لمسات روحانية ترتبط وثيقاً بفكرة الشموخ والآباء والتحليق في الفضاء.

شاهد تاريخي
«واحة الكرامة» هي صرح وطني شامخ، يجمع قلوب أبناء الإمارات، ويوحدهم على تكريم أبطال صنعوا أمجاد الوطن من خلال سرد قصص بطولية، قدّمت فيها تضحيات عظيمة، لحماية عزّة وكرامة وطنهم، فهذا الصّرح الوطني الذي يخلّد ذكراهم وتضحياتهم سيكون شاهداً تاريخياً يستلهم منه أبناؤنا وأجيالنا القادمة أسمى القيم السامية النبيلة، وأروع النماذج المشرّفة في حب الوطن والانتماء لترابه وأرضه المعطاء.

محمد بن زايد آل نهيان

المكان المناسب
إن اختيار المكان المناسب للنصب التذكاري، واحد من أهم أسباب نجاح فكرته، فهذا الصّرح العظيم ينتصب شامخا في فضاء بديع مقابل جامع الشيخ زايد، من ناحية الشّرق على شارع الشيخ زايد في أبوظبي، ما يؤكد أن الاختيار كان وفق مخطط دقيق، فقد روعي فيه تميز المكان وانسيابية الوصول إليه من الجهات كافة، سواء الطرق الداخلة إلى مدينة أبوظبي أو الخارجة منها، وسط حديقة تغطي مساحة تبلغ 42 ألف متر مربع، بين الجامع، والقيادة العامة للقوات المسلحة الإماراتية، وعدد من الفنادق الفخمة، وتشمل الحديقة الكبرى مسطحات خضراء في شكل متنزهات أو حدائق صغيرة، تضفي على المكان مزيدا من الجمال.

سحر فني وروحي
مشهد النصب يسحر العين حقاً، حينما تركز النظر في تحوّل الساحة الكبيرة المغمورة بطبقة رقيقة من الماء في معظم أوقات السنة، إلى مرآة تعكس صور (واحة الكرامة) التي تكاد تلامس ذلك البعد الروحاني في مسجد الشيخ زايد، الذي يظهر بوضوح كخلفية للتصميم، في وحدة فنية تتجسد في بانوراما المكان الذي يأخذك بعيدا، ويتم تجفيف الماء في الساحة مرة كل عام احتفالا بالذكرى السنوية ليوم الشهيد الذي يصادف يوم الثلاثين من شهر نوفمبر.

مهابة وجلال
يجسد النصب معاني الوحدة والقوة والتلاحم والتعاضد والتكاتف والافتخار بقيم التفاني والإخلاص والارتباط الحميمي بالمكان، حيث يعكس التشكيل الفني لـ31 لوحاً معدنياً مائلاً بترتيب هرميّ بلون رمادي أخاذ، يسند بعضها الآخر، في تكوين هندسي مهيب يستفيد من المشهدية الدرامية في المسرح، ويضفي عليها الجلال تلك الباقة من أشعار المغفور له الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، التي كتبت عليها، فضلا عن رواق مغلق يضم 7 رسومات زجاجية تمثل إمارات الدولة السبع، كما يحتضن الرّواق اسم كل بطل من الأبطال الذين ضحوا بأرواحهم فداء للوطن.