ألوان

حظوظ الدنيا ورخاء الكفار.. متاع قليل زائل

أحمد محمد (القاهرة)

كان مشركو مكة واليهود، في رخاء ولين من العيش، يتجرون ويتنعمون، يضربون في الأرض ويكسبون، على حين لا يستطيع المسلمون ذلك لوقوف المشركين لهم بالمرصاد، وإيقاعهم بهم أينما ثقفوهم، وعجز هؤلاء عن مقاومتهم إذا خرجوا من دارهم للتجارة أو غيرها، فقال بعض المؤمنين إن أعداء الله فيما نرى من الخير، والخصب والرخاء ولين العيش وقد هلكنا من الجوع والجهد، فأنزل الله تعالى: (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ، وَبِئْسَ الْمِهَادُ)، «سورة آل عمران: الآيات 196 - 197».
قال ابن كثير، يقول تعالى لا تنظروا إلى ما هؤلاء الكفار مترفون فيه، من النعمة والغبطة والسرور، فعما قليل يزول هذا كله عنهم، ويصبحون مرتهنين بأعمالهم السيئة، فإنما نمد لهم استدراجا، وجميع ما هم فيه، متاع قليل، ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد، وهكذا لما ذكر حال الكفار في الدنيا وذكر مآلهم إلى النار، قال بعده: (لَ?كِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ، وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ)، «سورة آل عمران: الآية 198».
وقال السعدي، هذه الآية المقصود منها التسلية عما يحصل للذين كفروا من متاع الدنيا، وتنعمهم فيها، وتقلبهم في البلاد بأنواع التجارات والمكاسب واللذات، وأنواع العز، والغلبة في بعض الأوقات، فإن هذا كله متاع قليل ليس له ثبوت ولا بقاء، بل يتمتعون به قليلاً ويعذبون عليه طويلاً، هذه أعلى حالة تكون للكافر، وقد رأيت ما تؤول إليه، وأما المتقون لربهم، المؤمنون به، فمع ما يحصل لهم من عز الدنيا ونعيمها لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، فلو قدر أنهم في دار الدنيا، قد حصل لهم كل بؤس وشدة، وعناء ومشقة، لكان هذا بالنسبة إلى النعيم المقيم، والعيش السليم، والسرور والحبور، والبهجة نذراً يسيراً، ومنحة في صورة محنة، ولهذا قال تعالى: (... وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ)، الذين برت قلوبهم، فبرت أقوالهم وأفعالهم، فأثابهم البر الرحيم أجراً عظيماً، وعطاءً جسيماً، وفوزاً دائماً.
وقال أبو السعود، لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد، بيان لقبح ما أوتي الكفرة من حظوظ الدنيا وكشف عن حقارة شأنها وسوء مغبتها، إثر بيان حسن ما أوتي المؤمنون من الثواب، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، على أن المراد تثبيته على ما هو عليه كقوله تعالى: (فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ)، «سورة القلم: الآية 9»، أو أن المراد نهي المؤمنين، لا تنظر إلى ما عليه الكفرة من السعة ووفور الحظ ولا تغتر بظاهر ما ترى منهم من التبسط في المكاسب والمتاجر والمزارع.
وقال الشوكاني في «فتح القدير»، الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والمراد تثبيته على ما هو عليه، وخطاب لكل أحد، وهذه الآية متضمنة لقبح حال الكفار بعد ذكر حسن حال المؤمنين، والمعنى لا يغرنك ما هم فيه من تقلبهم في البلاد بالأسفار للتجارة التي يتوسعون بها في معاشهم، فهو متاع قليل يتمتعون به في هذه الدار ثم مصيرهم إلى جهنم، وهو متاع قليل لا اعتداد به بالنسبة إلى ثواب الله سبحانه.
والتقلب في البلاد، الاضطراب في الأسفار إلى الأمكنة، والمتاع ما يعجل الانتفاع به، وسماه قليلاً لأنه فانٍ، وبئس المصير ما مهدوا لأنفسهم في جهنم بكفرهم، أو ما مهد الله لهم من النار.