الملحق الثقافي

قيس بن الملوح.. شعرية الألم

الدكتور عارف الكنعاني

أمام ظاهرة الجنون في الحب.. أو الحب حتى الجنون.. سواء في العصر القديم أو العصر الجديد يبرز سؤال مهم.
? هل ما رُوي أو ما يُروى عن هذه الظاهرة صحيح؟
? هل يصل الحب بالمحب إلى درجة ينهي بها حياته هائماً في القفار باكياً مستسلماً للإحباط والفشل؟
قيس ليلى ليس المثال الوحيد على هذه الظاهرة.. ولكنه المثال الأقسى والأصعب.. ولذلك وجدت أنه يستحق أن نتحدث عنه مرة أخرى ونلقي الضوء على جوانب أخرى من حياته وشخصيته وشعره.
هو قيس بن الملوح بن معاذ بن مزاحم من عامر بن صعصعة.
وهي ليلى بنت سعد بن مهدي بن ربيعة بن الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر
تعلّق بليلى منذ طفولته.. وفي هذا يقول:
تعلقتُ ليلــى وهــي غرٌّ صغيــــرةٌ
ولم يبدُ للأتــراب فــي ثديـها حجمُ
صغــيرانِ نرعــى البهــم يا ليتَ أننـا
إلى اليــومِ لم نكــبرْ ولم تكبرُ البهمُ
ولكن ذلك الحب الذي نما مع الطفلين، لم يكن مجرد هوى طفولي.. بل إنه قام على قاعدة الطهر الذي تمثله الطفولة ولكنه اكتسب أبعاده من الصحراء أولاً حيث كان العاشقان الصغيران يعانقان الطبيعة بأحلامهما الصغيرة الكبيرة.. ومن شاعرية كل من العاشقين التي نمت مع الزمن.
ولقد ظهرت الطبيعة الجميلة في شعر قيس وخاصة جبل التوباد الذي كان شاهداً على لقاءات العاشقين وبراءة تلك اللقاءات إذ ما كاد قيس يلتقي بجبل التوباد تائهاً ضائعاً حتى يرد إلى نفسه ويناجي ذلك الجبل بأبيات تفطر القلوب وتثير الدموع.. يقول المجنون:
وأجهشــتُ للتــــوبادِ حــينَ رأيــتُــهُ
وكبَّـــر للرّحمـــــنِ حــيــن رآنـــــي
وأذرفــتُ دمـعَ العيـنِ لمــا عرفتــهُ
ونــادى بأعلـى صوتــه فــدعانــي

لقاء الأرواح
أما شاعرية العاشقين فهي تتمثل بكونهما يقبلان على تجربة الحب ويغرفان من بحرها لا كفتى عادي وفتاة عادية.. بل إنهما مزودان بنفحة شعرية خاصة.. فالحب ليس تمازج جسدين.. بل اتحاد روحين.. كلاهما كان مرهف الحس قادراً على التعبير عن مكنونات النفس.
ولقد تناقلت المراجع العديدة التي تناولت حياة العاشقين تلك الأبيات التي كانت ليلى العامرية معشوقة قيس تقولها.. على سبيل المثال ما رواه ابن قتيبة في كتابه الشعر والشعراء (ص735):
«خرج رجل من بني مُرّة إلى الشام مما يلي تيماء فإذا هو بخيمةٍ عظيمةٍ وقد أصابها المطر فتنحنح فإذا امرأة قد كلمته فقالت: انزل، فنزلت. فقالت:
? يا عبدالله، أي بلاد نجدٍ وطئت؟
? كلها
? بمن نزلت؟
? ببني عامر
? (متنفسة الصعداء) هل سمعت بذِكر فتى يقال له قيس ويلقب بالمجنون.
? أي والله نزلت بأبيه وأتيته ونظرت إليه.
? وما حاله؟
? يهيم في تلك الفياض ويكون مع الوحش لا يعقل ولا يفهم إلى أن تُذكر له ليلى فيبكي وينشد أشعاراً يقولها فيها.
عندها حل صمت رهيب.. مما جعلني أفكر أن محدثتي من وراء الستار قد سقطت ميتة.. فقمت برفع الستار بيني وبينها لأرى وجهاً أجمل من القمر..
رغم الدموع التي تغطي ذلك الوجه الجميل.. والنحيب الذي يخرج مكتوماً.. فقلت:
? ألا تتقين الله.. ماذا تفعلين بنفسك؟؟ ستموتين حزناً وكمداً.
نظرت المرأة إليّ وانطلق صوتها يقول:
ألا ليتَ شِعري والخطــوبُ كثيــرةٌ
متى رحلُ قيسٍ مُســـتقلٌّ فَراجــعُ
بنفـسي مَــنْ لا يســــتقلُّ برحلــهِ
ومن هو إن لم يحفــظ اللهُ ضائـعُ
ثم بكت حتى غشي عليها.. فلما أفاقت قلت:
? من أنتِ يا أمة الله؟ بالله عليكِ قولي من أنتِ؟
ومن خلال الدموع ردت قائلة:
? أنا ليلى العامرية.. ليلى المشؤومة عليه، غير المواسية له.
كان يمكن أن تكون قصة الحب بين ليلى وقيس قصة عادية، يقعان في الحب صغاراً ثم يحرمان من الزواج عندما يكبران.. بل إن والد ليلى يزوجها مَنْ لا تحب.. ويحرمها ممن أحبّت.. ورغم ذلك فلا تكون هناك مأساة بل يرضيان بالأمر الواقع ويذهب كل منهما في سبيله، وكم حدث.. وكم لايزال يحدث من أمثال هذه الحكايات.. إلا أن حكايات قليلة هي التي خلّدها التاريخ وتناقلتها الأجيال.. حكايات العشاق الذين تركوا وراءهم ما يخلدهم.
وقيس ليلى، وجميل بثينة، وكثير عزة، تركوا خلفهم تراثاً من القصائد حفظته الأجيال جيلاً بعد جيل.
ومن غير شاعر كقيس بن الملوح يمكنه أن يمر بزوج عشيقته ليلى (ورد) في أحد أيام الشتاء.. وكان ذلك الزوج يجلس قريباً من النار يستدفئ.. فيقول:
بربّكَ هَـــلْ ضَممـتَ إليــكَ ليلــى
قُبيــــلَ الصُّبـــحِ أو قبّلــتَ فاهــا
وهل رفّتْ عليــكَ قـــرونُ ليلـــى
رفيــــف الأقحوانــةِ فــي نداهــا
كأنّ قُرنفــــلاً وســــحيقَ مســــكٍ
وصـوبَ الغـادياتِ شَــمِلنَ فاهــا
فقال الزوج: اللهم إذا حلّفتني.. فنعم.
لم يصرخ المجنون ولم يبك.. ولكنه أقبل على النار ليقبض على الجمر بكلتا يديه وما فارقت يداه الجمر الملتهب حتى سقط مغشياً عليه.
ومن غيرُ قيس من العاشقين والذين عاشوا مآسي العشاق يقول له رجل من عشيرته:
? يا قيس.. أنا ذاهب الآن إلى حي ليلى.. فبماذا توصيني.
? وهل ستراها.
? من المؤكد أني سأفعل.. فلديّ شأن مع أبيها.
? وهل يمكنك أن تحمل رسالة لها؟
? وما هي هذه الرسالة؟
? قف في مكان تسمعك فيه وقل:
اللهُ يعلمُ أنّ النفسَ هالكةٌ
باليأسِ منكَ ولكنّي أعنِّيها
منّيتُكِ النفسَ حتى قد أضرّ بها
واستيقنت خُلُفاً ممّا أمنّيها
وساعةٌ منكِ ألهوها وإن قَصُرَتْ
أشهى إليَّ من الدنيا وما فيها
وبالفعل مضى الرجل بعد أن حفظ تلك الأبيات ولم يزل يرقب خلوة حتى وجدها فوقف عليها ثم قال لها:
? يا ليلى أحسن من يقول: «الله يعلم إلى آخره»، فبكت ليلى.. وكان بكاؤها متوقعاً.. ولكن من غيرها من العاشقات تستطيع الرد على الشعر بالشعر..
قالت ليلى:
? أيها الرجل الطيب.. أبلغ قيساً السلام وقل له:
نفسي فداؤك لو نفسي ملكت إذاً
ما كان غيرك يجزيها ويرضيها
صبراً على ما قضاه الله فيك على
مرارةٍ في اصطباري عنك أخفيها

الخلاص المستحيل
سمع المجنون مقالة ليلاه فزاد جنوناً.. وأيقن أن لا خلاص له إلاّ بالموت.. فليلى أيضاً مرغمة ولم تتخلّ عنه بإرادتها..
لم يكن أمام قيس وهو يعاني من ظلم عمه له وحرمانه من الزواج بليلى إلا أن يصوغ معاناته في قصائد رائعة تحمل صدق الحب وحرارته التي جعلته لا يحسّ بحرارة لهيب الجمر حينما أمسكه بيديه.
وحكاية القصيدة التي سنسجلها في ختام هذا البحث.. أن بعض بني عمه من المعادين والساخرين والمستهزئين به كانوا يقولون:
? كيف ليلى؟ وكيف حبك لها؟
وعندما يسمع اسم ليلى يعود له عقله فيجلس ليحدثهم عنها وينشدهم ما قاله فيها من الشعر فيقولون:
? والله ما به من جنون.. إنه لعاقل.
سمع قيس هذه العبارة.. فخنقته العبرة.. وأنشأ يقول:
أيَا وَيْــــحَ مَــنْ أمسَــى يُخَلَّــسُ عَقْلــُهُ
فأصبـــح مذهوبــاً بــه كــلّ مذهـــبِ
خَلِيّـــاً مِــنَ الْخُـــــــلاَّنَ إلاَّ مُعَذَّبـــــــاً
يضاحكنــي مـــن كان يهـوى تجنبــي
إذا ذُكــِرَتْ لَيْلَــى عَقَلْـــتُ وَرَاجَعَـــتْ
روائـــع قلبــي مـن هــوى متشـــعب
وقالـــوا صحيـــح مابــه طيــف جنـــة
ولا الهـــــمُّ إلاَّ بِافْتِـــرَاءِ التَّكّـــــــــذُّبِ
وَلِـــي سَقَطَـــاتٌ حـِينَ أُغْفِلُ ذِكْرَهَــا
يَغُــــــوصُ عَلَيْهــا مــَنْ أرَادَ تَعَقُّبـــي
وشـاهد وجـدي دمـع عينــي وحبهـــا
برى اللحم عن أحنـاء عظمـي ومنكبـي
تجنبـــــت ليلــى أن يلــج بـي الهــوى
وهيهـات كان الحــب قبـــل التجنــبِ
فما مغــــــزل أدمــاء بــــــات غزالهــا
بِأسْــــفَل نِهْـــيٍ ذي عَـــرَارٍ وَحلَّــــبِ
بِأحْسَــــنَ مِـــنْ لِيْلَـــى وَلاَ أمُّ فَرْقَـــد
غَضِيضَــة ُ طَــرْفٍ رَعْيُهَــا وَسْـــطَ رَبْرَبِ
نَظَرْتُ خِلاَلَ الرَّكْبِ فِي رَوْنَقِ الضُّحــى
بِعَيْنـَيْ قُطَامِـيٍّ نَما فـَــوْقَ عُرْقُـــــبِ
إلى ظعــــن تحــدى كــأن زهاءَهـــــا
نَوَاعِــــمُ أثْلٍ أوْ سَـــــعِيَّاتُ أثْلَــــــــبِ
وَلَمْ أرَ لَيْلــــى غَيْرَ مَوْقِــــــفِ سَـــاعَةٍ
بِبَطْنِ مِنــى تَرمِــي جِمَــارَ المُحَصّـــَبِ
ويبدي الحصــى منهــا إذا قذفَتْ بــه
مـــن البُردِ أطــراف البنــانِ المخَضّــبِ
فأصبحــــت من ليلــى الغــداة كناظرٍ
مَعَ الصُّبـحِ فــي أعقــاب نجْمٍ مُــغرِّبِ
ألاَ إنَّمَــــــــا غَـــــادَرْتِ يَاأمَّ مـــــــَالِكٍ
صدىً أينما تذهـبْ بــهِ الريــحُ يذهــبِ
حَلَفْــــتُ بِمَـــنْ أرْســى ثَبِيــراً مَكانَــهُ
عَليْهــِ َضَبــابٌ مِثْــلُ رَأْس المُعَصَّــــبِ
ومن يسـلك المومـاة مــن كل نقضــةٍ
طليحٍ كجفن الســيف تُحــدى بموكـبِ
خَـوارِج مِــنْ نُعْمَــانَ أوْ مِــنْ سُــفوحِهِ
إلى البيتِ أو يطلُعْن مــن نجد كبكــبِ
لــه حظـــهُ الأوفـــى إذا كــان غائبــاً
وإن جـــاءَ يبغـــــي نيْلَنـــــا لمْ يُـؤنَّبِ
لقد عشــت من ليلــى زمانـــاً أحبهـــا
أرى الموت منها في مجيئي ومذهبي
ولمّـــا رأت أنّ التفـــــــــرقَ فلتـــــــةٌ
وأنّــا متـــى ما نفتـــــــرقْ نتشـــــعبِ
أشـــــارتْ بِموشـــــومٍ كــأن بنـــــانَهُ
مـن اللـين هُــدّابِ الدّمقِـس المهـذبِ

شرح المفردات:
يخلس: يسلب. الجنة: الجنون. يلج: يلح. المغزل: هي أم الظبي. الأدماء: التي أشرب لونها بياضاً. النهي: الغدير. العرار والحلب: نبات. الفرقد: ولد البقرة. الربرب: قطيع بقر الوحش. غضيضة طرف: منكسر النظرة. القطامي: الصقر. العرقوب من الوادي: منحنى فيه والتواء شديد. الظعون والظعونة: هي البعير الذي يحمل عليه. تخدي: تسرع في سيرها. أثلب: التراب والحجارة. أطراف البنان: رؤوس الأصابع. ثبير: جبل بمكة. المعصب: الذي يضع عصبة على رأسه. الموماة: القلاة لا ماء فيها. النقضة: الناقة التي أهز لها السير. الطليع: المنهك. نعمان: وادٍ بين مكة والطائف. نجد كبكب: الجبل الأحمر قرب عرفة. فلته: اسم من افتلت الأمر. الموشوم: المنقوش، الكف. الدمقس: الحرير. هداب الثوب: الخيوط في طرفيه.

المصادر والمراجع:
?مجنون ليلى، تقديم وشرح وتعليق الدكتور محمد حمود
? الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني
? لسان العرب، ابن منظور