أخبار اليمن

الأطفال المجندون قنابل اليمـــــن الموقوتة

دينا مصطفى (أبوظبي)
ابتهال الصالحي (عدن)

مازال الأطفال في اليمن يدفعون ثمناً فادحاً لصراع طال الأخضر واليابس، وقتل براءتهم جراء عمليات التجنيد من جانب الانقلابيين التي حولتهم إلى قنابل موقوتة ستنفجر في المستقبل، إذا تركوا بين أيدي الميليشيات التي تشحنهم بالعنف وتحرضهم عليه.
وقد حذرت منظمات دولية من تفاقم ظاهرة تجنيد الأطفال في اليمن، حيث تشير أصابع الاتهام إلى الجماعات المتمردة التي كرست لتلك الظاهرة التي تعد اعتداءً صارخاً على حقوق الطفل الأساسية.
وبحسب تقرير لمنظمة سياج الحقوقية في اليمن، فإن نسبة تجنيد الأطفال في صفوف الحوثيين، وصلت إلى 50%، ووصل عدد الأطفال المجندين لديهم ممن تتراوح أعمارهم بين ستة أعوام وسبعة عشر عاماً، إلى 8000 طفل.
ويلعب الأطفال أدواراً أساسية في القتال الدائر هناك، مثل حراسة نقاط التفتيش، وحمل السلاح، بحسب تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة.

وقد تعددت أسباب تفاقم ظاهرة تجنيد الأطفال بين اقتصادية واجتماعية ونفسية، كالفقر والبطالة وغياب الوعي، إلا أن الخطر الأكبر لتجنيد الأطفال هو اشتراكهم في الأزمة الدائرة بحسب خبراء، الأمر الذي سيفرز جيلاً أكثر وحشية، فمشاركة الأطفال في النزاعات المسلحة وتولي كثير منهم أدواراً مباشرة في القتال، ينذر بجيل عنيف غير قابل للتسامح أو التعامل مع الآخر.
وفي الوقت الذي يتم استقطاب الأطفال والمراهقين لتأجيج مشاعر الكراهية والتعصب لديهم، رأى مراقبون أن المنظمات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني فشلت فشلاً ذريعاً في وضع برامج توعوية للمجتمع اليمني لوقف إثارة مشاعر الكراهية والتعصب لدى الأطفال والحد من تجنيدهم.
وكثفت ميليشيات الحوثي مؤخراً عمليات تجنيد الأطفال، حيث اغتالت براءتهم وجعلتهم وقوداً للصراع الدائر هناك، فقامت بتدريبهم ونشرهم في ساحات المعارك، فالحوثيون يجندونهم برضا أسرهم أو غصباً، وتدفع مخصصات مالية لبعض الأسر مقابل أخذ أبنائها، كما تستعين ببعض شيوخ القبائل لإمدادها بالأطفال الفقراء. وبحسب منظمة هيومن رايتس ووتش، فإنه يتم استخدام الأطفال بشكل متزايد على يد الحوثيين منذ استيلائهم على العاصمة صنعاء. وبحسب المتخصصين، فإن مشاركة الأطفال في النزاعات المسلحة وتولي كثير منهم أدواراً مباشرة في القتال، تجعلهم أكثر وحشية ويرتكبون مجازر دموية، ناهيك عن تعرض هؤلاء الأطفال لآثار نفسية خطيرة طويلة الأمد، وهو ما يجعل من عملية إعادة إدماجهم أمراً بالغ التعقيد.
وبحسب تقارير صحفية، فإن بعض الجماعات المسلحة، مثل الحوثي، لها تاريخ طويل في تجنيد الأطفال للقتال، فهم يسلحون أطفالاً في سن العاشرة، وذكرت التقارير أن اليمن يعد واحداً من ثماني دول في العالم يشارك أطفاله في القتال.

تدني تسجيل المواليد
وقالت منظمة سياج إنه من بين أبرز أسباب تجنيد الأطفال هو أعمال العنف التي مارستها الميليشيات وقوى الأمن الموالية للرئيس المخلوع علي عبدالله صالح في مواجهة المقاومة اليمنية.
وأضافت أن انتهاكات الميلشيات حدثت في العاصمة صنعاء ومراكز المحافظات الكبرى (عدن، تعز، الحديدة، حجة، إب، حضرموت، ذمار، وغيرها من المحافظات اليمنية)، وظهر أيضاً مئات الأطفال المجندين يؤدون مهام عسكرية. ورصدت «سياج» أنه من أبرز أسباب انتشار ظاهرة التجنيد هو التدني الكبير في تسجيل المواليد باليمن، وهو أحد أهم المعوقات الرئيسة للتأكد من السن الحقيقي للمتقدم للتوظيف، حيث إن نسبة 8% من اليمنيين مسجلين في كشوف السجل المدني بحسب تعداد 2004م.

الفقر والبطالة
أما عن الفقر والبطالة فهما العاملان الأبرز في تنامي الظاهرة، ويهدف الآباء من إرسال أبنائهم للتجنيد، إلى الحصول على وظيفة، يحصل بموجبها ولده على راتب شهري ضخم يغطي حاجات الأسرة.
وأشارت «سياج» إلى أن بعض هؤلاء الأطفال أيتام تم دفعهم للقتال في تعز وعدن واستغلال فقرهم، لتحويلهم إلى آلات عدوانية تقتل دون هوادة. وتعد أشهر الأعمال التي يقوم بها الأطفال المجندون، التدريب على السلاح استعداداً للمواجهات، والحراسات الأمنية لقيادات الجماعة ومواقعها العسكرية، بالإضافة إلى المشاركة في نقاط التفتيش التي تستحدثها الجماعة.
وتشير المعلومات إلى أن أغلب الأطفال الجنود هم من الأسر الفقيرة ومتوسطة الدخل، وتفرض الجماعة قدراً عالياً من السرية لمنع التعرف إلى أي معلومات عن قياداتها وأعضائها. ودعت المنظمات الحقوقية في اليمن إلى تكثيف الضغط الحقوقي والإعلامي على الحكومة لاتخاذ تدابير وإجراءات عملية لتسريح وتأهيل ودمج الأطفال الجنود، وتخصيص برامج توعية مجتمعية للحد من الظاهرة، بالإضافة إلى تحسين بيئة التعليم، خاصة التي يكثر فيها تسرب الأطفال من المدارس إلى المعسكرات، والعمل من أجل تحديد عقوبات في القانون اليمني بحق من يثبت تورطه في تجنيد واستغلال أطفال.

أطفال عدن مصدومون
كثير من الأطفال الذين التقينا بهم في مدارس عدن لم يتمكنوا من استيعاب، لماذا أقدم أطفال مثلهم على حمل السلاح والمشاركة في القتال؟ فعدن المدينة المدنية التي لم تعتد على المظاهر المسلحة أو انتشار السلاح بين المواطنين كان مظهر الأطفال المجندين في مليشيات الحوثي والمخلوع صادماً لها، والكثير من الأطفال لم يستطيعوا استيعابه، لماذا يزج بهؤلاء الأطفال في حرب عبثية؟ ولماذا رموا بأنفسهم للتهلكة وقبلوا أن يكونوا عرضة للقتل والإصابة الجسدية أو الخروج بآثار نفسية ربما لن يشفوا منها طوال حياتهم.

أطفال عدن
قالت الطفلة نانسي ناصر، 13 عاماً، في الصف التاسع لـ«الاتحاد»: إنه على الرغم من أننا شعرنا بالآلم والقهر والظلم من الجنود الحوثيين، فقد تعاطفنا قليلاً مع الأطفال منهم، فبالتأكيد أن هناك ظروفاً لا نعرفها نحن دفعتهم للاشتراك بالقتال، لأن الأطفال يخافون الافتراق عن عائلاتهم، كما يخافون من أصوات الرصاص ومناظر الدماء والقتل، ولا يمكن لطفل يعيش حياة طبيعية أن يقوم بما قاموا به إلا وهم مضطرون لذلك، ربما الفقر هو ما دفعهم إلى المشاركة بالحرب أو الفراغ جعلهم بدل أن ينشغلوا في الدراسة فكروا في المشاركة بالحرب، وأشعر بالغضب منهم، وفي الوقت نفسه أشعر بالحزن والأسى عليهم، لا أعرف هل يمكن أن يسامحهم أخوة الشهداء وأمهات وآباء الشهداء الذين قاموا بقتلهم في عدن؟
وأضافت أنها تتمنى في قرارة نفسها أن لا يتكرر الأمر مرة أخرى، وأن يعيش كل أطفال اليمن في أمان، وأن لا يشاركوا في الحروب، وأن لا يقتلوا أو يقاتلوا، وأن يتم فتح المدارس في كل مكان، وبالذات في المدن التي قدم منها هؤلاء الأطفال، وأن تقوم الدولة بتعليمهم وتوفر مصدر رزق لهم حتى لا يتكرر الأمر معهم مرة أخرى أو مع غيرهم.
زميلتها ابتسام عصام، 14 عاماً، كانت أكثر فزعاً وهي تصف لنا مشاهد لأطفال مجندين في نقاط تفتيش في المدن التي احتلتها هذه المليشيات، كان منظرهم مفزعاً لأنهم صغار في السن، ويحملون بنادق في مثل طولهم، كيف تجرأ أهلهم على أن يفعلوا بهم ذلك في مثل هذه الظروف، قالت ابتسام: «كنت أشعر بالغضب عندما كانوا يتركوننا ننتظر ساعات طويلة في هذه النقاط، ليس لشيء، ولكن تعسفاً وحسب مزاجهم، وكنت عندما أشاهد في التلفاز الأطفال المجندين وهم قتلى أو أسرى يرق قلبي وأشعر بالحزن الشديد وأتساءل لماذا يكرهوننا؟ لماذا يريدون قتلنا؟ وماذا استفادوا من هذه الحرب؟ وكيف سيكون وقع الخبر على أهلهم عندما يعرفون أن أطفالهم قتلوا في الحرب.
الطفل محيي الدين توفيق، 11 عاماً، في الصف السادس ابتدائي، يطالب الدولة بمنع حمل السلاح من قبل الأطفال، ويريد أن يكون في كل المناطق مدارس كافية، وأن يقوم المعلمون بشرح أخطار الحرب وتوعيتهم بخطورة هذه الأعمال، وأن تمنع الدولة مشاركة الأطفال في الحرب.
معلمون: الأطفال كالأسفنجة تمتص كل الأفكار السلبية والمتطرفة
بينما رأى ناصر سالم، معلم، أن الجهل والفقر وتعبئة الأطفال بأفكار ومعتقدات خاطئة، أهم الأسباب التي تدفع بهم للانخراط في الجماعات المسلحة، والفراغ الفكري نتيجة توقفهم عن التعليم جعلهم فريسة سهلة لمثل هذه الأفكار الهدامة، وأصبحوا مثل الاسفنجة تمتص كل الأفكار السلبية والمتطرفة التي تنشرها الجماعات الضالة، وفي ظل غياب الدولة وعدم الوصول إلى القرى النائية التي قدم منها أغلب هؤلاء الأطفال وعدم الاهتمام بها وإعطائها حقها من الخدمات والرعاية وبناء المدارس واستيعاب مواطنيها من ضمن الخطط والبرامج التنموية للدولة، كلها عوامل تجعلهم في دائرة مفرغة، ويسهل استقطابهم وتشكيل أفكارهم وتوجهاتهم، ويتولد لديهم حقد وعداء مع الدولة ومع غيرهم من الموطنين في المدن الأوفر حظاً من حيث عدد المدارس والمستوى المعيشي الجيد نوعاً ما.
وقال: «يجب على الدولة ومؤسساتها أن تضع جميع المواطنين في كل المدن والقرى ضمن اهتماماتها، وأن تعدل في توزيع المشاريع الإنمائية والخدمات، والتركيز على التعليم والتوعية، ونبذ التطرف المذهبي والتعصب العرقي، ونشر ثقافة التسامح والتعايش.

الحوثي يغتال البراءة
وأرجعت وردة بن سميط الناشطة الحقوقية والمحامية اليمنية ورئيس مؤسسة عدالة للحقوق والحريات، أسباب تفاقم ظاهرة التجنيد في الشمال ومحاولة التأثير على جيل من الأطفال إلى غياب الوعي، بالإضافة إلى أن انخفاض مستوى التعليم يعد سبباً رئيساً لانصياع الأطفال في الشمال إلى تأثير ميليشيات الحوثي والقتال في صفوفهم. كما أشارت إلى ضعف دور المجتمع المدني وغياب النظام في ظل الفوضى السياسية الموجودة في اليمن.
وأكدت أنهم أطفال في سن صغير لا يستطيعون فهم ما لقنته لهم جماعة الحوثي، كما أنه ليس لديهم أي مقدرة على اتخاذ القرار الصحيح. واتهمت بن سميط الجماعات التي أثرت عليهم وشحنتهم واستخدمت أساليب الإغراء المختلفة بما آل إليه حال الأطفال في اليمن، وأكدت أنها المتهمة الأولى في تفاقم الاستقطاب الأعمى للأطفال، فهم مختطفون حتى لو ذهبوا بإرادتهم، لأنهم لم يصلوا إلى السن القانونية لاتخاذ قرار صائب، وبالتالي فهم ضحايا اختطاف وأسر من جماعة استغلت طفولتهم، فهم ما بين 10 و18 عاماً، وبالتالي فهم في عرف القانون غير كاملي الأهلية. ورأت أن الطفل يدخل في أسر جماعة الحوثي ليخرج منها معتنقاً أفكارهم، مليئاً بمشاعر الكراهية ضد الآخرين، ويقوم بفعل الأفعال نفسها التي مورست عليه مع آخرين، وبالتالي هم يصنعون مجرمين ومنتهكين جدداً للقانون، فالطفل الذي لم يعش طفولته يمارس الأساليب نفسها على الآخرين.
وحذرت من مغبة الشحن والكراهية على مستقبل المجتمع اليمني الذي يسوده التمييز والكراهية والإقصاء للعديد من فصائل المجتمع. والأخطر من تجنيد الحوثيين للأطفال، هو تجنيد الطفل فيما بعد لأطفال آخرين، فهو لا يضحي بنفسه فقط، ولكن يضحي بآخرين معه.
وأكدت بن سميط أنهم يبذلون أقصى ما في وسعهم لمحاولة إعادة تأهيل الناجين من قبضة الحوثي، حيث يقومون ببرامج دعم نفسي لمحاولة إعادتهم لطفولتهم التي فقدوها. وقالت بن سميط إن جميع الأطفال الذين وقعوا في أسر الحوثيين، كلهم مشتركون في حبهم للقات وحمل السلاح، ومازال لدى بعضهم حلم أن ينتظموا في الجيش، فقد استطاعوا زرع هذه الأفكار فيهم منذ الصغر، ورغم أنها لم تتحقق، فهم ما زالوا يحلمون بها، وهذا دليل على نجاح الحوثيين في غسل عقولهم. واعتبرت هؤلاء الأطفال ضحايا، وتم التلاعب بعقولهم في سن حرجة، فهم لا يستطيعون التمييز بين الصواب والخطأ. وأكدت أنهم ضحايا ميليشيات الحوثي نتيجة عدم وجود قانون رادع لحماية حقوقهم، وعدم وجود عقاب ملزم لأي مجرم يهين ويقصي أطفالاً عن طفولتهم. وأكدت أنها ثقافة مجتمع في نهاية الأمر، فالمجتمع اليمني يربيهم على حمل السلاح منذ البداية.
ورأت أنه إذا ما توافرت الإمكانات والدعم، فسوف نستطيع تغييرهم، وأشارت إلى أن أكثر المناطق التي يتم التجنيد فيها هي شمال اليمن في «عمران» و«صعدة»، حيث تتمركز ميليشيات الحوثي.

رفع وعي المجتمع ?
ودافع محمد الأسعدي، المتحدث باسم صندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) في اليمن، عن المنظمات الدولية، ونفى عدم القيام بدورها في رفع نسبة وعي المجتمع اليمني ضد ظاهرة التجنيد، وتأجيج مشاعر الكراهية والتميز في المجتمع، مؤكداً أن اليونيسيف سعت مع الأطراف كافة ذات العلاقة قبل هذا الصراع لمواجهة ظاهرة التجنيد والحد منها ومعالجتها، وأثمرت الجهود بتوقيع خطة عمل مع الحكومة اليمنية في مايو 2014 لإنهاء ظاهرة التجنيد وتسريح المجندين من وحدات الجيش والأمن كافة، وتم اعتبارها خطوة كبيرة في سبيل الحد من ظاهرة التجنيد في اليمن، وبذلت جهوداً كبيرة مع بعض الجماعات المسلحة، وكانت هناك استجابة إيجابية. إلا أن المواجهات المسلحة التي شهدها اليمن عام 2014 والصراع القائم، أتت على كثير من المكتسبات ليس فقط في هذا الجانب، ولكن في جوانب مختلفة، مثل تراجع معدلات الالتحاق بالمدارس وارتفاع معدلات سوء التغذية وشبه انهيار المنظومة الصحية والحماية الاجتماعية في البلد. اليونيسيف عملت مع الحكومة والشركاء للتغلب على المخاطر المتعددة والمعقدة التي تواجه الأطفال، ولا يمكن أن تكون بديلاً للدولة، بل شريكاً معيناً لها وسنداً للمجتمعات الأكثر ضعفاً واحتياجاً في كل مناطق اليمن.
كما أكد أن اليونيسيف رصدت زيادة مخيفة في تجنيد واستخدام الأطفال خلال 2015 مقارنة بالأعوام السابقة، حيث بلغت الحالات التي تم توثيقها من بداية 2015 حتى شهر ديسمبر 724 حالة لأطفال مجندين، بينما تم رصد 156 حالة في 2014 فقط. وهذا الرقم متواضع مقابل ما نشاهده يومياً على عربات عسكرية أو مدنية لأطفال يحملون السلاح أو في وضع قتالي أو يتمركزون في نقاط التفتيش داخل وفي أطراف المدن – أو للأسف في عداد القتلى والمصابين.
وقال إنه في حالات كثيرة يشجع الأهالي –خصوصاً في الأرياف - أطفالهم على حمل السلاح، وقد يكون للثأر، الأمر الذي يجعل عملية تجنيد الأطفال أمراً ممكناً، وإمكانية مواجهة هذه الظهرة تبدأ بتصويب مثل هذه الممارسات الخاطئة.
ولفت إلى أن هناك من المجنّدين القصّر من يعتبر التحاقه بصفوف الجيش أو الجماعة فرصة عمل ومصدر دخل يعول أسرته به مهما كان يسيراً. كما أن هناك من يدفع بأطفاله أو يسمح لهم بالمشاركة في القتال في صفوف القوات المسلحة أو أي من الجماعات المسلحة أو اللجان الشعبية تحت شعارات عقدية أو سياسية أو وطنية.
وأشار إلى أن مهمة اليونيسيف تتركز حول المراقبة وإعداد التقارير عن الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها الأطفال في الصراعات المسلحة من قبل أطراف النزاع. ويتم رفع هذه التقارير للهيئات الأممية المختصة بمتابعة وإنفاذ القوانين الدولية.
كما تتولى اليونيسيف القيام بأنشطة واسعة لرفع مستوى الوعي في أوساط المجتمع والقوات والجماعات المسلحة بخطورة انتهاك حقوق الأطفال وحرمة تجنيدهم واستغلالهم، بالتزامن مع تقديم الدعم الفني للأجهزة الرسمية العسكرية ممثلة بوزارتي الداخلية والدفاع والسلطات المدنية والتشريعية، لتتمكن من تطوير تشريعات حامية للطفولة، وإعداد وتنفيذ سياسات كفيلة بإنفاذ تلك التشريعات. كما تقوم المنظمة عبر الشركاء المختلفين بالإسهام بإعادة تأهيل الأطفال المسرحين من القوات أو الجماعات المسلحة، وإعادة دمجهم في المجتمع، وتمكينهم من مواصلة التعليم، الذي نوليه اهتماماً خاصاً، بحيث يتمكن هؤلاء الأطفال وغيرهم من الانشغال بالتعليم عن التجنيد.
وذكر أن اليونيسيف تؤكد في كل مناسبة أن الأطفال بحاجة ماسة اليوم إلى الحماية أكثر من أي وقت مضى، ويتحتم عليهم جميعاً بذل كل ما في وسعهم للمحافظة على سلامة جميع الأطفال، وتسريح المجندين لدى الأطراف كافة، وتجريم تجنيدهم واستغلالهم أو الزج بهم في صراعات الكبار.
وحذر من استمرار المواجهات المسلحة التي تتسبب في ازدياد تدهور الوضع الإنساني وبشكل متسارع، وبالتالي يفاقم أوضاع الأطفال في مناطق الصراع وعموم البلاد والتي كانت غير مثالية قبل هذه المواجهات. كما أن هذه التطورات تأتي مع تحديات كبيرة تتمثل في انعدام الأمن الغذائي على نطاق واسع، وانتشار سوء التغذية الحاد بين الأطفال تحت سن الخامسة. وبسبب المواجهات المسلحة الضارية، هناك ملايين الأطفال في مناطق الصراع المختلفة لا يستطيعون العودة إلى المدارس، وملايين نزحوا مع أسرهم إلى مناطق أخرى، وهذه بدورها ظروف تدفع بمزيد من الأطفال المحبطين إلى الالتحاق بجبهات القتال أو توفر بيئة مناسبة لاستغلالهم.
كما نؤكد أن تأمين أفضل فرص التعليم والصحة والغذاء والحماية والنماء يعتبر الاستثمار الأمثل في إيجاد سلام دائم في اليمن، لأنهم ببساطة المستقبل الحقيقي.

مشاعر الكراهية
وأكدت الدكتورة نور سالم رئيس قسم الصحة النفسية في الرعاية الصحية في وزارة الصحة والسكان اليمنية، أن ظاهرة تجنيد الأطفال لم تكن موجودة قبل عام 2014، ولكن الظاهرة تفاقمت بعد ذلك، وهي تتركز في الشمال أكثر من مدن الجنوب، ورجحت سالم أسباب تفاقم الظاهرة إلى أسباب عدة، منها الاحتياج المالي والفقر الشديد، فالعائلات لا تجد أمامها إلا التضحية بأحد أبنائها وإجبارها على التجنيد في صفوف الحوثيين للتغلب على الفقر والحصول على راتب شهري. واعتبرت سالم أن الفقر أهم العوامل التي تسهل تجنيد الأطفال، حيث إن الحرب رفعت نسبة البطالة، وأصبح 21 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات إنسانية، ولفتت إلى أن وتيرة التجنيد ترتفع في المناطق التي يقل فيها التعليم.
وأكدت أن السبب الثالث للظاهرة هو غياب الوعي عند الأطفال مما يسمح للحوثيين باستغلالهم والتأثير عليهم بأوهام النصر أو الشهادة، وهم أطفال في عمر 10 أعوام، أي نصر هذا الذي يحلمون به؟ فهم يقومون بتأجيج المشاعر الطائفية لديهم لاستدراجهم للقتال في صفوفهم.
وأضافت أنها جلست مع أطفال من شمال اليمن وحاولت توعيتهم، ومنهم من استجاب، ولكن هناك الكثيرين منهم الذين يغيرون وجهة نظرهم، فقد تربوا على أن الرجولة في حمل السلاح. فكانوا يصرون دائماً على وجهة نظرهم، ويؤكدون أنهم لن يكونوا رجالاً إذا لم يحملوا سلاحاً.
ورأت سالم أن أطفال عدن مختلفون عن أطفال الشمال، وذلك يرجع إلى نسبة الوعي الأكبر في عدن، وهناك أطفال انساقوا وراء حمل السلاح ولكن عندما بدأوا في عقد جلسات معهم وشرحوا لهم كيف أن حمل السلاح ليس له علاقة بالرجولة، والتعصب ليس من صفة المتسامحين، كما حاولوا إقناعهم بمواصلة تعليمهم والابتعاد عن القتال، فهم يستحقون أن ينعموا بطفولة آمنة، وقالت إنهم نجحوا في إقناع مجموعات كبيرة في عدن، وفعلاً استجاب العديد من الأطفال لهم، ولكن الوضع معقد في الشمال، حيث تنخفض نسبة التعليم، وكلما انخفضت نسبة التعليم، كان من الصعب إقناع الأطفال.
وشرحت كيف أن الحال تبدلت في اليمن بعد استيلاء الحوثيين على السلطة، فلم يعد هناك أمان كما كان في الماضي، وبات الأطفال يعرفون نوع طلقات الرصاص أكثر من الألعاب، فهم يتباهون فيما بينهم إذا ما كانت هذه الطلقات من آلي أو مسدس أو كلاشينكوف، وأعربت عن أسفها الشديد لما آل إليه وضع الأطفال هناك.
وقالت إن حال الأطفال في اليمن، انعكاس لحال البلد الذي لا يوجد به أمان، وحذرت من حال الأطفال في المناطق الشمالية التي يوجد فيها الحوثيون، فهم يسعون لاستقطاب الأطفال وشحنهم عاطفياً وتأجيج عواطفهم أو إجبارهم على الانصياع إليهم، وعزلهم عن المجتمع اليمني بأفكارهم العنصرية.
ورأت أن أهم حلول الأزمة، يكمن في رفع الوعي عند الأطفال لعدم تجنيدهم وزجهم في أعمال العنف الناجمة عن الأزمة في اليمن، خاصة في الشمال، وبذل المزيد من المجهود من المنظمات الحقوقية والمنظمات الأهلية العاملة على أرض اليمن بتوعية الأطفال لعدم الانسياق وراء استقطاب الحوثيين.
كما أكدت أن عبئاً كبيراً يقع على المدارس أيضاً، فعليها الاستمرار في التنبيه باستغلال الأطفال وارتفاع نسبة استخدامهم في الأزمة، وكيفية تجنبهم الوقوع في براثن الحوثيين الذين يستخدموهم وقوداً لحروبهم التي لا تنتهي، برضا أسرهم أو بغصبهم، وأكدت أن الحوثيين يفضلون تجنيد الأطفال لأن البالغين من الشباب يكونون متزوجين ولا يرغبون في المشاركة في القتال.
وأكدت أن أوضاع الأطفال المجندين أكثر سوءاً مما هو متوقع، فمنهم من لا يستطيع الفرار من جبهات القتال، ويخشى التهديدات التي يتلقاها، ويجد نفسه محاصراً داخل ميليشيات الحوثي، وطالبت بإغاثة عاجلة لأطفال اليمن قبل أن يبادوا بين يدي ميليشيات الحوثي.

استنفار المنظمات الدولية
وأكد الباحث محمد الكساب أن ظاهرة تجنيد الأطفال واستغلالهم لأغراض عسكرية من طرف الانقلابيين في اليمن، وزجهم في الحروب، جريمة بكل أبعادها، وظاهرة تستدعي استنفار المنظمات الدولية الحقوقية والإنسانية، خاصة المعنية بشؤون الطفل للحد من الظاهرة، وصولاً إلى اجتثاثها من خلال دراسات ومشاريع تهدف إلى حماية هؤلاء الأطفال والأخذ بيدهم نحو مستقبل أكثر إشراقاً.
وحذر من أن هذه الحرب الملعونة ستؤدي إلى دمار جيل بأكمله، ناهيك عن تنشئة أجيال تتصف بالعنف والكراهية والتخلف والجهل، وهذه هي النتائج الطبيعية لتجنيد الأطفال واستخدامهم في المعارك كوقود لهذه الحرب.
ولفت إلى أن الأعداد الهائلة التي تشير إليها الإحصاءات حول عدد المدارس التي دمرتها الحرب أو اضطرتها لإغلاق أبوابها، إلى جانب عدد الأطفال الذين حرموا من متابعة تحصيلهم الدراسي، والأطفال الذين لم يلتحقوا بالمدارس نتيجة هذه الحرب، هي أرقام مرعبة، وإذا أخذنا بعين الاعتبار معاناة الأطفال من سوء التغذية والأمراض الخطيرة، فإن المعطيات والواقع يشيران إلى مستقبل ضبابي وقاتم لهؤلاء الأطفال، وأن آمالهم وطموحاتهم تتحطم مع استمرار هذه الحرب واستغلالهم بطريقة بشعة فيها، ما يؤدي إلى انتشار التخلف والأمية والجهل وضياع مستقبل أمة بأكملها إذا اعتبرنا أن الأطفال هم شباب المستقبل وعماد النهضة والتقدم في أي بلد.
وأكد أن دور المنظمات الدولية في التخفيف من معاناة أطفال اليمن والحد من ظاهرة تجنيدهم وزجهم في المعارك من طرف الانقلابيين، هو دور ما زال قاصراً، وبحاجة إلى بذل المزيد من الجهود والتكاتف، ويجب أن لا يقتصر دور المنظمات الدولية، خاصة المعنية بحقوق الطفل، على العمل الإغاثي، فواقع الحال يستدعي إطلاق عمل منظم وبرامج هادفة لإنقاذ أطفال اليمن، وأن ما تقوم به بعض المؤسسات التابعة لدول مجلس التعاون الخليجي للتخفيف من معاناة الأطفال ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، من الممكن أن تشكل اللبنة الأولى نحو إطلاق هذه البرامج وهذه المشاريع، ويجب أن تتحمل المنظمات الدولية المسؤولية، وتمارس دورها من خلال آليات وقرارات ملزمة، تؤدي إلى إنقاذ الطفولة ومعاقبة الجناة من الانقلابيين.

ضغوط الحوثي على الأسر
قالت سارة الشاذلي معلمة، إن الفقر والتفكك الأسري أسباب رئيسة تدفع هؤلاء الأطفال للمشاركة مع الجماعات المسلحة، فعندما تكون الأسرة فقيرة يضطر جميع أبنائها إلى العمل وترك الدراسة، وبالتأكيد سيبحثون عن أي فرصة للعمل تدر دخلاً مادياً للأسرة، وفي ظل الأوضاع الاقتصادية في البلاد وندرة فرص العمل، يكون استقطاب هؤلاء الأطفال سهل، فبعد إقناع الأسر أن أولادهم سيتحصلون على راتب شهري، توافق هذه الأسر على الزج بأولادها مع هذه الجماعات المسلحة، ويأتي التفكك الأسري أيضاً عاملاً مهماً في ضياع الأطفال وانضمامهم إلى الجماعات المسلحة والإرهابية في أي مكان، واليمن ليس بعيداً عما يجري، فهو من أفقر الدول، ووضع الأسرة اقتصادياً متردٍ جداً، إضافة إلى كثرة عدد الأطفال في الأسرة الواحدة.
وطلبت من الدولة أن تضع خططاً واستراتيجيات من شأنها الحد من هذه الظاهرة الخطيرة، لأن جيلاً بكامله مهدد إما بالقتل أو بالإصابة بإعاقات جسدية ومشاكل نفسية ستؤثر سلباً على حياتهم ومستقبلهم.

طفل بالزي العسكري
التقت «الاتحاد» إحدى السيدات التي روت كيف تعاطفت مع أطفال يرتدون الزي العسكري، وقالت أم أيمن، وهي ولية أمر ومواطنة من مديرية المعلا: إنها كانت تشعر بالأسى والحزن عندما ترى أطفالاً بالزي العسكري ويحملون السلاح مع مليشيات الحوثي والمخلوع، وإنها طالما زودت أحد الأطفال الموجودين في النقطة العسكرية القريبة من بيتها - وقبل أن تجبر على النزوح نتيجة اشتداد القصف عليهم - بالماء البارد وبعض من الطعام كانت ترسله مع طفلها الذي كان في مثل سن الجندي، وطالما جاء إلى منزلها ليغتسل ويلعب مع طفلها. وتقول أم أيمن إنها سألت ذات مرة هذا المجند عن سبب التحاقه بمليشيات الحوثي وتعريض حياته للخطر، وكان الرد بأنه من أسرة فقيرة والمليشيات وعدتهم براتب شهري مقابل الانضمام إليهم، كما أنهم كذبوا عليه وأوهموه أن الحرب انتهت في عدن وأنهم يحتاجونهم فقط لتأمين النقاط وتفتيش المارة.. تشعر أم أيمن بالحزن الشديد على هذا المجند، وتقول «فقر أسرته وقلة تعليمه وجهله أسباب التحاقه بالحرب».