ألوان

اللهم ?اسقنا ?غيثاً ?مغيثاً?

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسار على دربهم إلى يوم الدين أما بعد:
تعيش بعض الدول ظروفًا صعبة نتيجة عدم نزول الغيث، حيث يشكو المواطنون من تأخُّر نزول الغيث، وما يتركه ذلك من تأثير على جميع مناحي الحياة: الاقتصادية، والاجتماعية، والزراعية، والثروة الحيوانية، ونسبة عذوبة المياه، والنظافة،وغير ذلك: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ} (سورة الملك، الآية (30)، لذلك فإن الله سبحانه وتعالى يذكِّرنا دائماً بهذه النِّعمة العظيمة في قوله: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ* أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ* لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ} (سورة الواقعة، الآيات (68-70).
لقد أنعم الله علينا وعلى البشرية بنعم كثيرة لا تعدُّ ولا تحصى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا} (سورة النحل، الآية (18)، ومن هذه النِّعم نعمة الماء والغيث، وكما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} (سورة الأنبياء، الآية (30).
فالواجب على الإنسان أن ينظر إلى نعم الله عليه فيتأملها، ويشكر الله على نعمه، وعندما نلاحظ أن موسم الأمطار قد تأخر، فإن البعض يتساءل عن سرِّ ذلك، فأقول بأن ذلك يرجع من وجهة نظر الإسلام إلى أسباب عدة، أهمها:

1- منع الزكاة: إنَّ الصدقات والزكوات ليست سبباً في قلة المال، ولا تنقصه، إنّما هي سبب في وجود خلف لها بعد خروجها كما جاء في الحديث (مَا نَقَصَ مَالُ مِنْ صَدَقَة) (?أخرجه أحمد بن حنبل)?، ?وفي ?ذلك ?يقول ?عليه ?السلام: (?مَا ?مِنْ ?يَوْمٍ ?يُصْبِحُ ?الْعِبَادُ ?فِيهِ ?إِلا ?مَلَكَانِ ?يَنْزِلانِ، ?فَيَقُولُ ?أَحَدُهُمَا: ?اللَّهُمَّ ?أَعْطِ مُنْفِقًا ?خَلَفًا، ? وَيَقُولُ ?الآخَرُ: اللَّهُمَّ ?أَعْطِ ?مُمْسِكًا ?تَلَفاً) (?أخرجه البخاري)?.
ومن أشكال الصدقات والبرِّ خصوصاً في مثل هذه الأيام مساعدة الفقراء والمعوزين، مساعدتهم بشراء الملابس الشتوية لهم، مساعدة الضعفاء والفقراء واليتامى والثكالى والأرامل، وإدخال السرور على القلوب البائسة بما أفاء الله عليك من النعم، فإنَّ منع الزّكاة سبب مباشر لغضب الله، فقد جاء في الحديث: (...وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، إِلا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا) (أخرجه ابن ماجة).

2- نقص المكيال والميزان: فقد دعا الإسلام إلى تنظيم الموازين والمكاييل وعدم التلاعب بها، كما وحذَّر أتباعه من أن يبخسوا النّاس أشياءهم فيمنعوهم حقَّهم الشرعيّ، قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} (سورة الرحمن، الآية (9).

3- كثرة المعاصي والذنوب: إنَّ كلَّ ما يصيب العبد من المصائب والبلايا فهو بسبب جناياته التي صدرت منه، فقد ورد أنَّ النبي- صلّى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ ?الرَّجُلَ ?لَيُحْرَمُ ?الرِّزْقَ ?بِالذَّنْبِ ?يُصِيبُهُ) (أخرجه ابن ماجه)?، ?و?لقوله ?تعالى: {?ظَهَرَ ?الْفَسَادُ ?فِي ?الْبَرِّ ?وَالْبَحْرِ ?بِمَا ?كَسَبَتْ ?أَيْدِي ?النَّاسِ ?لِيُذِيقَهُم ?بَعْضَ ?الَّذِي ?عَمِلُوا ?لَعَلَّهُمْ ?يَرْجِعُونَ} (سورة الروم،الآية (41)?.
ولعل البعض يسأل: ما المخرج؟ وما هو العلاج للخروج من حالة القحط وندرة الأمطار...؟؟ ها نحن ندعو الله أن يكرمنا بالغيث، فأقول: ما قيمة الدعاء والأرحام مقطوعة؟! والظلم قائم؟! والمعاصي منتشرة؟! إذاً لا بد من خطوات سليمة ، لذلك فإننا نختار لك أخي القارئ الكريم الخطوات السليمة التي يجب أن نسير عليها حتى يكرمنا الله بنزول الغيث وهي : -
أ‌- التوبة النصوح والاستغفار: وذلك يكون بالإقلاع عن المعاصي، والندم على ما فات، وعقد العزم على عدم العودة إليها، وردِّ الحقوق لأصحابها (كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ) (أخرجه الترمذي)?، ?ولقوله ?عليه ?السلام: (?إنَّ ?اللَّهَ ?يَقْبَلُ ?تَوْبَةَ ?الْعَبْدِ ?مَا ?لَمْ? تَطْلُع الشَّمْسُ ?مِنْ ?مَغْرِبِهَا) (أخرجه الترمذي)?، (?وقال ?ابن ?صبيح: ?شكا ?رجل ?إلى ?الحسن ?الجدوبة، ?فقال ?له: ?استغفر ?الله، ?وشكا ?آخر ?إليه ?الفقر، ?فقال ?له: ?استغفر ?الله، ?وقال ?له ?آخر: ?ادع ?الله ?أن ?يرزقني ?ولداً، ?فقال ?له: ?استغفر ?الله، ?وشكا ?إليه ?آخر ?جفاف ?بستانه، ?فقال ?له: ?استغفر ?الله، ?فقلنا ?له ?في ?ذلك، ?فقال: ?ما ?قلت ?من ?عندي ?شيئاً، ?إن ?الله ?تعالى ?يقول ?في ?سورة ?نوح: {?فَقُلْتُ ?اسْتَغْفِرُوا ?رَبَّكُمْ ?إِنَّهُ ?كَانَ ?غَفَّاراً * ?يُرْسِلِ ?السَّمَاء ?عَلَيْكُم ?مِّدْرَارًا *?وَيُمْدِدْكُمْ ?بِأَمْوَالٍ ?وَبَنِينَ ?وَيَجْعَل ?لَّكُمْ ?جَنَّاتٍ ?وَيَجْعَل ?لَّكُمْ ?أَنْهَاراً} (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 18/302)?.

ب- الصدقة: والصدقة عمل جميل، وفيه تقرُّب إلى الله عزَّ وجلَّ، قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} (سورة التوبة، الآية (103)، كما أنها فريضة فرضها الله على القادرين، حيث قال- صلى الله عليه وسلم- لمعاذ حين أرسله إلى اليمن: (فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ) (أخرجه مسلم)، كما وورد أن الرّسول- صلّى الله عليه وسلم- قال: (حَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكَاةِ، وَدَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةَ، وَاسْتَقْبِلُوا أَمْوَاجَ الْبَلاءِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ.

ج- الخروج من المظالم: وذلك بأن تردَّ المظالم لأهلها، وإعطاء الحقوق لأصحابها، لأنَّ المظالم سبب انقطاع الغيث، وحرمان الرزق، وسبب الغضب، وإرسال العقوبات، بل سبب التدمير والهلاك، كما قال عزَّ وجلَّ:{وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} (سورة الإسراء، الآية (16)، فلا بَّد من ردِّ المظالم لأصحابها.
د- الصيام: والصوم من أفضل وسائل التّقرُّب إلى الله لتشبُّه الصائم بالملائكة، ويكون ذلك بصيام ثلاثة أيام متتابعات، كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنَّ دعاء الصائم أقرب إلى الإجابة، فالدّعاء يكون بعد التوبة والاستغفار، والصدقات، ورد المظالم لأصحابها لأنَّ فائدته مرجوة إن شاء الله، ثمَّ من السُّنَّة أن يصلي المسلمون صلاة الاستسقاء.
هـ- صلاة الاستسقاء: وللاستسقاء
صلاة كصلاة العيد (كفاية الأخيار1/97)، ركعتان تصلّى فرادى وجماعة، ويخطب لها خطبتان، للحديث: (خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إِلَى القِبْلَةِ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءَةِ) (أخرجه البخاري)، وتشتمل الخطبتان على الثناء على الله عزَّ وجلَّ، والدّعاء والالتجاء إليه في أن ينزل الغيث ويرحم العباد وجميع المخلوقات، لما روي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه- أنه قال: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَت الْمَوَاشِي، وَتَقَطَّعَت السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ، فَدَعَا اللَّهَ، فَمُطِرْنَا مِنْ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَهَدَّمَت الْبُيُوتُ، وَتَقَطَّعَت السُّبُلُ، وَهَلَكَت الْمَوَاشِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ عَلَى ظُهُورِ ?الْجِبَالِ وَالآكَامِ ?وَبُطُونِ ?الأَوْدِيَةِ ?وَمَنَابِتِ ?الشَّجَرِ، ?فَانْجَابَتْ ?عَنْ الْمَدِينَةِ انْجِيَابَ ?الثَّوْبِ) (أخرجه البخاري).