الملحق الثقافي

كل ما ننساه نحن تحفظه ذاكرة الكون

الذاكرة لعنة الكائن (أرشيفية)

الذاكرة لعنة الكائن (أرشيفية)

ميخائيل نعيمة
إعداد وتقديم زاهرة محمد

هكذا ولد في شتاء تزخرفه أشجار الأرز العام 1889، وفي قرية بسكنتا بالريف اللبناني شاعراً ومفكراً وقاصاً ومسرحياً، أنهى دراسته الأولية في مدرسة الجامعة الفلسطينية، منتقلاً إلى جامعة في بولتافيا الأوكرانية بين عامي 1905 _ 1911 حيث تسنى له الاطلاع على مؤلفات الأدب الروسي. أكمل دراسة الحقوق في الولايات المتحدة الأميركية منذ كانون الأول العام 1911 وحصل على الجنسية الأميركية. كما انضم إلى الرابطة القلمية التي أسّسها أدباءُ عرب في المهجر وكان نائباً لجبران خليل جبران فيها، وقد عاد إلى بسكنتا العام 1932 حتى وفاته، جامعاً بين الشعر والمسرح وفن القصة والإبداع الفكري على مدى سنوات حياته التي عاشها مدافعاً عن الأفكار التي تبناها من أجل الشعب العربي.. له مجموعة شعرية وحيدة هي «همس الجفون» وعدد من المجاميع القصصية أولها بعنوان «سنتها الجديدة»، ليضع سنة 1949 روايته الوحيدة بعنوان «مذكرات الأرقش»، إضافة إلى مؤلفاته في مجال الدراسات والمقالات والنقد والرسائل حيث وضع ثقله التأليفي لينتج 22 كتاباً.
عاش مئة عام حتى وافته المنية العام 1988 تاركاً آثاره في الساحة الأدبية العربية شاعراً ومفكراً ومبدعاً.. إنه ميخائيل نعيمة.

ما وقعت عيني على مسكن من مساكن الناس – أكوخاً كان أم قصراً – إلا قلت: يا لها ملحمة لم ينظمها شاعر بعد!

***

صدِّق يا أخي أن ما من عمل تعمله، أو كلمة تقولها، أو نية تنويها، أو فكرة تفكّرها، عن قصدٍ أو عن غير قصد، إلاَّ تلاحقك حتى آخر الدهر.

***

إن شئتَ أن يعود الصدى إليك بالسرور فلا يصدرن عنك إِلا السرور.

***
يحاول الناس تحلية ماء البحر بطرق بالغة التعقيد، باهظة التكاليف. وها هي الطبيعة تفعل ذلك في كل يوم دون أقلّ عناء، فهل الغيوم السابحة في الفضاء غير بحور تخلت عن ملوحتها؟

***
ما عرفتُ كالنحل مثالاً حيَّاً للقاعدة القائلة: من كلٍّ حسب طاقته، ولكلِّ حسب حاجته. حبّذا لو يقتدي الناس بالنّحل!

***
مثل ما بين الليل والنهار لمحة لا هي بالليل ولا هي بالنهار كذلك بين الموت والحياة لمحة لا هي بالموت ولا هي بالحياة.

***
ما دامت غيمة صغيرة تستطيع أن تحجب وجه الشمس.. فإن في استطاعة كلمة «أنا» أن تحجب وجه الحقيقة.

***
الهارب من نفسه كالهارب من الدّبّ إلى الجبّ.

***
بالكلام نتلمّس طريقنا إلى المعرفة، فمتى بلغناها استغنينا عن الكلام.

***
عندما تبصر صياداً يطارد عصفوراً أتدري أيهما الصياد وأيهما الطريدة؟

***
من يدري؟ لعلّ ما نعمله في النهار ليس أكثر من امتدادٍ لأحلامنا في الليل، فقد تكونُ حياتنا حُلماً لا انفصال فيه.

***
ما دمت تخشى الموت فحبل الحياة حبل مشنقة حول عنقك.

***
تسألني: من أنا؟ فهل عرفت من أنت؟

***
الحرام هو أن تحلّل لنفسك ما تحرّمه على غيرك.

***
كل ما تملكه يملكك على قدر تعلقك به.

***
كل ما ننساه نحن تحفظه ذاكرة الكون.

***
في اللانهاية تضيع كل نهاية، فما أسخفنا نقيس اليوم بالساعات، والشهر بالأيام، والعمر بالسنين.

***
عجيب هو أمر الناس. يخلقون المشاكل من لا شيء ثم يتذمّرون من كثرة المشاكل.

***
تضيق الدنيا وتتسّع على قدر ما تضيق مداركنا وتتسع.

***
اقبل ما أنت فيه إذا شئت أن يأتيك ما هو خيرٌ منه.

***
لا تعاكس الظروف إذا هي عاكستك، فقد تقتصّ منك أفظع القصاص.

***
واعجباه للإنسان! يطمح إلى قطف النجوم ويتعثّر بحصاة في الطريق.

***
في بحر اللَّانهاية لا يمكن لأي شيء، أو لأي عمل، مهما يكن تافهاً، أن ينتهي. ها هنا الرهبة الكبرى والعزاء الأكبر.

***
ما أفقر الذين لا ثروة لهم إلاّ المال.

***
لا تيأس. فالحياة في حركة دائمة. وحيثما كانت الحركة كان المجال واسعاً لكلّ أصناف المفاجآت.

***
لا تقتصّ لنفسك من عدوّك، فهو سيقتصّ لك بنفسه من نفسه.

***
سَلِّم تَسلم. عاند تندم.

***
أحبها حتى الجنون، ثم كرهها حتى الجنون. وهو لا يدري أنه في الحالتين إنما أحبّ نفسه وكرهها حتى الجنون.

***
حاسب نفسك أدقّ الحساب إذا أنت شئت أن يستقيم حسابك مع الناس والكون.
***
لو عرفتَ أنّ كلّ ما يصدر عنك سيعود حتماً إليك لما صدر عنك إلاَّ الخير.
***
لا تعاكس الظروف إذا هي عاكستك. إنها أدرى منك بما هو خير لك.
***
حُلُمٌ هو ما أنت فيه – أَمُتعةً كان أم كابوساً- فانفضه عن أجفانك إذا شئت أن تعرف مَن أنت وأين أنت.
***
سمعتك تشكو الحظّ. والحظ، لو تدري، ليس سوى بضاعتك وقد رُدت إليك. إنه الحصيلة الحتميّة لكلّ ما صدر عنك من أعمال وأقوال، ومن أفكار وتخيلات، ونيّات وشهوات.

***
هذا الكون بأبعاده اللامتناهية هو لوحة رائعة رسمتها ريشة فنّان لا نراه. ولأننا، بأبصارنا الحسيرة، لا نستطيع أن نتناول منه غير زاوية ضئيلة جداً فنحن لا ننفك ننتقد الرسم والرسّام ونحاول أن نصلح ما يبدو لنا نقصاً في الرسم وفي التصميم. فكأننا نصحّح نور الشمس ونارها بنور عود ثقاب وناره.

***
أتفه ما في الكون ينمّ عن أكبر ما فيه، ولكن أين العيون التي تحسن القراءة؟

***
يوم تخسر إيمانك بحكمة الحياة وعدلها في كلّ ما تعمل تخسر نفسك.

***
بداية اللابداية ونهاية اللانهاية كلتاهما أحجية تتعطَّل أمامها مدارك الإنسان جميعها. أمّا الإنسان ذاته فلا يتعطل لأنّه الأحجية الكبرى.
***
عبثاً تحاولون معرفة ما في الفضاء قبل أن تعرفوا ما هو الفضاء ذاته.

***
فاتنة هي الأرض. والذي يزيد من فتنتها أنها تأبى أن تكون ملكاً لأحد.

***
إرادتنا بالنسبة إلى إرادة الكون هي إرادة الطفل بالنسبة إلى إرادة أبيه وأمّه. فألف طوبى للذين تعلموا كيف يتنازلون عن إرادتهم للإرادة الكونيّة.
***
ما مِن كتاب يبتدئ بأولَّ كلمة فيه وينتهي بآخر كلمة، بل تبقى قبل الكلمة الأولى وبعد الأخيرة كلمات وكلمات جالت في خاطر المؤلِّف ولكنَّه لم يسجِّلها، وهذه لا يستطيع حتى المؤلِّف أن يعطي عنها حساباً.