الملحق الثقافي

«اللؤلؤة السوداء»

أطفال الهالة النيلية «الخارقون» (أرشيفية)

أطفال الهالة النيلية «الخارقون» (أرشيفية)

لينا أبو بكر

.. يغني عبد المجيد عبد الله.. فينتهي العالم.. قبل أن تهم بالبكاء..!
شيء أشبه بشهقة مُعلقة بين سقف الروح وقعر الجحيم، تخض كيانك وأنت تروح مع الغناء إلى حافة السماء، ثم تعود خالي الوفاض بلا هاوية.. ولكن ما الذي يستهويك في الرجال غير قسوتك أيها القلب؟
ربما أحزانهم.. تلك التي لا تشف عن طفولة ملائكية تفطر الوله لنقاء سريرتها.. إنما لأنها أحزان ذئاب يقدح في عيونها غبار المذنبات، فيثير عاصفة سرية تمور كنفير القيامة في دمعة متمنعة من رغبة ومتوحشة من تؤدة وحياء.
في غربة القبور كلما تعنّ على الخاطر (حَنْتَمَةُ) النايات... متصادية مع غطيط الموتى.. تتلقف أحزانك من يد الغيب كالشعاع المرتد، أو كابنة الطود متشعبة مثل متاهة فضفاضة في هرم لولبي حوله هيرودوت إلى قصر أسطوري للتيه!
بوتر زرياب الخامس وريشة غريبة تهدلت كلؤلؤة سوداء من حدقة صقر شريد، يرن عودك – سلطان التخت الشرقي – فتتمايل أشرعة البحارة على إيقاعه المبحوح، وينهض البحر من سريره متثائباً ينضو حرير الوسن، مياساً كطاووس الماء، لا يلتفت للحوريات ولا للقراصنة، ولكنه يجر وراءه غرقاه في رحلته إلى جزيرة السماء ليحظى بظبي سيرينا!
وغن... أحبك يا عبد المجيد أن تغني.. فهذا يكفي ليموت العالم وتنبحس الجحيم من لغة طريدة!

الحزن كمعيار أخلاقي
لو اكتفى المنفلوطي بتعريف الشقاء دون معرفته لكان الزمن هو العدو الوحيد للحزن، ولكن الحزن ليس بشرياً إلى هذا الحد ليتعاطى مع الذاكرة كثيمة وجودية من وجهة نظر نزارية ترى أن الإنسان بلا حزن مجرد ذكرى، حتى وإن كانت الغواية جامحة بهذا الاعتبار وصوفية حد الولع، إلا أنه ليس شرطاً أن تكون إنساناً لتحزن، أو أن تحزن لتثبت أن الإنسان حيوان حزين، فالنجوم والغيوم والصخور والبحور والزهور والعطور والطيور والوحوش والأوراق والأقلام والكتب ورفوفها والحلوى والشموع والملابس والدمى والرياح والمطارات والطائرات والمحطات والقطارات والحقائب والأعلام والمقاهي والشوارع.. لها ذات الإحساس: الحزن!
لا أعرف كيف يحس المرء أحياناً بالخوف على الحزن، تماماً كما يحس بالخوف منه؟ فأنت إذ تندغم فيه لا تصبح جزءاً منه بقدر ما يكتمل بك، ورغم ما يثيره من توتر يطمئنك عليه إذ يقلقك، لأن الانشغال بالحزن ليس كهاجس إنما كمتعة- يجعل منه مشكلة لا يمكنك أن تجد حلًا لمشاكلك بدون الاستغراق فيها!
الحزن يرتقي بالوعي، حتى لتبدو السعادة أمامه متخلية عن بعدها الرمزي وقيمتها الاجتماعية، إنه يفرغها من معناها حين يتحول إلى معيار أخلاقي رفيع، لا يهدر طاقته في مجاملات مبتذلة ولا شعارات ونظريات مملة تحتاج منك إلى بذل مجهود عاطفي مجاني لكي تثبت صحتها، دون أن تصح بها، وما التدريبات السلوكية على السعادة إلا طامة مضاعفة، فكما أن الحزن لا يحتاج لمن يتلقى لأجله دروس أداء فكذلك الحال بالنسبة إلى البهجة.. الدربة تقحم المرء في المجال، ليصبح كائناً طفيلياً وقبلياً فيه، دون أن يكون حدسه المحيط الذي لا يحاط به كما رأى كانط، ولذلك تغدو طاقته ادعائية، لا جينية!

التنويم الإيحائي بالحزن
الغريب في الأمر أن حزني هو طاقتي الاحتياطية، التي تستشعر الوجود عن بعد دون أي تماس فيزيائي أو كيميائي معه، أما العزلة بحد ذاتها فهي مجال مغناطيسي جاذب وغير قابل للاسترخاء. ولذلك تحديداً لم يتمكن أخصائيو الطاقة من برمجة وعيي أو تنويمه إيحائياً، واكتفوا بامتصاص الشحنات الفائضة، ليس لتحقيق التوازن بين طاقة الاستيعاب وطاقة الإمداد، إنما للإفادة من الطاقة الحرة في مهامهم العلاجية للآخرين!
أن تحزن يعني أن تتخلص من أعباء الكراهية والنقمة، أن تتحلى بقوة العاطفة والإحساس دون أن تنعم بسلام داخلي يعينك على الاسترخاء استجابة لاستدراج لاوعيك في جلسة الاستشفاء بالطاقة... إنه روحانيتك التي تتواصل بها مع قيم الأبدية، أو ما فوق الطبيعة، وأحيانا ما تحتها، ولذلك هو يغير وعيك عن حالة الإدراك والوعي الطبيعي، ليأخذك إلى ما وراء الشخصي، ويكهربك بالغيري، كأنه غشية أو غيبة عن الوعي، مع الوعي به، طالما أن تواصلك الروحي مع المجهول هو تعبير عن شعورك بالحياة على طريقتك أنت، التي تخصك أنت، ولا تخص غيرك!
هناك فاصل زجاجي بين ما نتذكره وما نرثه من ذاكرة الآخرين... الألم ذاكرة حسية وليست سمعية، وفي كل مرة تُروى لك تستعيدها ليس من خلال ما سمعته بل عبر ما أحسسته.. ولذلك تحديداً سأولد كما مت: مسجاة بدمي!
إنها لحظة الميلاد، التي رافقتني آلامها ودماؤها..، ما زلت أذكرها.. فتلك الطفلة حديثة الولادة للتو حملت أوجاع المخاض ودماءه كعلامة لإشهار الوجود.. كأنها ولدت ودمها صنوان...!

أطفال الإنديغو
المعرفة اضطهادية، حين تكشف لك أسرارا لم تكن بالحسبان، عشت معها وعايشتها دون الالتفات لخطورتها، أو حتى الإحساس بها.. المعرفة هي العذاب..
أول مرة قرأت عن أطفال «الإنديغو» أحسست بالقهر، ليس لأنني لم أعرف، بل لأنني لم أستنتج أو ربما لأنني أحسست دون وعي، فأطفال الهالة النيلية «الخارقون» هم الأطفال الجدد الذين ينتظرهم العالم، وهؤلاء لهم خصائص لا أعرف كيف تعاطيت معها طبيعياً؟ هل لأنها أصلا موجودة عندي؟ أم لأنني تآلفت معها عندهم؟ أعراض تتراوح بين فرط الحركة، قلة التركيز، قصور الانتباه، الذكاء الحاد، رفض السلطوية والتحكم بعنف وعناد بالغين، امتلاك درجة عالية من الإحساس بالحياة والروحانيات، الجنوح للحزن، القدرة التشاعرية الأعلى من المعتاد، الانفصال عن الذات والمحيط بالدخول في حالات تقمص وجدانية مفاجئة.... يا إلهي.. هؤلاء أطفالي... ماذا فعلت بهم؟ لقد أورثتهم حزني.... حرام عليّ!!

اللؤلؤة السوداء وذئبة الحرمان
بعد عمر محروم من القبلات، ألقيتُ بأحمر الشفاه في حاوية القمامة، وعند اكتمال القمر تحولت إلى ذئبة، اقتلعت فمي ورميته من نافذة العليّة، وحين استفقت من غيبوبة القمر وهرعت لالتقاطه، لم أجده، كان الشارع موحلاً، وأقدام المارة تدوس تحتها آخر عضة ألم غرستها في لحم الندم...
شاحنة البلدية تأتي كعادتها لتلم أكياس النفايات المتكومة على النواصي بانتظارها، وأنا لم أعد بحاجة إلى رص قمامتي فوقها كل مساء.. لم يسبق لي أن تملكني هذا الإحساس الحر والطلق كهواء لا مرئي، الله ما أجمل أن يعيش المرء بلا قمامة.. أن تعيش النساء بلا شفاه!
حين تكون حزيناً، تنضج أسرع وأعمق مما لوكنت إنساناً سعيداً، فحكمة السعادة هي المرحلة قبل الأخيرة التي تسبق مرحلة المنتهى: بلوغ الحزن اللامتناهي.. هنا فقط تتأكد من اختمار الحكمة جيداً، مما يؤهلها إلى ما بعد السعادة: الجنون!
حسنا إذن.. هناك في التايغا «غابات الشمال وكوكب الأكسجين»، قد تبدو الحياة كافية لذئبة تتنفس من رئة ثقبها الدخان، واستقرت في مجراها الهوائي طلقة مكتومة، تبدو في التصوير الطبقي للتابوت لؤلؤة سوداء..!

الدين والحزن
لم يكن الدين حيادياً مع الحزن، لأنه فهمه، ولذاك كانت لغة الله تواسي أحبابها بصيغ حنونة ينفطر لرقتها القلب..(فلا يحزنك قولهم) و (لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون)، (فناداها من تحتها ألا تحزني)، و(الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن).
هل بعد كل هذا يمكنك التعامل مع هذه الصيغ البلاغية على أنها صيغة نهي تحريمية ملزمة؟ ماذا لو تأملنا الحزن وليس النهي من زاوية أخرى، وتحديداً من عبارة: «عام الحزن» التي أطلقها الرسول عليه السلام في السنة العاشرة للبعثة، تكريماً ووفاء وتعبيراً عن هول الفقد لحبيبيه: عمه وزوجته... وهو ذات العام الذي جاءت فيه رحلة الإسراء والمعراج، للتخفيف عن آلام النبي الكريم، لا للنهي عنها، فالحزن لم يستدع تجريد النبي من إنسانيته ومشاعره، ولو أن الحزن كان بغيضاً إلى الحد الذي يستحق به النهي والزجر أو الردع كموقف حاسم لما اختاره النبي الكريم ليؤرخ فيه لهذا الإحساس، فهو لم يقل مثلاً: عام وداع الحبيبين، أو عام الفراق، أو عام الموت، أو عام الأحبة، بل انحاز وبإصرار للإحساس «الحزن» للتعبير عن عواطفه تجاه فقدان الأحبة أكثر من الأحبة أنفسهم.. وبهذا يظهر الحزن كشعور نبيل وراق لا مُنهى عنه ولا مغضوباً عليه، بل إنه في عبارة النبي (عليه السلام) مقدس..
يبقى أن نقول إن الفرق الحقيقي بين أن يكون الحزن خطراً وبين أن يكون زهداً، يحدده الوعي به كقناعة وطموح يرتقي بالنفس ويطهرها من رعونتها، لا أن ينغلق كقفلة عاطفية تنحدر بالمحزونين إلى القنوط واليأس من رحمة الله... وما دون هذا استقراء ناقص لجهات الروح من ناحية التلون والتمكن، وهو ما يجعل الحزن بنظر من يجيدون تأمله «مَلَكَة»، فاحزن أيها القلب ما شئت، وحين يضجرك المتذمرون، لا تتعب حزنك بهم، وقل ما قاله صاحب عام الحزن: مالي ولطلحة!

خط وهمي
حين تحس بانكماش الروح، احزن.. كي تفضفض ساتانها وتتحسس نعومة النسيج وانسداله، لأن الأحزان تقي روحك من التجعد العاطفي، وهي إذ تنهك قواك العضلية وتتغلغل في جسدك على هيئة أعراض مرضية، تستثنيك إذ تخصك بميزتها، التي لا تحتاج منك أن تكون مقيتاً بقدر ما تكون غاوياً بالحزن وحده، حتى لتغري الآخرين به وهم يعترفون لك بدهشة واستسلام: يا الله ما أجمل الأحزان!
في صوتي بحَّتُهُ، في صمتي حسيسه، في لغتي لعنته، في خفقتي فديده، وحين أشطره إلى نصفين كخط وهمي يُقَوّم اعوجاجي بصفر الاستواء..
يا إلهي، لن أعيش بلا حزني.. كي لا أسير في الزحام عارية بلا أصفار، أو مشوهة بلا وجه، أو كزهرة اصطناعية لم تجرب سحر الذبول وجبروت المواسم، أو كقوة متجمدة لم تُفَعّل كمية الحركة!...
أريد أن أعيش وأموت وحزني معي، حزني صاحبي الشيخ وطفلي المدلل وحبيبي الوحيد، وطني الغريب، ولؤلؤتي السوداء، جمجمة البحر وسفينة الأشباح.. وقرصاني الطيب الذي اختطفني من قلادة المجرة، لأربو على يديه كنيزك ارتطام!
وآه «يا حلوك عليك الحزن لايق»،.. إنها دندنة عبد المجيد عبد الله، على وتر العود السري: الحزن.. فما أرق أن يحزن الرجال!
سيمر بي زوار المقابر فلا يرون قبري، ولكنهم سيستدلون عليه من حزني وأغنيتك.. سيدهشون حين تتناهى إلى مسامعهم ثرثراتي المسائية مع الحزن، ومشاجراتنا سوية ورائحة قهوتنا... وحبة روح سوداء هي لؤلؤة العهد: اللغة.. فمم نخاف... بعد؟!

احزن
أن تحزن يعني أن تتخلص من أعباء الكراهية والنقمة، أن تتحلى بقوة العاطفة والإحساس دون أن تنعم بسلام داخلي يعينك على الاسترخاء استجابة لاستدراج لا وعيك في جلسة الاستشفاء بالطاقة... إنه روحانيتك التي تتواصل بها مع قيم الأبدية، أو ما فوق الطبيعة، وأحياناً ما تحتها؛ ولذلك هو يغير وعيك عن حالة الإدراك والوعي الطبيعي، ليأخذك إلى ما وراء الشخصي، ويكهربك بالغيري، كأنه غشية أو غيبة عن الوعي، مع الوعي به، طالما أن تواصلك الروحي مع المجهول هو تعبير عن شعورك بالحياة على طريقتك أنت، التي تخصك أنت، ولا تخص غيرك!