الملحق الثقافي

أيها العابرون لماذا لا تُقِيمون؟!

د. سعيد توفيق

كم أدهشني تأمل الأشخاص والأشياء التي التقيتها على مر السنين: كلها عابر وبعضها مقيم، فما الذي يعبر، وما الذي يقيم؟! هذا سؤال الزمان الذي حير الفلاسفة والعلماء على السواء، وقد انشغل كل واحد من هؤلاء المتحيرين بجانب واحد منه سعوا لتفسيره على أنحاء شتى، ولكن أغلبهم قد مال إلى تأمل ذلك المظهر للزمان الذي يمكن عده وإحصاؤه، ومنهم الفيلسوف الكبير أرسطو. ولكن قلة من الفلاسفة هم الذين تأملوا الزمان كما نحياه ونستشعره باعتباره جوهرَ وجودنا ومعناه، أعني باعتبارنا في النهاية موجودات زمانية، أي موجودات تحيا في الزمان، ولا وجود لها من دونه، فمن دونه ينحدر الإنسان إلى رتبة الحيوان: لا يدرك الحيوان معنى الزمان، فالزمان بالنسبة له هو اللحظة التي يعيشها. الحيوانات ذات الرتبة العليا فقط، كالقردة والكلاب هي التي تعي معنى الزمان باعتباره حاضراً وماضياً يمكن أن تتعلم منه فحسب التجارب التي تعينها على البقاء بمنأى عن تهديدات الطبيعة. ولكن الإنسان وحده هو الذي يدرك الزمان باعتباره الحاضر الذي يحوي في باطنه عمق الماضي واستشراف المستقبل. ولذلك فإن الإنسان هو الموجود الوحيد الذي يلِّح عليه في حاضره الماضي الذي عبر، وهو الذي يريد أن يستبقي شيئاً منه، وهو الذي يدرك الموت باعتباره مآل كل موجود، فهو الموجود الوحيد الذي يعرف أن مآله هو الموت. لا يدرك الحيوان تلك الحقيقة، فهو لا يعرف الموت إلا حينما يتهدده، ومن ثم فإنه لا يعرف القلق الزماني الذي يعرفه الإنسان الذي يعي أنه موجود «مائت»، أي موجود متجه باستمرار نحو الموت، على نحو ما أفصح عن ذلك في كتاباته العويصة واحد من أعظم فلاسفة القرن العشرين: مارتن هيدغر. ذلك الزمان هو أيضاً ما أفصح عنه فلاسفة آخرون باعتباره «الزمان الشعوري»، ومنهم الفيلسوف الكبير هنري برغسون. ولكن ما يفصح عنه الفلاسفة يظل مجرداً، محتاجاً لمن يملؤه بالخبرة الحية، أعني الخبرة المعيشة الحافلة بالتفاصيل التي تُشخِّص وتصور. خبرات الحياة التي نعيشها هي وحدها ما يمكن أن يطلعنا على التفاصيل الخاصة بما نعرفه بشكل عام ومجرد، ولا يقوى على ذلك سوى كل لبيب من الأدباء والمبدعين الحقيقيين.
تلك مهمة الأدباء الذين فهموا معنى الزمان الشعوري من خلال تجارب حقيقية من لحم ودم. الروائي العظيم جمال الغيطاني هو أهم الأدباء العرب في عصرنا الراهن الذين شغلهم معنى هذا «الزمان الشعوري»، بحيث يحق لأي باحث جاد أن يعنى بمعنى الزمان في أدبه أو تدويناته. والحقيقة أن الدهشة إزاء هذا الزمان الشعوري هي نفسها التي تثير تأملاتي الآن، وإنْ كان على نحو يتجلى في التفاصيل التي نعيشها في حياتنا اليومية: فالأدب- بل كل إبداع فني- يكمن في التفاصيل الصغيرة التي اعتدنا أن نهملها ونستهين بها. هذا كلام مغاير للمثل الإنجليزي الذي يردده الجهلاء والببغاوات على الدوام في كل مناسبة وفي كل سياق حينما يقولون: الشيطان يكمن في التفاصيل، وأنا أقول بخلاف ذلك: إن كل إبداع يكمن في التفاصيل.

الزمان المعيش
تجربة «الزمان المعيش» عندي هي تجربة العابر والمقيم، فما العابر، وما المقيم؟! هكذا نعود من حيث بدأنا. كم من الأشياء والأحداث عبرت حياتي، فلم يبق منها شيء! وكم من الأشخاص الذين عبروا حياتي ولم يبق في ذاكرتي شيء من رسمهم أو حتى أسمائهم. أحياناً يغيب الاسم عن الذاكرة، ولكن يبقى الرسم ماثلاً في الذهن بكامل هيئته وإيماءاته. يبقى بعض الأشخاص حاضرين في الذهن والوجدان على مر السنين، مهما بعد الزمن وضعفت الذاكرة... يبقوا حاضرين عبر الموقف الذي فيه صادفناهم، وأحياناً عبر إيماءة عبرت ولكنها ظلت مقيمة! كم التقيت آلافاً من البشر الذين يزورونني بمكتبي حينما كنت أشغل منصباً رفيعاً في وزارة الثقافة المصرية، كان اللقاء يبدأ عادةً أو ينتهي بأن يمنحني الضيف بطاقة التعريف الشخصي بمهنته وتليفونه الخاص... تجمعت لدي آلاف من البطاقات التي لا أعرف ولا أذكر شيئاً عن أصحابها، فكنت أتخلص من أكثرها تباعاً، ولم أبق منها إلا على أقل القليل.. لم أبق منها إلا على تلك التي كان أصحابها يقصدونني بالفعل، فالشخص هنا لا يعرفك ولا تعرفه، وهو عندما منحني كارت تعريفه الشخصي لم يكن يقصدني في أغلب الأحوال، بل كان يقصد أن أمنحه شيئاً بحكم منصبي، وهكذا يسلك الناس عادةً في المواقف المختلفة بمنأى عن المناصب، وإنْ كان بدرجة أقل حدةً وفجاجةً.
طالعت في كتابات العظيم هيدغر أن الناس بطبيعتهم عابرون، لأنهم لا يقيمون، لا يتخذون لهم وطناً مقيماً على الأرض.. «الشعراء يقيمون على الأرض».. هكذا تحدث هيدغر من خلال أقواله المقتضبة التي تشبه أحياناً شذرات هيراقليطس. أتأمل دوماً هذه المقولة، وأحاول تأويلها لطلابي من خلال تشخيصها في حالة ما من تجليات معناها في حياتنا المعيشة، هذا ما وعيته من تعاليم تلميذه جادامر عن التأويل. كل أرض لها عالم خاص، أسلوب خاص في رؤية العالم من خلال الناس الذين يعيشون على هذه الأرض، هناك حالة من التوحد بين الأرض واللغة، والشعراء هم الذين يحفظون اللغة في الكلمة أو الكلام الشعري. أتذكر الآن الأغنية الشهيرة «الأرض بتتكلم عربي» التي تغنى بها سيد مكاوي، وعلى الرغم من أن غنائه وتلحينه ليسا أثيرين عندي، فإن المعنى الذي تغنى به هنا هو ما يأسرني، وطالما أشعل حماس المصريين والعرب وحنينهم إلى الشعور بالارتباط بالأرض التي توحدهم وتكسبهم هويتهم التي تسكن علاقتهم الحميمة بها. ولقد كانت حياة الفيلسوف هيدغر نفسه تجسيداً لإيمانه بما يقوله، ولعل ما يقوله هو تجسيده للأسلوب حياته وعيشه: لقد عاش هيدغر طيلة حياته إلا قليلاً في «الغابة السوداء» بألمانيا. أتذكر الآن أيضاً الأديب العظيم نجيب محفوظ الذي لم يغادر أرض مصر طيلة حياته، حتى حينما كان ينبغي أن يحضر حفل تكريمه بالحصول على جائزة نوبل. لقد ظلت علاقته بأمكنة القاهرة القديمة بوجه خاص تسكن روحه، لأن هذه الأمكنة بقيت في رواياته مسرحاً للزمان المعيش الذي يجسد روح مصر كما تتجلى في مرحلة تاريخية عايشها في تأملاته الباطنية، وأفصح عنها وخلدها في فن الكتابة. كلاهما أحب أن يقيم على الأرض!

خلود الإبداع
كنت أحدث بذلك تلميذتي النابهة الأثيرة عندي، فلاحظت حيرتها التي أعقبها سؤالها: فما العابر؟ وما المقيم إذن؟ قلت: الزمان يمرق، فيعبر كل الأشياء والموجودات، يحاول الموجود البشري أن يستبقي الزمان، يستبقي اللحظة التي تتوارى دائماً دون أن يستطيع القبض عليها، وكلما حاول استبقاء اللحظة الراهنة التي قد تطول قليلاً، فإنها سرعان ما تتوارى وتفلت إلى الوراء، فلا سبيل سوى مقاومة فعل الزمان الذي يطوينا بفعل إبداعي يستبقي اللحظة ويخلدها في التدوين. ولهذا حرصت كل الحضارات المبدعة أن تخلد نفسها في التدوين على جدران معمارها. وهذا حال كل موجود بشري مبدع من خلال التدوين الذي لا يبقى منه إلا الأصيل، أعني ما استطاع منه الإبقاء على روح اللحظة بحيث لم يعد في مقدورها أن تتوارى أو يجري عليها التلاشي والنسيان بفعل قانون الزمان. أما العابر فهو كل ما يشغل بال سائر البشر العاديين الذين ينتجهم مصنع الطبيعة بالآلاف يومياً، كما قال معلمنا شوبنهاور الذي نأى به الزمان، ولكنه لم ينأ عنا في حاضرنا وفي كل حاضر. ما يشغل بال هؤلاء البشر هو الأشياء العابرة التي يشاركون فيها الحيوان، التي تتمثل في سعي كل فرد، بحسب قدرته وطاقاته وما يسرته الظروف، إلى حفظ حياته ودعمها من خلال تحقيق الرغبات الأساسية التي يشاركنا فيها الحيوان، خاصة المحافظة على القوت والجنس (أو غريزة التناسل الفطرية). وليست الرغبات المترابطة في الجاه والسلطة والنفوذ سوى توابع أو لواحق لتلك الرغبات الأساسية. حتى أولئك الفقراء الذين لا يملكون قوت يومهم، تتملكهم تلك الرغبة في المحافظة على أدنى ما يمكن تحقيقه من هذا القوت. وكل خُلِق لما هو ميسر له.
أومأت تلميذتي إيماءةً توحي إلىَّ بأنها قد وعت كل ما أقول. فقلت: ولكن فاتك ما هو أهم بكثير من كل ما قلته، وهو أن المبدع لا يسعى سوى إلى تخليد اللحظة العابرة التي يحياها أولئك البشر العاديون. أغمضت عيني، فطافت بمخيلتي قصص الحب العديدة التي عبرت من حولي، والتي تشبه ملايين القصص العديدة التي عبرت أو عبرها الزمان، فطواها النسيان. ولكن المبدع يأتي ليخلد صور الحب وصور كل الأشياء التي نعايشها كموجودات بشرية في لحظة زمانية أو تاريخية معينة. كذلك يفعل العلماء حينما يدرسون الظواهر العابرة التي تتبدى عليها الأشياء في نظرنا نحن العابرون، لكي يكتشفوا فيما بينها شيئاً مقيماً. هذا ما وعيت من معنى الإبداع باعتباره المقيم في مواجهة الزمان الذي يَعبُرنا على الدوام. وهذا ما وعيه الغيطاني في سائر أعماله الأخيرة التي سماها «دفاتر التدوين» التي تسعى لتخليد المقيم عبر السرد الأدبي، وإلى استبقاء اللحظة التي تؤول دائماً إلى العدم من خلال فعل تخليدها في الكتابة، ذلك أن السؤال عن الزمان يظل سؤالاً مركزياً في تدويناته إنْ صراحة أو ضمناً، وهو ما خصصت له كتاباً كاشفاً عن هذه التجربة على مستوى الحكي والسرد الأدبي، فليرجع إلى ذلك من يشاء.

الشعراء يقيمون على الأرض
طالعت في كتابات هيدجر أن الناس بطبيعتهم عابرون، لأنهم لا يقيمون، لا يتخذون لهم وطنًا مقيمًا على الأرض.. «الشعراء يقيمون على الأرض».. هكذا تحدث هيدجر من خلال أقواله المقتضبة التي تشبه أحيانًا شذرات هيراقليطس. أتأمل دومًا هذه المقولة، وأحاول تأويلها لطلابي من خلال تشخيصها في حالة ما من تجليات معناها في حياتنا المعيشة.

المقيم نجيب محفوظ
أتذكر الآن أيضًا الأديب نجيب محفوظ الذي لم يغادر أرض مصر طيلة حياته، حتى حينما كان ينبغي أن يحضر حفل تكريمه بالحصول على جائزة نوبل. لقد ظلت علاقته بأمكنة القاهرة القديمة بوجه خاص تسكن روحه، لأن هذه الأمكنة بقيت في رواياته مسرحًا للزمان المعيش الذي يجسد روح مصر، كما تتجلى في مرحلة تاريخية عايشها في تأملاته الباطنية، وأفصح عنها وخلدها في فن الكتابة. كلاهما أحب أن يقيم على الأرض!