الملحق الثقافي

العائدون من الموت

Luis Alberto Rodriguez فوتوغرافيا للفنان

Luis Alberto Rodriguez فوتوغرافيا للفنان

د. العادل خضر

ربّما كان فيلم «دراغولا» الّذي أخرجه للسّينما المخرج الكبير «فرنسيس فورد كوبولا» أبرز الأفلام الّتي أخرجت شخصيّة دراغولا على نحو تراجيديّ. فقد أكسبه سمات بشريّة بثّت فيه الحياة، فأعادت إليها روحاً كان قد فقدها لمّا ماتت زوجته في بعض الحروب منتحرة بعد أن بلغها خبر موت «دراغولا» الزّائف. فعطشه الدّمويّ إلى الانتقام قد جرّده من بشريّته وحوّلته اللّعنة الكنسيّة إلى كائن ليليّ ملعون لا هو بالحيّ ولا هو بالميّت، يقتات من دماء ضحاياه في حياة أبديّة لا تعرف الموت ولا السّكينة.

يبدو أنّ شخصيّة «دراغولا» مستوحاة من طراز الإنسان «الميّت الحيّ» الرّائج في الثّقافات الشّعبيّة. هذا «الإنسان» المفرط في إنسانيته، إنّما هو كائن ميّت ولكنّه ما زال يتحرّك ويعيش بإرادته أو دونها. وهو صنفان، صنف هو في الأصل جثّة فيها بقيّة باقية من الرّوح فهو ما زال محافظا على جسده، وصنف ثان قد اندثر جسمه فلا وجود له بلا ماهية ملموسة. فهو أرواح أشخاص قد ماتوا ولكنّهم ما فتئوا يظهرون كما تظهر الأشباح والأطياف. وقد وجدت الرّواية الحديثة والأفلام السّينمائيّة في هذه المعتقدات الشّعبيّة ضالّتها فألّفت روايات وأخرجت أفلاماً كثيرة كان أبطالها من مصّاصي الدّماء والموتى الأحياء zombies.

العائدون في السرد

بيد أنّ ما يعنينا من أصناف الموتى الأحياء هو إمكان عودتهم إلى الحياة. فهم أيضاً من صنف الكائنات الّتي تعود إلى الحياة. فهم العائدون، أو العائدون من موتهم. والاعتقاد في وجود هؤلاء العائدين قد كان منتشراً في كلّ الثّقافات وفي كلّ الأزمنة. فالهامّة والصّدى في الثّقافة العربيّة القديمة مثال قديم من العائد بعد موته. ولهذا الاعتقاد تاريخ طويل قد كُتبت بعض فصوله. فقد اعتنى جون كلود شميت في كتابه «العائدون» بالأحياء والموتى في العصر الوسيط. وبيّن أنّ عقيدة العائدين قد امتدّت طيلة قرون مديدة من العصور القديمة المتأخّرة إلى فجر النّهضة الأوروبيّة حيث تعاقبت العقائد والطّقوس الوثنيّة واختلطت بالمسيحيّة حتّى ذابت فيها على نحو بطيء. ولكنّها ظلّت في مفهوم «ذاكرة الموتى» حيّة في الشّعائر الدّينيّة والدّموع والصّلوات. وترمي هذه الذّاكرة إلى تيسير انفصال الأحياء عن الفقيد وترتيب مراسم نسيانه الاجتماعيّ. ويبدو أنّ هؤلاء العائدين في القرون الوسطى قد جعلوا عمل هذه الذّاكرة المسيحيّة المنظّم بالطّقوس، أي «ذاكرة الموتى»، فاشلاً وذلك بتعطيل عمل الحداد ومنعه. وسواء أكان هؤلاء العائدون يبعثون الرّهبة أم الهلع فإنّ ظهورهم كان دائماً فرديّاً. فلا ينجمون من قبورهم زرافات أو جماعات كما اعتدنا أن نراهم في أفلام الرّعب، وإنّما يظهرون في وعي أقاربهم وعائلاتهم في مناماتهم ورؤاهم على نحو مؤلم أو بدافع شعور فظيع بالإثم. فلا وجود للعائدين إلاّ في القصص الّتي تروي حكايات ظهور الموتى حيث يختلط الرّوحيّ بالجسديّ، والفرديّ بالجماعيّ، والشّخص بقرابته، واللّيل بالنّهار، والعجائبيّ بالنّظام الاجتماعيّ. فأرشيف العائدين المتكوّن من حكاياتهم ورواياتهم ولوحاتهم وأفلامهم يؤسّس للمؤرّخ والأنثروبولوجيّ والمحلّل النّفسي، قطاعاً جديداً يسمّيه شميت «علم الأحلام». وليست الأحلام في النّهاية سوى قصص تعود فيها «الأشباح» و«الأطياف» و«العائدون» من موتهم، في هيئة أخرى في شكل سرديّ ماليخوليّ، هذا إذا سلّمنا بأنّ فنّ القصّ هو في جوهره ممارسة ماليخوليّة. فهؤلاء العائدون بجميع أصنافهم لا يمكنهم أن يعودوا إلاّ بفضل خيالنا الخلاّق، إذ لا وجود للعائدين في الواقع إلاّ بفضل خيال الأحياء. بل لا يمكنهم أن يعودوا إلاّ إذا تعرّفنا إليهم. وهذه العودة بالتّعرّف إليهم غير ممكنة إلاّ بالقصّ. ومن أشهر العائدين في شكل سرديّ، شبح الملك والد الأمير هاملت. وقد ورد ذكر خبر ظهوره أمام هاملت في المشهد الثّاني من مسرحيّة، وليم شكسبير، «هاملت، أمير الدّنمارك»، (عرّبها وقدّم لها جبرا إبراهيم جبرا، بيروت، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، الطّبعة الخامسة، 1979، ص.ص 44-45)، بيد أنّ الأطياف والأشباح حتّى إن توهّمنا أنّنا نراها تظلّ غير مرئيّة لا يبلغها البصر، لأنّها ترانا ولا نراها ولا نبادلها النّظر. فأن لا نرى ذاك الّذي ينظر إلينا إنّما هو التّعريف المختصر الّذي يقترحه جاك دريدا لتعريف «الشّبح». فالشّبح هو ذاك الّذي يرانا ولا نراه على نحو يجعل من لقاء نظرته بنظرتنا أمراً مستحيلاً. وقد أطلق جاك دريدا (في كتابه «أشباح ماركس») على هذا اللّقاء المستحيل عبارة Effet de visière. وقد استوحى هذه الاستعارة من قراءته لمشهد ظهور شبح الأب في مسرحيّة «هاملت» لشكسبير. والمقصود من عبارة Effet de visière الجزء المتحرّك الأماميّ من خوذة الفارس الّذي كان في القرون الوسطى يُجهّز بعُدّة حديديّة ثقيلة. ويتحقّق التّأثير الّذي يتحدّث عنه دريدا حين يضع الفارس الخوذة على رأسه ويحكم إغلاق كوّتها أو فتحتها المتحرّكة على وجهه، فينقطع بذلك الإغلاق كلّ تبادل نظر ممكن، ويتأسّس بذلك الانقطاع ضرب من الشّبحيّة spectralité لا نرى فيها نظرة الفارس الّذي ينظر إلينا. وبذلك تستحيل النّظرة وينقطع كلّ تبادل نظر، وتتعطّل أيضا كلّ مرآويّة spécularité تعطّلاً يتولّد منه هذا التّأثير الّذي وُسم بعبارة Effet de visière، أو تأثير كوّة الخوذة إن صحّت التّرجمة. والمقصود من هذه الاستعارة الموضع اللاّمرئي الّذي ينبع منه القانون، ويتكلّم منه ذاك الّذي يأمر، ويصدر أوامره.

الدين والخلود

وإذا انتقلنا من مجالي التّاريخ والأدب إلى مجال الدّين فإنّنا نجد بعض الدّيانات قد ابتدعت من الموت المستحيل الخلودَ، أو الحياة الخالدة، وهي بذلك الابتداع قد جعلت من الحيّ الفاني إنساناً خالداً. بل هي بالخلود، أو الأبديّة، قد سلبت من الإنسان ما به يكون إنساناً، فجرّدته من حقّه في الموت. وباستحالة الموت يفقد الإنسان حدّاً من حدود إنسانيته، فلا يكون ذلك الحيّ الفاني. غير أنّ العائد من موته لا يؤكّد بعودته أنّه مات وقُضي أمره، وإنّما عاد ليؤكّد أنّه لم يمت كما ينبغي الموت، لأنّه لم يعش أيضاً كما ينبغي العيش. ولذلك فهو مُكرَه على أن يحيا مرّة أخرى حتّى يستعيد إنسانيته باستعادة حقّه في الموت. في هذا السّياق يمكن أن نورد قصّة الكاتب الفرنسيّ باسكال كينيار Pascal Quignard في آخر فصل من كتابه «الفردوسيّات» Les Paradisiaques. وهي قصّة الأخ لوسيوس Frater Lucius الّذي أُرسل ليحتطب من الغاب في يوم شديد البرد. وبعد أن قطع بعض الشّجرات وهمّ بالعودة إلى الدَّيْر سمع تغريد طائر لم يسمع مثله فأشجاه حتّى أبكاه. ولمّا انتهى الطّائر من تغريده التفت الأخ لوسيوس إلى شجراته فوجد أنّ السّوس قد نخرها، وأنّ مقبض الفأس الخشبيّ قد تآكل، وأنّ الحديدة قد علاها الصّدأ. ولمّا عاد إلى الدَّيْر لم يعرفه أحد من الرّهبان. ولكنّهم لمّا تثبّتوا في وثائقهم القديمة اكتشفوا أنّه قد فارق الدَّيْر منذ ثلاثمئة سنة لم تكن عند الأخ لوسيوس إلاّ مقدار ربع أو نصف ساعة.

وشبيهة بحكاية الأخ لوسيوس قصّة «أصحاب الكهف والرّقيم» الّذين اعتقدوا أنّهم لبثوا «يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ» (الكهف، الآية 19) دون أن يعلموا أنّه قد ضُربت «عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا» (الكهف، الآية 11) «وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا» (الكهف، الآية 25).

ويمكن أن نضيف إلى هاتين القصّتين تجارب أولئك الّذين فارقوا الحياة فأضحوا «خارج الزّمن»، وعادوا ليقصّوا علينا خبر رحيلهم العظيم بين الحياة والموت، ويتحدّثوا عمّا جرى من انشطار في الحياة ذاتها، أو في الموت نفسه، لمّا انفتح بينهما فضاء هو مدخل إلى ما يسمّيه الفيلسوف جون فرانسوا ليوتار بـ«ما بين»، وهو عالم من طبيعة أخرى ممكنة، يعتبر امتداداً للخليقة، ولكنّه يجعل ما لم يكن يُرى من قبل مرئيّا. فـ«ما بين العالم» إنّما هو فضاء المرور من المرئيّ إلى اللاّمرئيّ، فضاء تختلط فيه حدود البشريّ واللاّبشريّ. وهو عند المحلّل النّفسي دانيال سيبوني فضاء بين الحياة والموت، فضاء رحيب «بين اثنين»، لا سبيل إلى معرفة ما فيه من قصور الزّمرّد والفيروز والألماس، والأنوار الذّهبيّة السّاطعة إلاّ بما حدّثتنا عنه الحكايات العجيبة والمعجزات، ونقلته لنا قصص الموتى الّذين استعادوا هِبَة الكلام، أو ما جاء في اعترافات مَن ظننّاهم ماتوا ولكنّهم عادوا من موتهم أحياء يرزقون.

كلّ الحكايات الّتي تقصّ ما جرى في «ما بين العالم» أو ما دار في فضاء «بين اثنين»، أو ما وقع في فضاء «بين الحياة والموت»، إنّما هي حكايات «العائدين» من موتهم إلى الحياة «الدّنيا»، لا حكايات «المنبعثين» بعد الموت في «الآخرة». ويُسمّى هذا الفضاء الّذي يكون «ما بين كلِّ شَيْئَينِ» أو «الحاجزُ بين الشَّيئينِ» «البرزخَ». ولكنّه فضاء يُسمِّي في الآن نفسه زمناً يقع «خارج الزّمن»، يبدأ مع الموت أو ما بعد الحياة مباشرة. فمع الموت تبدأ زمانيّة أخرى هي زمانيّة الموتى في «البرزخ». وبنشوء تلك الزّمانيّة يتشكّل معها فضاء له حدود زمانيّة لا مكانيّة تزول بالبعث. فـ«البَرزَخ مِنْ يَوم يموتُ إِلى يَوم يُبعَث. ومَنْ ماتَ فقدْ دَخَلَه، أَي البَرْزخَ» (تاج العروس). فلفظ البرزخ يدلّ على الفضاء والزّمان معاً، أو لعلّه زمان «خارج الفضاء» وفضاء «خارج الزّمان» يطرقه مَن فارق الحياة، ويغادره العائدون من موتهم ليقصّوا علينا نبأ «البرزخ».

عودة رمزية

بيد أنّ أشكال رجوع العائدين كثيرة. فإذا خرجنا من مجال الخياليّ والتّخييليّ ودخلنا في عالم المؤسّسات الرّمزيّة أو الاجتماعيّة وجدنا أنّ للعائدين وجوهاً أخرى من الحضور في عالم الأحياء لعلّ أبرزها الاسم. من المعلوم أنّ سلطة تدبير النّسب موكولة في أغلب المجتمعات إلى الأب الّذي يمتلك حقّ التّسمية وتوريث اسمه لخلفه حتّى يصبح في عداد السّلف. فالأب هو الّذي يهب اسمه لولد ابنه، بحيث يصبح الأحفاد والأبناء مجرّد «عائدين». فإذا كان «العائدون [...] لا يوجدون إلاّ بمزيّة خيال الأحياء» مثلما أكّد شميت في كتابه «العائدون»، فإنّهم في سياقنا هذا لا يعودون إلاّ في شكل اسم. هذه العودة لا تكون إلاّ بفضيلة الاسم، كأنّهم بحمل اسم السّلف يخلّدون ذكرى الجدّ تخليدا يصنع بقاءه الأبديّ. فاسم السّلف هو ذاكرة الموتى. وهي ذاكرة بُنيت لتيسّر انفصال الأحياء عن «الفقيد»، وتعديل العمل الاجتماعيّ للنّسيان. فبهِبة الاسم تستمرّ حياة الأب في حيوات أبنائه عبر أجيال سلالته المتعاقبة حيث يندمج الشّخص بقرابته، والفرد بجماعته. ولا يخصّ هذا الإجراء فرداً بعينه، وإنّما هو عمل شائع في المجتمعات القديمة. ففي المؤسّسات الهنديّة الأوروبيّة، يعلّمنا بنفنست Benveniste أنّ مفهوم «السّلف/&rlm الجدّ»، إنّما هو «مفهوم حيّ في العديد من المجتمعات. فولادة كائن تعني أنّ الجدّ قد حلّ في عدد ما من الأجيال. ويمكن أن نقول حرفيّاً، إنّه لا وجود لولادة، لأنّ السّلف لم يندثر، وإنّما هو في حال من التّواري والاحتجاب فحسب. وبصفة عامّة يتحقّق الظّهور من الجدّ إلى الحفيد: فحينما يولد لِامرئ ولدٌ، فإنّ جدّ الطّفل هو الّذي يظهر ويعود، وينتج عن ذلك أن يحمل كلاهما نفس الاسم. (ألفاظ المؤسّسات الهندو الأوروبيّة، الاقتصاد والقرابة والمجتمع، ج 1، ص 235). فتخليد السّلف يقتضي أن نجعل الخلف بمثابة العائد. وهو تخليد لا ينفصل عن بعض الشّعائر الأهليّة، وتتمثّل في أنّ الأضحية المهداة إلى السّلف تمكّنه من أن يعيد الظّهور دائماً في النّار الّتي لا تنطفئ. فتوقّف الشّعيرة يعدّ وحده قتلاً للأب. فإذا رفض أحد الأحفاد أن يشغل محلّ العائد فإنّ السّلف هو الّذي يموت، ميسّراً بموته «عمل الحداد»، «travail du deuil»، الضّروريّ في منع الموتى من الرّجوع بين الأحياء في شكل «العائدين» من موتهم. فالإحالة على السّلالة الأبويّة لا تتضمّن بالضّرورة قطيعة وتفرقة، وإنّما من تبعاتها ابتلاع الفرديّات الّتي تتوالى لينوب أحدُها الآخرَ في حمل الاسم. ولا يخلو حمل اسم السّلف الميّت من تبعات. ففي مجال التّحليل النّفسي نجد بعض الحالات المَرضيّة بسبب العلاقات الغريبة الّتي يمكن أن يعقدها الفرد مع اسمه إن كان سَمِيَّ جدّه (الميّت) وحامل اسمه. في هذه الحالة يمكن للحيّ أن يقرأ اسمه على شاهد القبر بوصفه اسم جدّه الميّت أيضاً. فلا أحد ميّت ولا أحد حيّ في لعبة الأسماء هذه. فمبدأ عدم التّفرقة ضروريّ في سياق العائدين، حتّى تبدو حياة الخلف بمثابة المكان الّذي يظلّ فيه السّلف حيّا باقياً ناعماً بالخلود. وعلى هذا النّحو يضحى كلّ تجديد في الاسم بمثابة قتل للأب، ويصبح كلّ حفاظ عليه إحياءً لذكرى الفقيد ومناسبة لنسيانه.

العودة إلى الأصل

إنّ مثال التّسمية يبيّن كيف يستمرّ الموتى في ذاكرة الأحياء بفضل قوّة المؤسّسات الرّمزيّة. غير أنّ هذا الاستمرار قد يصبح مفرطاً في أرض الواقع اليوميّ، بحيث يصبح الأحياء متقمّصين لنماذج الموتى الخياليّة على صعيد الواقع الحيّ، فيلغي الفرد وجوده ويضحي خارج الزّمان، منسحباً من العالم الرّاهن بتخريبه، علّه بتدميره وخسرانه يستعيد من الأنقاض و«الأرض الخراب» «فردوسه الضّائع». هذا الخسران قد تُرجم اليوم بإفراط شديد في التّديّن، فأدّى ذلك إلى تفريط في الدّين. وقد تجلّى ذلك الإفراط والتّفريط كلاهما في أشكال متنوّعة من الانسحاب من العالم، ترتّب عليها انتقال التّجربة الدّينيّة من مجال الدّينيّ إلى مجال «المقدّس والعنف» حسب عبارة رونيه جيرار. وقد اتّخذ هذا الانتقال في الإسلام السّياسيّ اليوم شكلاً فريداً تمثّل في «العودة إلى الأصل»، بما هي تكرار هذيانيّ للتّجربة الدّينيّة الأولى، ونعني ها هنا تجربة الوحي ومغامرة الرّسول في التّاريخ الّتي انتهت بنهاية مؤسّسة الخلافة وسقوطها. إنّ ما تتشوّق إليه كلُّ عودة إلى الأحداث التّأسيسيّة، وكلّ تكرار للتّجارب الكبرى، وكلّ استحضار للشّخصيّات العظيمة، إنّما هو إكراه التّاريخ على أن يعود من جديد ليُعيد نفسه. ومعلوم أنّ التّاريخ إن عاد بأيّ شكل من أشكال القسر والإكراه لا يكرّر نفسه على نحو تراجيديّ كما في المرّة الأولى، وإنّما يعود في شكل مهزلة أو كوميديا على حدّ عبارة ماركس وهو يصوّب فكرة لـ«هيغل» ذهب فيها هذا الفيلسوف إلى أنّ التّاريخ يعيد نفسه بالضّرورة. فالأحداث الكبرى والشّخصيّات التّاريخيّة يتكرّر ورودها في التّاريخ مرّتين. ويعلّق ماركس على هذه الفكرة بقوله «لقد نسي (أي هيغل) أن يضيف أنّها تَرد مرّة بوصفها تراجيديا، وتَرد في المرّة الموالية بصفتها مهزلة». ويبدو أنّ ملهاة اليوم اسمها «عودة الأصل» (كعودة الأشباح والأرواح وظهورها من جديد)، أو «العودة إلى الأصل»، في زمن انتهت فيه كلّ التّراجيديّات وأصبح تكرارها مستحيلاً، هذا إن لم يكن تكرارها هو المستحيل ذاته. ذلك أنّ الأصل لا يعود كما كان، وحتّى إذا عاد لا يعود كما كان في الماضي، بل يغدو كما أضحى في الحاضر. فلا وجود لماضٍ محض، لأنّ الماضي يصنعه الحاضر ويغيّره باستمرار. فكلّ ماضٍ يمضي بالضّرورة لأنّه يتغيّر بقدوم كلّ حاضر جديد. غير أنّ هذا «الجديد» قد يحبسه «القديم» العائد فيمنع ظهور كلّ جديد منعاً تجلّى في أشكال عنيفة قد سُجّلت بعضُ علاماتها في مطلع هذا القرن من هذه الألفيّة الجديدة أو قبل ذلك بعقود، بشعار ملطّف هو «عودة الدّينيّ». وقد رافق هذه العودة رجوع العائدين كما يعود المكبوت في هيئات غريبة رهيبة باعثة على القلق. وليست هذه الأشكال سوى أعراض شبيهة بأعراض «الماليخوليا». وهي إذا ظهرت دلّت على فشل عمل الحداد وإخفاقه. فالماليخوليا هي، بهذا التّصوّر الفرويديّ، ذاك التّشبّث المفرط بالموضوع الضّائع، فهي هذا التّمسّك المُشطّ بموضوع الفَقْدِ. وهو تمسّك يمنع كلّ تأويل بوصفه عملاً من شأنه أن يحرّر الذّات من الرّوابط الّتي تشدّها إلى موضوعها الفقيد.

إنّ هذا التّشبّث المشطّ بموضوع الفقد يدفعنا إلى أن نعتبر أنّ ما يخوضه المسلم اليوم (أو طائفة منهم على الأقلّ) في زمن عودة الدّينيّ ليس تجربة الموت، وإنّما تجربة الفقيد. فإذا كان الفقيد هو الأصل، صار التّشبّث بالأصل في تجربة الفقيد تمسّكاً بموضوع الفَقْدِ. ولمّا كان الأصل هو هذا «الفراغ العلاميّ»، صار لا يمثّل بأيّ علامة من العلامات إلاّ إذا تحوّل إلى مشهد مبذول للفرجة على «شاشة» الجسد الخاصّ الفرديّ. ذاك هو أسلوب المسلم اليوم في إحياء الفقيد. فقد اضطلع بوظيفة إفراغ الأصل من كلّ ما يمكن أن يمثّله، بطرق متنوّعة من الانسحاب من العالم، لعلّ أخطرها خسران المعنى، ومن آياته القصوى الامتناع عن التّأويل، وتكفير كلّ من يقدم على التّأويل وتجديد المعنى بالتّشبّث بظاهر الحرف وعبادته على نحو فيتيشيّ، ثم خسران الكلمة، وقد تجلّى في تقديس الموتى من خلال تكرار كلامهم وأقوالهم على نحو مأثور يمنع إبداع كلّ كلام جديد، منعاً يصل أحياناً إلى إهدار الدّم (سلمان رشدي)، ومحاولة القتل (نجيب محفوظ).

هذا الضّرب من التّشبّث المفرط بالأصل، بالعودة إليه، إنّما يعرب، في النّهاية، عن نوع جديد من العائدين يتميّز عن العائدين القدامى بكونهم أحياءً أمواتاً لا أموات أحياء، قد عادوا إلى الموت من حياتهم. هؤلاء العائدون الجدد هم أحفاد دراغولا ما فتئوا يتكاثرون في أفلام السّينما اليوم، وفي حياتنا اليوميّة، بوصفهم غيريّة جديدة قد برزت لتربك هويّاتنا الهشّة في زمن الدّيجيتال.

رواية ملهمة

ويبدو أنّ الرّوائيّ برام ستوكر Bram Stoker أوّل من استعمل اسم دراغولا عنواناً لروايته المنشورة سنة 1897. وهي رواية قد ألهمت السّينما الغربيّة، خاصّة الهوليوديّة، حتّى أصبحت أفلام مصّاصي الدّماء نوعاً خاصّاً من أفلام الرّعب.

شبح شكسبيري

وُصِفَ ظهور شبح الملك الميّت في الحوار التّالي الّذي دار بين هوراشيو وهاملت:

هوراشيو: سيّدي، أظنّ أنّني رأيته اللّيلة الماضية.

هاملت: رأيته؟ من؟

هوراشيو: أبوك الملك، يا سيّدي.

هاملت: أبي الملك؟

هوراشيو: خفّف من غلوائك لحظة، وأعرني أذناً صاغية فأقصّ عليك بشهادة هذين السّيّدين خبر هذه الأعجوبة.

هاملت: بربّك تكلّم.

هوراشيو: في ليلتين متعاقبتين، وفي أثناء الحراسة، عند منتصف اللّيل الرّحيب الدّجى، تصدّى لهذين مرسلس وبرناردو شبح على هيئة أبيك، [...] فكادوا يذوبون هلاما من شدّة الفزع، وجمدوا خرساً لا يخاطبونه. لقد أسرّوا ذلك إليّ والخوف ملء قلوبهم، فشاركتهم الخفارة في اللّيلة الثّالثة، وإذا كلّ كلمة نطقوا بها صادقة: فكما قالا في الزّمن المحدّد والشّكل المذكور، ظهر الطّيف. وأنا أعرف أباك، ليس بين هاتين اليدين من شبه أشدّ ممّا بين الطّيف وأبيك.