الملحق الثقافي

مستودع المدينة

مدخل «معرض421» (من المصدر)

مدخل «معرض421» (من المصدر)

إيمان محمد

يدل اسم «معرض421» بالإنجليزية على المستودع (Warehouse)، وهي الدلالة الأقرب لهذا المركز المجتمعي النشيط في أحد مستودعات ميناء زايد في أبوظبي، فقبل عام واحد فقط، كان مجرد مستودع مهجور في هذه المنطقة، وسرعان ما تحول إلى موقع حيوي للفن، يجذب إليه جمهوراً متنوعاً للاستمتاع بمعرض فني أو المشاركة في نقاش فكري أو مشاهدة فيلم غير تجاري، رغم غرابة موقعه، حيث تحيط به أسواق تقليدية للخضار والفاكهة والسمك والسجاد والمواد التقليدية والنباتات، وليس ببعيد عنه يقع المسلخ والسوبر ماركت الأكبر في المدينة وجمعية الصيادين وبعض المطاعم التقليدية، كأنه بذلك مستودع كبير للمدينة ينبض بجوهرها الحقيقي الجدير بالتأمل وسط المحيط الاستهلاكي.
في 19 نوفمبر الماضي أكمل «معرض421» عاماً كاملاً منذ أن افتتحته مؤسسة الشيخة سلامة بنت حمدان آل نهيان، مشكلاً بذلك امتداداً إضافياً لمدينة اعتادت أن تكون نابضة بالفن والثقافة، إذ احتضن المعرض أعمالاً فنية تعكس المخفي من المدينة والبشر، وفق أساليب فنية متنوعة وباستخدام خامات ووسائط متعددة، عكست شمولية الرؤية التي قام عليها المعرض، خاصة أن العديد من القضايا المطروحة للمناقشة تحفر في الحداثة وتتجاوز الجمود المعروف عن المحاضرات التقليدية، حتى برنامج عروض الأفلام الذي طرح على نحو أكثر كثافة، في الموسم الحالي، ظهر طموحاً ومؤسساً لتقديم منصة لعرض الأفلام العربية غير التجارية والتي لا يتسنى مشاهدتها إلا في المهرجانات، في دلالة على جدية المنهج الفني والثقافي للمعرض.

استثمار البشر
عن فكرة تحويل مكان غير مألوف إلى موقع فني، قالت خلود العطيات مدير الفنون والثقافة والتراث في المؤسسة لـ«الاتحاد الثقافي»: «إن منطقة ميناء زايد عزيزة على قلوب أهل أبوظبي لأنهم يزورونها بشكل دائم، وهي منطقة مفعمة بالحياة، ويمكن رؤية السفن التجارية التي تدخل وتخرج من الميناء إلى جانب السفن السياحية التي أصبحت تنشط الآن، إنها منطقة مهمة تفتح أبواب أبوظبي للعالم. وفي الفترة التي كان يحدث فيها تحويل النشاطات الصناعية من ميناء زايد إلى ميناء خليفة الجديد، وجدنا أن هناك مساحات مفتوحة ومتاحة لنا لاستخدامها لأغراض أخرى، فاستضافة هذه المنطقة لنشاطات فنية وإبداعية بأشكالها المختلفة يمكن القول أنها تضخ روحاً جديدة لمنطقة الميناء، وتضيف إليها نشاطات مختلفة لم يكن الناس معتادينها. كما أن المؤسسة تستثمر من خلال المعرض العنصر البشري ضمن جهودها لتطوير ودعم المبادرات الاستراتيجية في مجال الفنون والثقافة والتراث».
وترى العطيات أن هذا النوع من المراكز الفنية ليس بغريب على الساحة الفنية، فقد جرى تحويل مساحات تجارية أو صناعية لتخدم أغراضاً فنية أو مجتمعية مثل «مقاطعة ون وود الإبداعية» في ميامي بأميركا، والسركال أفينيو في دبي التي تضم مجموعات معارض تشكيلية.
وعن استجابة الجمهور قالت إنها فاقت التوقعات «حضر أسبوع افتتاح المعرض حوالي 10 آلاف شخص، فيما وصل إجمالي الذين ترددوا عليه منذ ذلك الوقت 21.500 زائر، ونظمنا فيه 9 معارض فنية شارك فيها 157 فناناً، ونوقشت فيه 7 مواضيع في جلسات مفتوحة، وعرضت فيه 8 أفلام، إلى جانب 16 ورشة عمل، وعرضي أداء».

لئلا ننسى
تشكل سلسلة معارض «لئلا ننسى» بصمة خاصة بالمعرض، إذ تختص بتوثيق وإحياء الذاكرة الجمعية لمجتمع الإمارات بمشاركة التذكارات من أفراده، وفي نسخة من المعرض يظهر الجانب الشخصي والخصوصي للإماراتيين المشاركين، وعن فكرة المعرض تقول العطيات: «إنه بدأ من درس تعليمي في جامعة زايد عن الأرشفة وأهميتها، فكانت المعلمة تطلب من الطالبات إحضار صور من ألبومات العائلة ليناقشوا أهمية الصور وطريقة أرشفتها، فلاحظت المدرسة حماسة الطالبات وإقبالهن على الفكرة ليشاركن صورهن الخاصة والحديث عنها مع الزميلات، فرأت تنظيم معرض في الجامعة تضمن صوراً عائلية وبعض الأعمال الفنية المستوحاة منها، وتبنت مؤسسة الشيخة سلامة بنت حمدان آل نهيان فكرة المعرض وتوسعت به ليطرح محوراً جديداً في كل مرة، فالمعرض الأخير كان عن «ألبومات عائلات إماراتية من 1950 إلى 1999»، وفي مطلع السنة القادمة سيقدم المعرض بحلة جديدة وليطرح محوراً جديداً عن ثقافة وتاريخ الإمارات».

الحاجة إلى الفن
من جهة أخرى، أوضحت أنجيلا مجالي المدير التنفيذي لمؤسسة الشيخة سلامة بنت حمدان آل نهيان، أن السنوات الخمس الأولى من عمر المؤسسة ركزت على بناء القدرات الإنسانية بشكل واسع في مجالات الثقافة والفنون، وقالت: «مع استحداث منحة الشيخة سلامة بنت حمدان للفنانين الناشئين، تبين لنا من خلال العمل مع الفنانين وعلاقتنا مع المجتمع وجود حاجة كبيرة إلى أماكن لممارسة الفن في أبوظبي، لذلك قدمنا برنامجاً أعمق للاستثمار في البشر وخلق روابط بين الفنانين والمجتمع وتشجيعهم على ممارسة الإبداع في المكان، وإقامة معارض غير تجارية واستخدام مساحة الاستوديو وورش العمل».
استفاد من منحة الشيخة سلامة بنت حمدان للفنانين الناشئين حتى الآن 41 فناناً إماراتياً ومقيماً، وهي برنامج تدريبي مكثف يمتد لتسعة أشهر بالتعاون مع كلية رود آيلند للتصميم في أمريكا، يعمل على تطوير القدرات الإبداعية والابتكارية للفنانين في الاستوديو، وتعتبر مجالي «المنحة أساس البرنامج الفني للمؤسسة خاصة مع وجود شريك أكاديمي يشترك معنا في نفس الرؤية والغاية، فالكلية لا تقدم الجانب الأكاديمي فقط بل وفرت لهم مساحة استوديو وربطتهم بالمجتمع، ووجدنا أن ذلك حقق لهم التميز للانطلاق بإبداعاتهم».
وتتطلع المؤسسة في المرحلة القادمة إلى أن يربط «معرض421» ما بين الفن وعالم صناعة الإبداع من خلال الحوار مع العامة عن أهمية التأثير الذي يلعبه الفن على الاقتصاد، وقالت: «يقع المعرض في الميناء وهو ذو طابع إنتاج اقتصادي عالٍ، ونريد أن نعزز ما يجمع بين الفن والإبداع مع أنشطة الناس اليومية وعلاقة ذلك بالاقتصاد، فقد ننظر إلى موضوعات عن تصميم المنتجات وما يتعلق بها».

خير استراتيجي
تقوم استراتيجية مؤسسة سلامة بنت حمدان آل نهيان، منذ إنشائها عام 2010 على مفهوم العمل الخيري الاستراتيجي، عبر اعتماد منصات المعرفة لتحقيق الأهداف وتقديم حلول جذرية للمشاكل وتغيير مسارها، وتهدف المؤسسة إلى خلق مستقبل واعد لمجتمع الإمارات في مجالات الفن والثقافة والتراث والتعليم والصحة.
وتسير المؤسسة على النهج الذي ابتكره جيل جديد من مبتكري الأعمال الخيرية، من أمثال «بيل وميليندا غيتس» (من خلال مؤسسة غيتس). ورغم أن رأس المال المستثمر ضمن هذه الاستراتيجية يعد مهدداً، إلا أن النتائج التي توصلت إليها المؤسسات المماثلة ساهمت في إحداث تغيير جذري ومستدام في العديد من المجتمعات.