الملحق الثقافي

ثقافات العالم في الإمارات

«السفينة الكبيرة» الحنين إلى بحر أبوظبي للإسباني «خافيير مسكارو»

«السفينة الكبيرة» الحنين إلى بحر أبوظبي للإسباني «خافيير مسكارو»

محمود عبد الله (أبوظبي)

جاء «فن أبوظبي» في نسخته الثامنة الذي نظمته هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة على مدار أربعة أيام «16 - 19 نوفمبر 2016»، في «منارة السعديات»، حدثاً عالمياً بكل المقاييس، سواء على مستوى استقطابه النخب من صالات العرض، أو على مستوى برنامجه الثري المتنوع وورش العمل الفكرية والجولات الفنية أو على مستوى الرؤية والاستراتيجية أو على مستوى التوزيع الهندسي والتنظيم لصالات العرض الرئيسة الثلاث، وأخيراً على مستوى طرح جملة من المبادرات المبتكرة التي تستقدم مجموعة عالمية المستوى من الأعمال الفنية والحوارات الخلاّقة، وعروض الأداء والتجارب الفريدة إلى قلب العاصمة، بما يعزز من قيمة المشهد الثقافي المزدهر في الدولة. في هذا الاستطلاع لـ «الاتحاد الثقافي»، نلقي المزيد من الأنوار الكاشفة، على محتوى «فن أبوظبي» المتميز هذا العام بطابعه الذي يجمع بين المعرض الفني والبرنامج العام الواسع الذي يجسد روح اللقاء الإبداعي.

تميز «فن أبوظبي» في نسخته الثامنة، باستقطابه النخب من صالات العرض التي بلغت 42 صالة، من 20 دولة، وكان لافتاً أنها صالات عرض مبتكرة ومرموقة من مختلف أنحاء العالم، وتناسبت أعمالها مع متطلبات مقتني الأعمال الفنية المحترفين والناشئين، إضافة إلى جودة التنظيم على مستوى التوزيع الهندسي لصالات العرض الرئيسة الثلاث، حيث تركت مساحات فراغ واسعة أمام الجمهور الذي زاد على 60 ألف متابع (مع ملاحظة طغيان الحضور النسائي على مستوى المشاهدة والتنظيم وملكية صالات العرض)، للتنقل بين أركان وأجنحة المعرض بسهولة ويسر، للتعرف إلى الجديد، والمبتكر في عالم الفنون المعاصرة، ثم تعزيز مفهوم الاقتناء النوعي من الأعمال الفنية المعروضة، إلى جانب تحقيق متعة إضافية لرواد المعرض، من خلال فتح الساحات العامة والحدائق الملحقة بالمكان، عبر قسم (آفاق) بإشراف المنسق الفني «فابريوس بوستو» لمشاهدة أجمل وأغرب المنحوتات والأعمال التركيبية الضخمة وعروض الأفلام.

ثراء الفعاليات
كما تميز «فن أبوظبي» ببرنامجه الثري المتنوع الذي قدّم عبر أقسامه الأربعة (الفن الحديث والمعاصر، بداية، آفاق، بوابة)، تنوعاً لافتاً ما بين التشكيل، والنحت، والفنون التركيبية والمفاهيمية، وفنون الشارع، والفيديو آرت، والفنون البصرية المتطورة من السينما إلى الأوبرا، وفنون الأداء الرفيع، فضلاً عن الورش الفنية التدريبية التي أقيمت تحت عنوان (ورشات عمل فن أبوظبي)، وخصصت لتشجيع الأطفال من عمر ثمانية أعوام وأقل على إبداع الأعمال الفنية المستوحاة من فن أبوظبي بأنفسهم. إلى جانب سلسلة أخرى من ورش العمل الفكرية والجولات الفنية المتنوعة لإشراك المجتمع المحلي، إلى جانب مؤسسات محلية داعمة للأنشطة الثقافية والفنية لتسليط الضوء على أحدث مبادراتها غير الربحية، عبر منصات شركاء المجتمعات وبرامجهم بالتعاون مع فن أبوظبي، ثم هذا المزيج الفكري البديع ما بين الثقافة والأدب، والحوار، والتكنولوجيا الرقمية، في إطار تتبع أعلى المعايير العالمية للمعارض الفنية في اختيار «صالات العرض» واستضافة تشكيلة من الأعمال الفنية المحلية والعربية والعالمية، تحمل توقيع مجموعة من الأيقونات الفنية والمبدعين الشباب.

رؤية شاملة
برزت الرؤية الاستراتيجية واستخدام مفهوم «القوة الناعمة» من خلال طرح رؤية شاملة، تتلاشى فيها حدود المنطقة والمواقع الجغرافية، حيث التمازج الثقافي والإنساني والحضاري، يتكيّف، ويتحقق هنا على أرض الإمارات، حيث التسامح، وثقافة السلام، وحوار الحضارات، حقيقياً، وليس مجرد شعارات تطلق في الهواء لغايات الاستهلاك، ليؤكد «فن أبوظبي» وفي كل نسخة جديدة منه، أنّه مناسبة لالتقاء مختلف الأجيال الفنية والمثقفين والمفكرين والشخصيات البارزة في عالم الثقافة والفكر، وخبراء من متحف اللوفر أبوظبي، ومتحف جوجنهايم، ومتحف زايد الوطني، وغيرها من المؤسسات الفنية العالمية، بما يعمق من خاصية المشهد الفني المزدهر في الدولة تحت مظلة الاستكشاف الفني والاكتشاف الفكري.
وقد تضافرت هذه العوامل مع طرح جملة من المبادرات المبتكرة التي تستقدم مجموعة عالمية المستوى من الأعمال الفنية والحوارات الخلاّقة، وعروض الأداء والتجارب الفريدة إلى قلب العاصمة في تعزيز قيمة المشهد الثقافي المزدهر في الدولة، وفي توفير بيئة ثقافية وفنية نشطة في أنحاء إمارة أبوظبي كافة، لترسيخ مكانتها العالمية باعتبارها وجهة سياحية وثقافية متميزة ومستدامة تثري حياة المجتمع والزوار، وذلك من خلال إبراز تراثنا الوطني الغني. كما أنه يعد، وبحسب شهادات متنوعة، من أفضل وأكثر المعارض تنامياً وتطوراً وتفاعلاً، بتوفيره فرصة مثالية للوقوف على التطور المتسارع في المشهد الفني لدولة الإمارات العربية المتحدة، وللاحتفاء بالتنوع الثقافي والابداعي للمنطقة، وترسيخ مفهوم (الهوية الوطنية) المتنامية لإمارة أبوظبي، كمنارة عالمية للاستثنائي والمختلف من الإبداعات الثقافية والفنية، الأمر الذي يسهم في تعزيز شهرته، كمنبر فريد ومتعدد الثقافات، إضافة إلى أهميته كمشروع وطني جماهيري، صاعد، متجدد، متطلع، نحو رؤية طليعية جديدة في دمج الفن في السياق العام للعاصمة أبوظبي.

أعمال إماراتية
في «هنر غاليري» ومقره دبي، لمالكته «العنود بالورشة»، ثمة ظاهرة لافتة، ترّكز على استقطاب الفنانين الإماراتيين، حيث عرض ما يزيد على 38 عملاً، لمجموعة مبدعين من مختلف الأجيال: عبد القادر الريس (كاليغرافي)، التشكيلية الدكتورة نجاة مكي (إيقاع)، عبد الرحيم سالم (ألوان)، أماليا بالجافلة (زايد عاشق الطبيعة)، سيف علي السّادة (اليد بيضاء والمعدن ذهب)، كما عرضت التشكيلية «كريمة الشوملي» عدداً من الصور، أهمها (البرقع) وقدمت زينب الهاشمي، لوحتين: «سينوغرافيا رقمية» و«سراب»، وفي مساحة ليست بعيدة عن المكان، قدّم الفنان محمد أحمد إبراهيم مجسمات طينية حظيت بنسبة مشاهدة عالية بعنوان «القطيعة»، ولم يكن أمامه أفضل من هذه الحيوانات الطينية في شكل ماشية ثابتة، ولكنها تدور في دائرة من عدم التواصل والترتيب، لكي يعبر بها عن هذا الخواء الذي يعيشه الإنسان، وهذه القطيعة في التواصل الإنساني، وكأننا مجدداً في عوالم الكاتب الأميركي، في مسرحيته «الحيوانات الزجاجية» أو «الوحوش الأسطورية» التي توجه نداء صارخاً لاحترام حقوق الإنسان، وتحقيق تواصل بين البشر، قبل أن يتحولوا إلى حيوانات أسطورية، وينظر إبراهيم الذي تتمسك أعماله بتراب وأرض خورفكان لهذا الأمر من خلال مجسمات تمثل قطيعاً من الماشية، نفذت بطريقة الفن البدائي، مستخدماً في تصنيعها مواد من الطين ومعجون الورق، الغراء، القش، الخشب، في عمل يدوي، مدهش في تكوينه وتقنيته، ومدهش أكثر في سير هذه القطيعة في دائرة لا تنتهي.
وتصدر الفنان عبد القادر الريس، المشهد بلوحته (كاليغرافي) بالألوان المائية، وبيعت في يوم الافتتاح بمبلغ 600 ألف درهم، ويبهرك الريس فيها، باشتغاله المحترف على ثنائية تمزج بين التراثي التقليدي، والحداثي المنضبط، فهنا، خلفية ذات باب خشبي، مطرّز بزخارف نباتية متنوعة، وإدخال الحروف العربية البارزة من خط الثلث، ما يحاكي البيئة الإماراتية في إظهار التكوينات المعمارية التراثية والطبيعة الشاسعة التي نقلها بتقنية عالية، قامت على تجريدية لونية، ترتبط بالحالة النفسية لفكرة العمل الفني، مفتتناً في الوقت ذاته بالتكوين الواسع، وصقل السطوح، كاتجاه ما بعد التأثيرية، القائم على كثافة وثقل وحجم اللون على سطح اللوحة، ولكن في إطار تحقيق معادلة الأصالة والمعاصرة.
وعن «فن أبوظبي»، قال الريس: «إن فن أبوظبي، هو ثروة ثقافية وفنية إنسانية وطنية، يجب المحافظة عليها، كمشروع إبداعي مستدام»، وأضاف: «الحدث بكامل زخمه وبرنامجه النوعي، فرصة مناسبة للمبدعين الإماراتيين كي يعرضوا أعمالهم لجمهور مختلف متعدد الجنسيات، وأيضاً كي ينافسوا، ويختبروا قدراتهم ومنجزهم، أمام التجارب والمدارس الفنية والتطور الهائل الذي يشهد التشكيل والفن العالمي»، معرباً عن سعادته البالغة بتميز ونجاح ركنه في المعرض وبما حظي به من اهتمام نقدي وجماهيري وإعلامي، خاصة لوحتي شبه الجدارية (كاليغرافي).
وكانت التشكيلية والنّحاتة الدكتورة نجاة مكي، في المشهد ذاته، مبدعة ومختلفة كعادتها، بجملة أعمالها خاصة (إيقاع) المرسومة بالأكرليك ومواد أخرى، وتتلمس فيها من خلال تلك الزرقاويات العميقة من الألوان أثر ثيمة البحر، في ثنائية تربط ما بين الإنسان والبحر، فأنت تراه كل يوم بألوان وتموجات مختلفة، في حركته وأمواجه وغموضه، فهذا التدرج اللوني يصور بلا شك فلسفة الحياة في إيقاعها غير المنضبط، أما الموسيقا اللونية في هذه الزرقاويات المتدرجة، فهي مشتقة من تموجات البحر، في رحلة بصرية وروحية متدفقة، بطلها البحر بتموجاته ومحاره وعمق تداخل ألوانه بين النور والعتمة.
وقالت مكّي: «نجح (فن أبوظبي) في لعب دور رائد يحاكي التطور الفني الذي تشهده إمارة أبوظبي، وذلك من خلال تقديمه برنامجاً متنوعاً يتضمن مختلف الفنون الإبداعية التعبيرية التي تعتبر بمثابة منصة عالمية نصل من خلالها إلى مختلف فئات الجمهور».
في السياق، لا نغفل إلى أن هنر غاليري، انفرد بمبادرة إنسانية، حيث خصص نسبة 30% من ريع مبيعاته في «فن أبوظبي 8» لمصلحة «صندوق أميرة» لدعم علاج مرضى السرطان الذي أنشأته قرينة صاحب السمو حاكم الشارقة، سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، تخليداً للجهود الإنسانية التي قدمتها الفقيدة «أميرة بن كرم» التي قضت مؤخراً في حادث حريق منزلها في إمارة الشارقة.

شراكة مجتمعية
=لم يتوقف الحضور الإماراتي، عند الأعمال الفنية، بل تعداه إلى العمل الفكري المؤسسي الذي تولته جملة مؤسسات عاملة في الدولة تحت عنوان (شركاء المجتمعات)، ساهمت في إثراء المشهد الفني في المعرض، مثل مؤسسة سلامة بنت حمدان آل نهيان التي أشرفت على تنظيم منتدى الفن العام والتغيير الاجتماعي، بمشاركة نخبة من كبار الفنانين الذين يعملون على الفن العام، في إطار التزامها بالمساهمة في تطوير المشهد الفني والثقافي في الدولة، عبر دعم الفنانين الناشئين والشباب، ثم المشروع الذي قدمته جامعة نيويورك أبوظبي تحت عنوان «هولوسيينس»، وهو مشروع فني جمع بين العرض المسرحي وفنون الأداء لـ «لارس يان» المدير الفني المؤسس لأوبرا الصباح الباكر، كذلك فعاليتين نوعيتين، نظمتهما كلية الفنون والصناعات الإبداعية ومدرسة كرانلي، الأولى بعنوان (العالم الجميل) «وهو معرض خط نوعي للخطاطة نرجس نور الدين»، والثانية، تقديم عرض أدائي أوبرالي لنحو 80 طالباً و4 أوبراليين محترفين، في قالب ممتع من الموسيقا والغناء بالأصوات الخمسة.

بين الصالات
لا يمكن حصر الأعمال التي قدمتها صالات العرض لجمهور فن أبوظبي، ولكنها دون شك، تدخل في خانة الآلاف، ولن نتحدث عن هذه الصالات في الإطار التقليدي، بل سنقتنص من جوّانيّاتها أبرز الأعمال، ممزوجة بتعبيرات من مالكيها، ونعبر في المستهل بوابة سلوى زيدان غاليري الذي تأسس في أبوظبي، عام 1994، ويهتم على وجه الخصوص بأعمال الفنانين الإماراتيين، وبحسب مالكته سلوى زيدان (لبنان) فإن مجموعة منحوتات الفنان جمال عبد الرحيم، من أكثر الأعمال الفنية رواجاً، ويليها بانوراما (مربعات) للتشكيلي الراحل حسن شريف و(حروفيات)، لعبد العزيز الفضيلي، و(كولاج) لفاطمة المزروعي، وهو عمل خاص عن المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بعنوان (رجل بنى أمة).
وأكدت زيدان، تميز أعمال نسخة هذا العام من المعرض، بمستوى خاص من الجودة، والتقنية المعاصرة مع إقبال جماهيري غير مسبوق.
من ناحية ثانية، كشفت اللبنانية نادين بكداش، مالكة غاليري جانين ربيز، أن ركنها يعرض نحو 28 عملاً، لستة فنانين، تعود أعمالهم لحقبتين ما بين السبعينيات إلى التسعينيات، وحديثاً من بين أعوام 2014 إلى 2016، وأوضحت أن لوحة (صفحات من الحب) للفنانة والإعلامية في صحيفة النهار لور غريب – 86 عاماً، هي من أكثر الأعمال رواجاً، وبيعت في ليلة افتتاح المعرض، لقيمة موضوعها الذي يتحدث عن العائلة والحب السامي، وأن المعركة بين القلب والعقل تنتهي دائماً بانتصار القلب، وقالت: المعرض هذا العام نوعي، وثري، ويأخذ طريقه إلى مزيد من التطور والتفاعل مع الثقافات العالمية بسرعة قياسية.
وفي غاليري بريجيتي شينك، من كولونيا الألمانية، حددت مالكته الذي يحمل الغاليري اسمها عملين مهمين على مستوى التقنية والرواج والفكر، ووجدا اهتماماً نوعياً من الجمهور والنقاد، الأول بعنوان (قندس البحر) لكورتيس أندرسون، والثاني (طفلان) لشهرام كريمي، ووصفت نسخة هذا العام بتجاوزها حدود العالمية، إلى شمولية بلا حدود، معبّرة عن ارتياحها لحجم الجمهور الذي تردد على ركنها. وفي أكوافيلا غاليري نيويورك، أكد مالكه وليام أكوافيلا، أهمية وعمق استراتيجية فن أبوظبي، في استقطاب التنوع الفني، ثم اتساع رقعته الفنية والثقافية التي تجعل الجمهور يطوف حول ثقافات الدنيا في مكان واحد، وأوضح أن لوحة الرسام جان ميشيل باسكيت، بعنوان (لا تأخذ بالثأر) قد بيعت لمحترف في شراء الأيقونات الفنية، في وقت قياسي.
ومن فلسطين، ومن رام الله تحديداً، حضر غاليري وان، ومالكته الفلسطينية سمر مرثا ومعها 10 أعمال لفنانين فلسطينيين، أهمها كما ذكرت لوحة (انتظار) لهاني زعرب، وأثنت مرثا على دعم منظمي المعرض، في تقديم الإبداع الفلسطيني المعاصر، بصورة مثالية. ووصف بول ستوبر (لندن) الذي يحمل الغاليري اسمه، المعرض بـ «العظيم النوعي في تنظيمه وزخمه الإعلامي، وتقديره الشديد للفنانين وأصحاب صالات العرض، بما يشكل أرضية خصبة لحوار التجارب الفني».
وفي غاليريا كوينتنوا (إيطاليا) الذي يملكه ثلاثة من محترفي الفن: ماريو كريستياني، لورنزو بياتشي، موريزيو، ريجيلتو، لا تملك إلا أن تتوقف، وتنظر ملياً إلى جداريات وأعمال صيغت بعناية، خاصة ذلك العمل الاستثنائي والغريب في عنوانه (2 سبتمبر 2006) للفنان الصيني قو ديشين، فيما أوضحت شيماء المرزوقي التي تعمل في مجال التكنولوجيا والاتصالات، وتدير المكان، أن فن أبوظبي يجعلك ترى العالم في قلب العاصمة أبوظبي، وأكدت أن أعمال الغاليري ظلت محل اهتمام جماهيري كبير، حتى اليوم الأخير. ولم نجد ترحاباً أكثر من الذي وجدنا من جانب الفنانة جوزفين ميس (إيرلندا) المشرفة على أعمال غاليري الخط الثالث (دبي) الذي عرض 31 عملاً، لفنانين من فلسطين والكويت، لبنان، النرويج، وغيرهم، وقالت: أهم ما لفت انتباهي هو رؤيتي لسعادة الناس وهم يستمتعون ويبحثون في محتوى الأعمال الفنية، وأكدت أن أبوظبي تنفرد بخصوصية لا تجدها في ساحات ومدن الثقافة في العالم لخصوصيتها في تحقيق عنصر (الحميمية)، ما بين الفن والمتلقي التي تتحقق في جنبات المكان.
وفي ختام الجولة، توقفنا عند بوابة غاليري صفير زملر (هامبورج)، لمالكته الدكتورة أندريه صفير التي أوضحت أن أفضل عمل تصويري حقق رواجاً، حمل عنوان (شلالات شاف هاوزن) للمصور الياباني هيرويوتي مازوياما، وأثنت على فكرة إشغال ساحات المعرض بالنشاطات تحت نمط (العروض المنسقة).

أيقونات عالمية
حينما نتحدث عن الفن العالمي في المعرض، لا بد من التركيز على ظاهرة مهمة، وهي ارتباط بعض الأعمال، بالهوية العربية عموماً، والإماراتية خصوصاً، ونقصد بذلك العمل النحتي الضخم «السفينة الكبيرة» الحنين لبحر أبوظبي، و27 مركباً منحوتة من الحديد الصدئ والبرونز المتأكسد، عرضها الإسباني «خافيير مسكارو» للتعبير عن عشقه وحنينه لبحر أبوظبي، وقواربه القديمة. وترصد هذه المنحوتة الذي جذبت إليها جمهوراً عريضاً العلاقة التقليدية الوثيقة بين العاصمة الإماراتية والبحر كمدينة ساحلية، وتابع جمهور فن أبوظبي تلك العلاقة بأبعاد بصرية ونصّية مختلفة تستحضر البحر والتجارة والتاريخ، واقتران اسم العاصمة الإماراتية في الأذهان بكل ذلك. ثم يأتي ذلك العمل النحتي العبقري بعنوان التلاعب بالصور «كعمل فني مبتكر للفنان البريطاني توني كراغ – مواليد 1949»، صاغها بطريقة يدوية أخاذة، حيث يرى أن العمل باليد أفضل أداة للقيام بالأعمال الطليعية، من مادة البرونز المصقول بألوان تتماهى مع الأسود، مع تطريزها بنقوش وزخارف حفرية، أما التشكيل النحتي فيشير إلى تشويه الصور الإنسانية وتحويلها إلى كائن غريب لديه مجسات استشعار، أما النقش البارز في المنحوتة فيمثل، أرقاماً ورموزاً تغطّي (البشرة)، ويعتبر هذا النوع من النقش أمراً غامضاً، لما يمثله من تحول حيوي في نظام الحياة، وكان هناك الكثير من الأعمال البارزة والمهمة مثل: 8 زوايا حادة، للفرنسي برنار فينييه، والنص المعقد للصيني، وانغ دونغلينغ، ومساحات الجاذبية.

برامج وفنون متنوعة
في الواقع، يصعب حصر البرامج والمشاريع والمبادرات والأنشطة والفعاليات التي تبناها فن أبوظبي، من خلال استطلاع، ولكن يمكن الانتقاء، لتسليط الضوء، على الأهم، مثل: معرض (نبضات جديدة) بإشراف المنسق الفني لقسم آفاق فابريس بوستو الذي تجاوز برنامجه أمكنة المنطقة الثقافية بمنارة السعديات إلى فضاءات العاصمة أبوظبي، وتم استكماله باثنين من العروض المباشرة التي تحيي طريقة الأجداد في ممارسة فن الخط: حيث اجتمع على منصة المعرض الفنانان: وانغ دونغلينغ، ونجا مهداوي اللذان يمثلان عوالم وتقنيات مختلفة، ما خلق حواراً مؤثراً وفريداً من نوعه، وفي الجانب الثاني، خصص (نبضات جديدة) مساحة للفنانين الشباب الواعدين، وبعض المحترفين في عروض فنية، ناقشت أفكاراً ومواضيع، طرقتها أعمالهم، ومن هؤلاء: فايق أحمد، جيل باربير، منى حاطوم، سيدو كيتا، زينب الهاشمي.

دروب الطوايا.. الأداء الرفيع
من ضمن اللافت أيضاً برنامج (دروب الطوايا)، وهو متخصص في عرض فنون الأداء، والفنون البصرية المتطورة، فقدم نحو 13 نشاطاً، حققت المعرفة والمتعة والفائدة. ولعل أبرزها في تقديرنا، عرض موسيقي حرّ، بعنوان (رائد ياسين وفرقة شباب فن الليوه)، في أداء خلاّب للموسيقا التراثية، للثنائي التجريبي الموسيقي، رائد ياسين وبائد كونكا، على كورنيش أبوظبي، حيث رحلة موسيقية تلعب على وتر التوافقات ما بين مؤثرات تشبه التأمل الصوفي التي تحدثها بنية موسيقا الموالد، والموسيقى الشعبية، وبين التنوع الصوتي لأشكال موسيقية شعبية أخرى تتضمن الجاز الحر، والرّوك آند رول، بالإضافة إلى تقنيات الكاريوكي، ومؤثرات صوتية مستقاة من بعض الأفلام العربية الشهيرة. كما تم تقديم عرض أوبرالي، في إطار موسيقي من النسخة الحيّة من افتتاح أوبرا (النهاية على الشاطئ) لليابانية ونجمة البوب العالمية هاتسوني ميكو، بالتعاون مع الموسيقي كيشيرو شيبويا، وتعتبر أول أوبرا من نوعها في العالم، لاعتمادها على الأصوات المركبة تكنولوجياً. أهم ما ميّز هذه الأوبرا، هو أنها ليست بشرية، إنها شخصية افتراضية تتحرك بتقنية الأبعاد الثلاثة، وقام برنامج دروب الطوايا، بتكليف كيشيرو سيوبا، بأن يقدّم نسخة جديدة من الأوبرا، مصممة خصيصاً للشاطئ، في مدينة أبوظبي. هذا إلى جانب ما قدمته مخرجة العروض الفنية آنا رسبولي من عرض تفاعلي متطور، على متن قارب على الواجهة البحرية لأبوظبي، بعنوان (خمسة محاولات للحديث مع الكائن الفضائي)، إضافة إلى عرض أدائي لـ (غبري وفانك راديوس) وهي فرقة موسيقية معاصرة تتخذ من الإمارات مقراً لها.

فن الشارع
على النطاق الجماهيري، قدم فن أبوظبي، برنامجاً استثنائياً لبرنامج فن الشارع، بمشاركة المنسق الفني فابريس بوستو في قلب إمارة أبوظبي، وطرح بعداً جديداً لـ «فن الشارع» عبر ابتكار قطع فنية رائعة بهيكلية معمارية من حاويات الشحن، وتم نشرها في جميع أرجاء المدينة، شارك في الأداء كل من: الفنانين اللندنيين المقيمين في دبي (سيا، وبو) واللذين يشكل فن الجرافيتي، وفن الشارع نمط حياتهما المفضل، كذلك الفنان الإسباني جونزالو بوروندو الذي سعى لبث الحيوية في الشخصيات الكئيبة في لوحاته، معتمداً على الفحم، والألوان الزيتية والصباغ، ومواد أخرى، بالتوازي مع اختبار طرق جديدة للتعبير، تتمحور حول مفهومه الخاص الذي يؤكد خلاله بأن «فن الشارع» هو المعرض الأمثل للأعمال الفنية النوعية، كذلك ما استحضرته أعمال الفنانة الهندية أنبو فاركي إحدى أهم مبدعات فن الشارع عالمياً، من ابتكارات الفن الغربي الكلاسيكي، وتناولت طيفاً واسعاً من المواضيع بدءاً من الرسم الواقعي للأشخاص (بورتريه) وصولاً إلى المناظر الطبيعية التي كشفت عن الحالة الذهنية والعاطفية في الدواخل البشرية. من جانبه، طوّر الفنان الأميركي كليون بيترسون رموزاً جمالية في جوهر التصميم الجرافيكي، وأسلوباً يستمد إلهامه من الأواني والفخاريات اليونانية والرومانية القديمة، وصوَّر عمله الذي حظي بعناية جماهيرية واسعة، حالة العنف السائدة في العالم (العولمي) نتيجة التخلي عن المعايير والقيم الأخلاقية، في سبيل تحقيق المصالح الشخصية. من عروض السينما العشرين، اخترنا فيلماً هندياً بعنوان (سفينة ثيسيوس) حاز نسبة مشاهدة استثنائية، في حديقة جانبية للمعرض مخصصة لعروض سينما الهواء الطلق، الفيلم كتبه وأخرجه أناند غاندي من تجسيد كل من: عايدة الكاشف، نيراج كابي، سولوم شاهد، وركز سيناريو الفيلم على مسألة اكتشاف الهوية والعدالة والجمال الداخلي، وموضوعة الموت، وكان الفيلم قد قدّم العام 2012 في منافسات مهرجان تورنتو الدولي السينمائي، وحظي بنجاح جماهيري مبهر، وشهادات نقدية أكدت التزامه تقاليد ومواصفات السينما العالمية.

اكتشف جزيرتك
رافد ثقافي جديد، أضافته النسخة الثامنة لفن أبوظبي، بعنوان «اكتشف جزيرتك»، وساهم الركن المتسع المخصص لهذا الرافد، في تعزيز مفهوم (الثقافة السياحية) لإمارة أبوظبي، عاصمة التقدم والحداثة تحت مظلة معادلة الأصالة والمعاصرة. وعرض الركن مجموعة كبيرة من المجلدات والكتب والنشرات والمجلات والدراسات والبحوث، وعروض الفيديو الوثائقي، التي تروّج للعاصمة، وتعرّف بجزيرة السعديات، جغرافياً، وثقافياً، وما وصلت إليه اليوم من تطور، في إطار مشروع يعرّف الجمهور بالمكان الذي يحتضن الفعاليات.