الاقتصادي

الابتكار الآمن في الصيرفة الإسلامية

الابتكار يعني التجدد والقدرة على المواكبة والمنافسة والبقاء في الأسواق بكفاءة وتفوق. والابتكار في القطاع المالي بما فيه المصارف الإسلامية، يعني أن المصرف قادر على مواكبة متطلبات العملاء والتنوع الذي يطرأ على هذه الطلبات، بحيث يتمكن من الحفاظ على قاعدة عملائه وتوسيعها بالتدريج. ويعني أيضاً أن المصارف الإسلامية مطالبة بالقيام بدورها في تقديم قيمة إضافية للاقتصاد بشكل عام، لأن أهم ميزاتها أنها شريك فاعل في عمليات التجارة والاستثمار والإنتاج، ولا تهدف لتعظيم الربح والثروة من توليد المال من المال فقط، فالمال بحد ذاته عقيم، إلا إذا ارتبط بالجهد وبإنتاج سلع ومواد وخدمات ملموسة، بحيث يكون القطاع المالي في هذه الحال انعكاساً لمجمل ما ينتجه النشاط الاقتصادي، وليس معزولاً عنه.
والقاعدة العلمية التي يجب أن تشكل أساس الابتكار، هي أن المطلوب ليس مجرد استحداث منتجات وخدمات مغايرة عن تلك التي تقدمها المصارف التقليدية، بل يجب أن تجمع المنتجات الجديدة بين الكفاءة في تحقيق المقاصد وبين التزامها بقواعد السلامة الشرعية.
بيد أن اتخاذ مسار آمن للابتكار في المصرفية الإسلامية يحتاج لتوفير عدة عوامل:
أولاً: إنشاء وحدات للهندسة والتخطيط المالي، تجمع بين مختصين بالفقه وتاريخ العمل الاقتصادي الإسلامي، فمهمة الهيئات الشرعية في المصارف يجب أن تتجاوز خانة التحليل والتحريم، وأن تمتد لتشمل أيضاً قيادة وتحفيز عملية الابتكار.
ثانياً: أن تضم الهيئات الشرعية في المصارف مختصين بالقانون لوضع الإطار القانوني للمنتج وضمان عدالته، بالإضافة إلى مختصين بعلم الاقتصاد التنموي. وعندما نقول علم الاقتصاد التنموي فنحن حتماً لا نقصد علماء اقتصاد السوق الحر الذين يضعون مصلحة المؤسسة قبل مصلحة المجتمع، بل نحتاج لمن يحاكي تأثير المنتج على الواقع الاجتماعي بما فيه رفاهية الناس وأمنهم المالي.
ثالثاً: من مهمة هذه الهيئات المشتركة أن تضع استراتيجيات شاملة لمقاصد العمل في القطاع المصرفي الإسلامي، فتحديد الاستراتيجيات عبر تحويل المقاصد إلى برامج ومخططات، يسرّع من عملية الابتكار الآمن، ويمنع التخبط بين الخطأ والصواب في تطبيق المنتج، ويختصر الكثير من الوقت الضروري لتعزيز تنافسية المصرفية الإسلامية.
رابعاً: نحتاج إلى دحض المقولات التقليدية التي تعتبر أن الاحتكام للشريعة ومعاييرها يحد من الابتكار، فالشريعة الإسلامية ترفض الممنوع، ولكنها لا ترفض الإبداع، بل إن الدعوة للإبداع في العمل الصالح واضحة وبينّة في الكثير من النصوص التشريعية والفقهية.
خامساً: تطوير مناهج الصيرفة الإسلامية في الجامعات والمعاهد، لتجمع بين العلوم المالية وبقية العلوم الأخرى ذات الصلة بالاقتصاد ومخرجاته.
إن جوهر الصناعة المالية هو الابتكار والتجدد، وعلى هذا الابتكار أن يأخذ بعين الاعتبار توجهات السوق والسياسات العامة للدولة. نحن اليوم في مرحلة بناء اقتصادي وطني يتسم بالتنوع في مصادر الدخل، وتوزيع الاستثمارات على كل القطاعات التي تشكل عصب الحياة الاقتصادية بشكل متوازن، والتركيز على الإنتاج والصناعة والتجارة، ووضع كل ذلك في عربة واحدة، وهي عربة التنمية المستدامة التي يقودها القطاع المالي عبر توجيه المال نحو الاستثمار المسؤول بحكمة وذكاء.
إن هذه المرحلة الانتقالية للاقتصاد الإماراتي، غنية بالفرص والاحتمالات، ومنفتحة على الابتكار والتجديد في المنتجات المالية، وفي مقدمتها أدوات تمويل التنمية، فمن يبدع أكثر من غيره في ابتكار أدوات آمنة ومستدامة في أثرها الإيجابي، يتأهل لحجز مكانة مؤثرة في مستقبل اقتصادنا. أما من يكتفي بما لديه من أدوات فسيصبح من الماضي، لأن منطق التطور الطبيعي يقول: إن ما يصلح لليوم ليس بالضرورة صالحاً للغد، فلكل مرحلة من التاريخ سماتها ومتطلباتها الخاصة.

* الرئيس التنفيذي لنور بنك