الإمارات

مشبِهِكْ

أذكـركْ في نفسي مِنْ أعوامْ وأعوامْ ***** يـالـيتْ تـذكـرني فْ نـفـسكْ دقـيقهْ


بـي شـوقْ مـنكْ يـزلزلْ الـرُّوحْ هدَّامْ ***** حـتَّـي الـجـبَلْ مِـنْ شـدِّتهْ مـايطيقَه


وأنـا بـشَرْ عـندي أحـاسيسْ وأحلامْ ***** لـوُ بـي عـزومْ تـرىَ الـمشاعرْ رقيقَهْ


وهـــذا الــذي إنـتـهْ تـسـوِّيهْ إجــرامْ ***** لـوُ كـانْ مـنْ والـي يـشوفْ الـحقيقَهْ


لــمـنْ أنـــا بـشـكيهْ ظـلـمكْ والآلامْ ***** وقـاضي الهوىَ مِنْ هيبتك جَفْ ريقَهْ


يـاهـيـهْ نـشـبهْ ضــاعْ حـقِّـي ولارامْ ***** حـــدٍّ يـسـاعـدني ومــامـنْ طـريـقَهْ


يـاكَـنْ مـافـي الـشَّامْ يـاغيرْ غـشَّامْ ***** وإنـتِـهْ لـقـلبي رغــمْ غــدركْ رفـيقهْ


بـسألكْ عَنْ شيٍّ مهمٍّ في الإسلامْ ***** بــدايـتـهْ ويــــاَّ الـعـصـورْ الـسِّـحـيقهْ


يـجـري بــلا رجـلـينْ إِنْ كـنـتْ فـهَّامْ ***** مـاشَـيْ يـقـدَرْ عَــنْ مـسيرهْ يـعيقهْ


يشبهكْ في وصفكْ ولهْ عينْ وأنسامْ ***** ولــوُ هــوُ رقـيـقْ إذا فـتَـنْ مـانـطيقَهْ


الجمال مغزولٌ على بحريْن: اللَّهفة والتمنّي
قراءة - علي العبدان

تأتي القصيدة الجديدة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، تأكيداً لإبداعٍ شعريٍّ مستمر، فهذا الإبداعُ - وإن كان موضوع قصيدته مطروقاً من قبل كالغزل - إلا أنه لا يترك القارئ أو المستمعَ بلا آثارٍ من قِيَمٍ جمالية فكرية ومعنوية بديعة تدعمها قِيَمٌ جمالية متجددة من جميل رنين وزن الشعر وجرس ألفاظه، وفِي قصيدة سموه الجديدة (مشبهك)عملٌ فنيٌّ راقٍ، حقق الوحدة الجمالية المنشودة في كل عملٍ إبداعي.
أولاً: من حيث البنية العَروضية أتت هذه القصيدة من وزن: (مستفعلن مستفعلن فاعلاتان.. مستفعلن مستفعلن فاعلاتن)
نلاحظ هنا أن كل شطرٍ يحوي تفعيلتين رجزيّتين ثم تفعيلة رَمَليّة، وحسبَ تعاقب المتحركات والسواكن في هذا الوزن نجد أن وزنَ كل شطر يتسارع في البداية لوجود سببين قبل الوتد في كل تفعيلةٍ رَجَزية، ثم يتباطأ شيئاً ما مع التفعيلة الأخيرة الرمَلية لمجيء الوتد بين السببين، ولكن ماذا نستفيد من هذا الكلام العَروضي؟ إن هذا التنظيم العَروضي هو المُكوّن الأساسي للرنين الخاص بموضوع القصيدة، فلكل وزنٍ رنينه، وكل رنينٍ في الشعر يؤدي وظيفته إذا خدم غرضَ الشاعر، ونرى إبداعَ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد هنا في استخدامه هذا الوزن الذي ينطلق في البداية بتسارع نظراً للهفة الشاعر وذاكرته التي تؤرّقه، ثم يتباطأ الوزنُ ومِن ثَمّ الرنينُ بسبب التمنّي الوارد على ما لم يتحقق بعد، لكي يلفت الانتباه إلى الشكوى، وهذا أوضحُ ما يكون في مطلع القصيدة، فاستمِعْ إليه وقارِنْ:
أذكرك في نفسي من أعوام وأعوام
ياليت تذكرني في نفسك دقيقه

الأمر الآخر الملاحظ في بنية هذه القصيدة أنها جاءت «مضمومة»، وهذا المصطلح في الشعر النبطي يدل على التزام قافيتين، قافية للشطر الأول، وقافية للشطر الثاني، ومن إبداع الشاعر الرائع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أنه جعل القافية الأولى ميماً ساكنة، في حين جعل القافية الثانية القاف تليها هاءٌ لطيفة، وإنما قلتُ إن سموه أبدعَ في هاتين القافيتين لأنهما تُعينانِ على الغرض سابق الذكر، ألا وهو الترسّل في ذكر أحد المعاني في الشطر الأول من كل بيت، وهذا تناسبه الميمُ الساكنة الواردة بعد حرفِ مَدٍّ كالألف، ثم الاعتدال والتروّي في وزن الشطر الثاني من أجل ذكر معنىً مقابلٍ للمعنى الأول، قد يكون نقيضاً له، وهذا تناسبه تلك القاف مع الهاء الساكنة، وانظر مصداقَ هذا في قول سموه على سبيل المثال:
وأنا بشر عندي أحاسيس وأحلامْ
لو بي عزوم ترى المشاعر رقيقهْ
وهذا الذي انته تسوّيه إجرامْ
لو كان من والي يشوف الحقيقهْ

هذا، ولا يفوتني التنبيه إلى أن كلتا القافيتين قد جاءتا على تفعيلةٍ رَمَلية، إلا أن الأولى مَزيدةٌ بحرفٍ ساكن، وهذا يعطيها الترسّل والمد الذي ذكرناه، والثانية أتت على أصلها لتحقق غرضَ التروّي كما ذكرنا، فهذا باختصار ما يتعلقُ ببنية القصيدة من حيث الوزن، وما فيه من قِيَمٍ جَمالية.
أما فيما يتعلق بجماليات الألفاظ والبلاغة فأولُ ما يلفت الانتباهَ هو جمالية التقابل، وهي وحدةٌ جماليةٌ عميقةٌ في الفنون، يأتي جوهرُها من التقابل الذي بُنيَ عليه الكون، فهناك النور والظلام، الوجود والعدم، الليل والنهار، الخير والشر، الحق والباطل، الوصل والهجر، وغير ذلك مما يوظفُ مفهومه في الأعمال الفنية والأدبية العظيمة، ولذا نجد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يوظف هذا المفهوم في صوره الشعرية ليُضفيَ عليها تلويناً رشيقاً من تلك الوحدة الكونية، فتصطبغ قصيدته بتلك الشمولية في المعاني اصطباغاً فنياً غَيْرَ مباشر، وذلك ظاهرٌ من المقابلة بين «أعوام» و«دقيقه» في البيت الأول، وبين «عزوم» و«المشاعر رقيقه» في البيت الثالث، وبين «رقيق» و«ما نطيقه» في البيت الأخير. كما أن هناك نوعاً من المقابلة مَخفِيّاً بدقة، كما في البيت الخامس حيث غُلّبت هيبة المَعشوق على هيبة القاضي.
ومن جماليات هذه القصيدة البديعة ما جاء في البيت الرابع حيث يقول سموه:
وهذا الذي انته تسوّيه إجرامْ
لو كان من والي يشوف الحقيقهْ

فلم يقل: «يسمع»، وإنما قال: «يشوف»، مع أن الوالي القاضي يسمع الوقائع في العادة، إلا أن «الحقيقة» تحتاج إلى نظر، فناسبَ أنْ يقول: يشوف، ومن جمالياتها أيضاً الجناس الناقص بين «الشام» و«غشّام»، فهو من لذيذ جرس الألفاظ في هذه القصيدة، وتأتي لحظة تنبيه المَعشوق إلى شبيهه، تلك اللحظة التي يُرادُ منها شحنُ دواخل نفس المعشوق بمقدار منزلته، بما يدفعه إلى التفكر في حالِ الشاعر، وذلك التنبيه يأتي في صورة السؤال الذي يبدأ بقول الشاعر:
بسألك عن شيٍّ مهمٍّ في الإسلامْ
بدايته ويّا العصور السحيقهْ

ويأتي تصوير المسؤول عنه في براعةٍ إلغازيّة تُثيرُ مُخيّلة المعشوق إلى أبعدِ مَدَى:
يجري بلا رجلين إِنْ كنت فهّامْ
ما شي يقدر عن مسيره يعيقهْ
يشبهك في وصفك وله عين وأنسامْ
ولو هو رقيق إذا فتن ما نطيقهْ

وبهذه الخاتمة البديعة يترك الشاعر معشوقه في حَيْرةٍ من هذا اللغز الذي يصفه بشبيهِه وهو لا يدركُ بعدُ ما ذاك الشبيه، إلا ما يجمعهما من صفةٍ عزيزة، فَلَو هو «رقيق، إذا فتن ما نطيقه»، وبهذا يعيشُ المعشوق حالة الشاعر ذاتها المليئة بالتذكر والتفكر والأشجان الجميلة التي رُصِّعَتْ بها هذه القصيدةُ العبقريّة.