الإمارات

علماء الدين: يوم الشهيد يجسد قيم التلاحم والتضامن في مجتمع الإمارات

في إطار «حملة #الإمارات_بكم_تفخر»، التي أطلقها مكتب شؤون أسر الشهداء في ديوان ولي عهد أبوظبي، وتعبيراً عن مشاعر الفخر والاعتزاز بما قدمه شهداء الإمارات من تضحيات في سبيل الدفاع عن الوطن والحفاظ على رفعته ومكتسباته في الميادين كافة، ورفع رايته خفاقة في ميادين الواجب الوطني، تبدأ «الاتحاد» من اليوم نشر أوجه تفاعل المجتمع الإماراتي بمختلف شرائحه مع هذه الحملة، وترصد مظاهر احتفاء المواطنين والمقيمين بيوم الشهيد، الذي يصادف 30 نوفمبر من كل عام، تجسيداً لقيم التلاحم والتضامن التي تسود مجتمع الإمارات.

إبراهيم سليم (أبوظبي)

أجمع علماء الدين أن الشهادة في سبيل الله والوطن عنوان الولاء والانتماء، والوطن من المقدسات لدى كل إنسان، فعليه أن يدافع عنه بكل ما أوتي من قوة ومن جهد حتى لو كلفه ذلك حياته، وهذا ما جسده أبطال القوات المسلحة البواسل في دولة الإمارات العربية المتحدة، في مواطن كثيرة، داخلياً وخارجياً امتثالاً لأمر الله ورسوله وطاعة لولاة الأمر في الدفاع عن الوطن، والذود عن حماه والعمل على إعلاء شأنه ورفع رايته.

وأجمعوا على أن الواجب الوطني يفرض علينا أن نقف إلى جانب جنودنا البواسل، وهم يقاتلون نيابة عنا دفاعاً عن الوطن ونصرة للمظلومين وإحقاقاً للحق، وندعو لهم بالنصر والتأييد، ولو دعينا لكنا معهم لننال شرف ما ينالون من ثواب ومجد وتخليد، وليعلم العدو أن وراءهم شعباً يقف إلى جانبهم، فدماء الشهداء الأبرار خير دافع على المضي إلى الحق، وهم نور يضيء دروب أهل الحق نحو النصر وإرساء العدل وإعادة الحقوق إلى أصحابها.

من جانبه، أكد الدكتور فاروق حمادة المستشار الديني بديوان ولي العهد أنه لا بد للأوطان العظيمة من رجال عظماء يحمون حدودها ويصونون منجزاتها وينشرون الأمن والسكينة في ربوعها لتسير قدماً إلى التألق والازدهار.

وقال إن قيادتنا الرشيدة ببعد نظرها وواسع حكمتها صنعت طائفة من الرجال والنساء المخلصين الذين نذروا أنفسهم ليكونوا الدرع الواقية والسياج المنيع لهذا الوطن أمام كل طامع وحاقد، إنهم جنودنا الأوفياء الذين يلبون نداء القيادة في كل مناسبة تدعوهم إليها فيهبون سريعاً، لقد علمهم القائد الأغرّ صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، أن عظمة الأوطان هي بإرادة الرجال وليست بكثرة الأعداد فكانوا عند رؤية القائد وظنه بهم فصاروا عزّاً للوطن وأهله يستمدون قوتهم من يقينهم بالله، وأن حماية هذا الوطن فرض لازم وليس سنة واختياراً، كما قال القائد الأغرّ، وكما كان هذا الفرض على الدوام من لبّ قيمهم، فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ما له فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد».

وإذا كان جنودنا الأوفياء هم عزّ هذا الوطن، فإنهم كذلك فخر لكل من ينتمي إلى هذا الوطن ويعيش في ربوعه لأنهم جعلوه آمناً مطمئناً وادعاً مستقراً في زمن الرعب والاضطراب، والتقلب والإرهاب، وأن عزائمهم الصلبة وإرادتهم الشامخة تراها في ثنايا المجتمع وفجاج الوطن وأنت تسير فيه، بل هو الذي يسير بك كل يوم في سلم المعالي درجات ودرجات، فتدرك بالبداهة أن وراء هذا المعالي قيادة حكيمة صارمة وعزائم جنودنا الأبطال التي سوّرت جنباته لينعم بالجمال وطيب الآمال.

شهداء أصفياء

وأوضح فضيلته أن هؤلاء الجنود الأوفياء يختار منهم رب العزة بين الفينة والفينة شهداء أصفياء ليرتفعوا إلى مقام العظمة، ويرتفع بهم الوطن (وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء)، إنهم العظماء لأنهم جاءوا بأعظم ما يملكون أرواحهم، فهم عظماء عند الله وعند الناس «يجود بالنفس إذ ضن البخيل بها»، والجود بالنفس أقصى غاية الجود» ولعظمتهم عند الله يعطيهم مقاماً ليس لغيرهم فهم أحياء عند ربهم يرزقون، وكما قال تعالى: (والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم)، وأول أجرهم دخول الجنة ولا أحد يحب الرجوع إلى الدنيا بعد دخول الجنة إلا الشهيد، فإنه يتمنى أن يرجع فيقتل عشر مرات لما يرى من كرامة الشهداء عند الله، كما جاء ذلك في الصحيحين.

وأكد الدكتور حمادة أن الشهداء عظماء عند الناس؛ لأنهم أرادوا أن يكون الوطن عظيماً مهيباً، والأوطان التي لا تجد فيها من يقدم قرابين لعظمتها وشهداء لعزتها هي بلاد لا ذكر لها ولا شأن، ولعظمة شهداء هذا الوطن فإنهم يتنافسون في مقاعد العظمة هذه، ومن رآهم والقائد الأغرّ ينحني على الجرحى منهم ليقبلهم وهم يقولون: متى يؤذن لنا بالخروج لنعود إلى إخواننا الذين تركناهم وراءنا في خنادق الدفاع عن الوطن ومقدساته وقيمه؟!

ضمير الوطن ورمز لعظمته

وأشار إلى أنه عرفاناً من القيادة الحكيمة بعظمتهم جعلت لهم رمزاً يجدد ذكراهم في القلوب والعقول والمشاعر كلما مرّ عليها الناس انتفضت هذه الذكرى في القلوب غضة طرية ليبقوا في ضمير الوطن وأهله أحياء، وأسمت باسمهم المساجد والساحات لتأتي الأجيال فتعرف قدر هؤلاء العظماء لأنم ضمير الوطن ورمز لعظمته وعظمة أهله، وجعلت القيادة الحكيمة يوماً في كل عام تتلى فيه مناقبهم وتذكر فيه بطولاتهم التي سطروها في صفحات مجد هذا الوطن، فتبقى هذه المناقب وهذه الصفحات مصدر إلهام متجدداً ومدداً لا ينقطع، وتبقى هذه الروح الوثابة والعزيمة الصارمة رادعاً مانعاً أمام كل واغل أو غادر، وليستمر هذا الوطن قصة أمن وأمان وإبداع وتفوق، فتحية إكبار لقيادتنا الحكيمة، وتحية إجلال لجنودنا الأوفياء عز هذا الوطن والفخار والسؤدد لشهدائنا الأبرار رمز عظمة هذا الوطن.

الشهداء تاج فخر لوطنهم

ومن جانبه، أكد فضيلة الشيخ أحمد الشحي مدير جائزة القرآن الكريم برأس الخيمة، الشهداء تاج فخر لوطنهم، ورمز عز لدولتهم، ونماذج من أرقى نماذج الفداء والتضحية، فقد قدموا أغلى ما يملكون لرفعة وطنهم، قدموا أرواحهم الغالية، وهي أغلى أنواع التضحيات، وأسمى صور البذل والجود والعطاء، لم يهابوا المنايا أبداً، بل تسابقوا لتلبية نداء الواجب، وسطروا بدمائهم أعظم البطولات، واسترخصوا أرواحهم فداء لوطنهم، وكانوا مثالاً يُحتذى بهم في الشجاعة والبسالة والإقدام، وخير فرسان تحت ظل قيادتهم الرشيدة، ورجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه، حتى اصطفاهم الله عنده من الشهداء الأخيار، وألحقهم بركب الفائزين الأبرار، الموعودين بأعظم المنازل في دار الخلد، ودخلوا بإنجازاتهم سجل التاريخ المشرق، وكانت لتضحياتهم أعظم الأثر في تأمين أوطانهم، وحمايتها من مختلف الأخطار والتهديدات. ولعظم تضحيات الشهيد رفع الإسلام قدره، وأعلى شأنه، وجعل له مكانة عالية في الدنيا والآخرة، فلا يذكره الناس في الدنيا إلا بأعطر السير، وأجمل المواقف، وهم موعودون في الآخرة بأعلى المنازل، قال تعالى: {ولا تحسبن الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون. فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين}.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل يدعو يوم القيامة الجنة، فتأتي بزخرفها وزينتها، فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي، وقتلوا وأوذوا وجاهدوا في سبيلي؟ ادخلوا الجنة بغير عذاب ولا حساب، وتأتي الملائكة فيسجدون، فيقولون: ربنا نحن نسبحك الليل والنهار، ونقدس لك، من هؤلاء الذين آثرتهم علينا؟ فيقول الرب عز وجل: هؤلاء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي، وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي، فتدخل عليهم الملائكة من كل باب: (سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار).

أنواع الشهداء

وقال إن الشهداء أنواع، أعلاهم درجة وأرفعهم منزلة الجنود البواسل الذين استشهدوا في أرض المعركة، فهؤلاء شهداء الدنيا والآخرة، لهم في الآخرة أجر الشهداء، ولهم في الدنيا أحكام خاصة بهم، فلا يُغسَّلون ولا يُكفَّنون، ليبقى أثر الشهادة عليهم، ويأتون يوم القيامة ولون جراحاتهم لون الدم والريح ريح المسك.

وهناك أيضاً نوع آخر من الشهداء، وهم شهداء الآخرة، مثل المطعون والمبطون ومن مات حَرْقًا أو غَرَقًا ونحوهم، فهؤلاء لهم في الآخرة أجر الشهداء، تفضُّلاً من الله وكرمًا، وليس لهم في الدنيا أحكامهم، فيُغسَّلون ويُكفَّنون، وقد رفع الله منزلتهم في الآخرة فجعلهم مع الشهداء لما أصابهم في الدنيا من البلاء، وبشرنا النبي، صلى الله عليه وسلم بذلك بياناً لثوابهم وتعزية في مصابهم.

رحم الله شهداءنا أجمعين، وأجزل لهم الأجر والمثوبة، وأسكنهم الفردوس الأعلى بفضله وكرمه.

ما أعظم منزلة الشهداء

أكد فضيلة الدكتور أحمد بن عبد العزيز الحداد كبير مفتين، مدير إدارة الإفتاء دبي، أن منزلة الشهداء عظيمة جليلة، بينها الله تعالى في محكم كتابه، وأوضحها المصطفى صلى الله عليه وسلم في سنته، وأنهم ليسوا كغيرهم ممن لا يعلم حالهم، بل قد بين الله تعالى أنهم في موكب واحد مع النبيين والصديقين والصالحين، والآيات في ذلك كثيرة، وأن مرتبتهم لا تنال إلا لمن لزم طاعة الله تعالى ورسوله، صلى الله عليه وسلم، ولما كان الناس قد يجهلون حقيقة حالهم في تلك الحياة الأخروية، عذرهم الله تعالى؛ لأن معرفة الإنسان في هذه الدنيا لحقائق الآخرة محدود، لكن عليهم أن لا يشكوا في حياتهم السعيدة بكل ما تعنيه الحياة من سعادة وكرامة، وعليهم أن لا يقارنوا حياة من كتب الله له الحياة السعيدة بالشهادة بمن مات حتف أنفه، فبينهما بون شاسع، فقال سبحانه: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}، والآيات الدالة على عظيم منزلة الشهداء كثيرة معلومة.