تقارير

في «دافوس».. ترامب وماكرون يلتقيان!

عشية يوم الـ20 من يناير عام 2017، وقفت النخب العالمية المجتمعة في منتجع «دافوس» السويسري لحضور منتدى الاقتصاد العالمي، تتبادل أطراف الحديث قبل أن تلتفت إلى الشاشات لمتابعة خطاب تنصيب رئاسي يتم الإدلاء به على بعد 5 آلاف ميل، في مقر الكونجرس الأميركي. وقد ساورهم القلق، بينما أدى حديث الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة عن «الملحمة الأميركية» التي أفضت إلى انتخابه، وتعهده بالثأر، إلى تعكير المزاج لبقية المنتدى.
وفي هذه الأثناء، كانت فرنسا في مزاج عكر بالفعل، إذ لم تكن تفصلها سوى خمسة أشهر على الانتخابات الرئاسية، والمعطيات السياسية في ذاك الوقت بدت مشابهة تماماً للوضع في أميركا، مع صعود الشعبوية والقومية، وتراجع القوى الليبرالية والغضب ممن يقفون خلفها، وتراجع تأييد العولمة. وفي فرنسا آنذاك، كان الرئيس فرانسوا أولاند قرر عدم الترشح لفترة ثانية، خشية التعرض لهزيمة مدوّية، بينما كانت مرشحة اليمين المتطرف «مارين لوبان» تتقدم بقوة. بيد أن عاماً من الزمان أحدث اختلافاً كبيراً.. فخلال الأسبوع الجاري، يصل الرئيس دونالد ترامب بنفسه إلى دافوس، ليشرح أجندة «أميركا أولاً» في السادس والعشرين من يناير أمام تلك النخب المجتمعة هنا. ورغم ذلك، لن يكون النجم الوحيد، لا سيما أن الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي هزم «لوبان» تحدث أيضاً في الرابع والعشرين من يناير، طارحاً نموذجاً مغايراً للغرب.
ورغم أن كليهما يشتركان في وصف «السياسي المتفرد»، فإن ترامب، البالغ 71 عاماً، والرئيس ماكرون الذي بلغ عامه الـ40 الشهر الماضي، سياسيان مختلفان جداً، ومن المذهل مشاهدة تنافسهما. وأكثر اختلاف بارز بينهما هو الأثر الذي أحدثه كل منهما حتى الآن على الساحة الدولية، فالرئيس الأميركي يعكف متعمداً في الوقت الراهن على سحب الولايات المتحدة من القيادة العالمية، في حين يرغب ماكرون في أن يكون زعيماً عالمياً، وإنْ كان يدرك بأسى أن فرنسا، رغم وضعها كقوة نووية تمتلك مقعداً دائماً في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لا تستطيع المنافسة، ولذا فهو يعوّل على أوروبا في طموحه. ومن وجهة نظر ترامب، ستصبح أميركا عظيمة مرة أخرى بانسحابها من العالم، لكن من وجهة نظر ماكرون، لن تكون فرنسا عظيمة مرة أخرى إلا بجعل أوروبا قوة فاعلة عالمية.
ولنقارن زيارة الرئيسين إلى الصين. ففي نوفمبر الماضي، لم يتحدث ترامب، الذي أقيمت على شرفه مأدبة سخية في قاعة الشعب الكبرى واستقبله بترحاب الرئيس الصيني، عن التجارة، التي يُفترض أنها أكبر مشكلاته مع الصين. وفي يناير، صرّح ماكرون في بكين أن «فرنسا عائدة وأوروبا عائدة»، وطلب من الزعيم الصيني «شي جينبينج» «معاملة بالمثل بين الأسواق الصينية والأوروبية»، وقد كانت تلك نغمة مستمرة خلال زياراته التي استغرقت ثلاثة أيام. وسواء أقبل الصينيون ذلك أم لا، فتلك قصة أخرى.
وكشف الرئيسان أيضاً في خطابيهما أمام الجمعية العامة في الأمم المتحدة بنيويورك في سبتمبر الماضي، عن رؤى متباينة للنظام العالمي. وبالطبع، اتسعت تلك الهوة بين أجندة ترامب «الأحادية»، وإيمان ماكرون بالقيم الليبرالية والتعددية والانفتاح على العالم.
ويمثل كلا الرجلين في الوقت الراهن معسكرين داخل العالم الغربي؛ معسكر القادة القوميين، ومن بينهم مجموعة من أنصار ترامب داخل الاتحاد الأوروبي، ومعسكر القادة المؤمنين بـ«الدولية»، الذين يتجمعون حول الرئيس ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. وقد انضمت رئيسة الوزراء البريطانية «تريزا ماي» إلى المعسكر الأخير، رغم أنها تتفاوض على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «بريكست».
ولعل سبب تمخض الديناميكيات السياسية المحلية المتشابهة عن تلك التأثيرات المختلفة يتعلق بشكل كبير بالأنظمة الانتخابية، ففي ظل نظام «المجمع الانتخابي» في الولايات المتحدة، تمكن ترامب من هزيمة هيلاري كلينتون، رغم فوزها بالتصويت الشعبي، وأما في فرنسا، لم يمنح نظام الجولتين «لوبان» فرصة، وفتح الباب أمام انتصار ماكرون، الذي تأكد بعد ستة أسابيع بحصول حزبه على أغلبية في الانتخابات البرلمانية. وعلى ضفتي الأطلسي، يحكم الرجلان، ويتمتعان بصلاحيات رئاسية دستورية، وربما يتظاهران بأنهما يتمتعان بعلاقة طيبة، أو ربما يتصوران ذلك، استناداً إلى حتمية مواجهة كليهما للإرهاب، إلا أن الطريقة التي يمارسان بها السلطة، وسياساتهما تباعدان بينهما.

*رئيسة تحرير سابقة لصحيفة «لوموند»
يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»