تقارير

أفغانستان والأزمة الجديدة

غلبت حالة من الهرج والمرج على المشهد هذا الأسبوع في أروقة البرلمان الأفغاني الجديد. وبعد مناقشات محتدمة استمرت لأربعة أيام، بادروا بعزل سبعة وزراء. فقد رحل وزير الخارجية، وبالكاد نجا وزير المالية من تصويت بنزع الثقة. ومن الناحية الفنية، كانت النقاشات تدور حول فشل الوزراء في إنفاق كل أموال الميزانية المخصصة لهم في الموعد المحدد. ولكن أخطاء السياسات ذات الإسقاطات العرقية والانتهازية كانت هي لب النقاشات.
ومرة أخرى هيمن مشهد الخلافات المتجددة -في حكومة عرفت موجة من الانشقاقات في فصل الربيع- على الأخبار ليحول التركيز بذلك عن القضايا الملحة مثل سبل مواجهة الهجمات التي يشنها مقاتلو «طالبان»، وارتفاع نسبة البطالة والتدفق الجماعي للاجئين العائدين.
إن الثورة التي يشهدها البرلمان الأفغاني ما هي إلا عرض واحد لحالة أوسع من الفوضى. ففي الأسابيع الأخيرة، انتقد عدد من مساعدي الرئيس أشرف غني إدارته علناً، بينما يخطط قادة المعارضة لاستهدافها من الخارج. وقد عادت الخلافات إلى الظهور مباشرة بعد انتخاب الولايات المتحدة، الداعم الأساسي لوزارة الدفاع الأفغانية ومصدر أكبر المساعدات الاقتصادية منذ سنوات، رئيساً جديداً لديه أولويات مختلفة عن الاستثمار في تحقيق النجاح في أفغانستان. ويخشى كثير من الأفغان من مبادرة الرئيس المنتخب دونالد ترامب بسحب القوات الأميركية التي يبلغ قوامها 10 آلاف جندي، وقد أبقاها الرئيس أوباما لمساعدة قوات الأمن الأفغانية على كسب المعركة التي تشنها ضد المتمردين.
ويقول «هارون مير»، وهو محلل سياسي في كابول: «إن الجميع في أفغانستان يخشون مما سيقوم به ترامب. إننا نعتمد بشكل كبير على المساعدات الأميركية، والحكومة بحاجة إلى توجيه رسالة إيجابية لواشنطن. وبدلاً من ذلك، فهي ترسل رسالة قد توحي بالخلل السياسي».
وقبل ستة أسابيع، نجح الرئيس أشرف غني، والرئيس التنفيذي عبدالله عبدالله، في تقديم جبهة موحدة وجدول أعمال طموح خلال مؤتمر المانحين في أوروبا، حتى وإن لم يكن الرجلان على وفاق، حيث يتم التشكيك على نطاق واسع في فاعلية تنسيقهما المستمر منذ عامين.
ومنذ ذلك الحين، عقد غني وعبدالله اجتماعات عديدة، ويقول مساعدون لهما إن علاقة عمل جيدة تربطهما الآن. بيد أن انشقاقات زعماء المعارضة العرقيين، الذين كانوا يوماً ما يدعمون عبدالله، جعلت الشكوك تحيط بمستقبله، في حين أن آخرين ممن انضموا لفريق غني وجهوا له هو أيضاً انتقادات علنية.
ومن ناحية أخرى، اتهم النائب الأول للرئيس «عبد الرشيد دوستم»، وهو زعيم حرب أوزبكي سابق، الرئيس بالاستفراد بقدر كبير من السلطة، ثم هدد بقيادة انتفاضة، واتهم أعضاء مجلس الأمن القومي بالتآمر لقتله. وقد تم رأب هذا الخلاف من خلال المفاوضات، ولكن الرجل القوي القادم من الشمال ما زال يمثل قوة سياسية جامحة.
أما الشخص القوي الآخر الذي بإمكانه تعطيل حكومة الوحدة الوطنية، فهو عطا محمد نور، وهو حاكم ثري من الطاجيك ينتمي لحزب «الجمعية الإسلامية» بزعامة عبدالله. وكان نور هو الممول لحملة ترشح عبدالله للرئاسة، ولكنه كان يتفاوض أيضاً مؤخراً مع غني، سعياً للحصول على نصيب أكبر من السلطة في الحزب.
وقال أحد مستشاري نور: «إن الحاكم نور لا يريد الوظيفة لنفسه. إنه يريد التنفيذ الكامل لاتفاق الوحدة الوطنية الذي يضمن حقوقنا، وهي حقوق لم يستطع الدكتور عبدالله الحصول عليها». و«هذا يعني 50% من السلطة، ودوراً أكبر في السياسة وفي التعيينات».
وبينما تدور هذه المناورات خلف الأبواب المغلقة، كانت استقطابات عرقية أخرى متلفزة تدور في البرلمان طوال الأسبوع. فقد كان ضمن الثلاثة وزراء المقرر مساءلتهم تتضمن اثنين من الطاجيك، ولكن بعد صراخ نواب المعارضة بأن هذا مخالف، تم تغيير التشكيل إلى واحد من البشتون، وواحد من الهزازة، وواحد من الطاجيك.
وكان غني، وهو تكنوقراطي إصلاحي من البشتون، هو الذي أثار عن غير قصد هذه الاستقطابات الأخيرة عندما حذر من أنه ربما يطرد أي وزير يفشل في إنفاق 65% من الموازنة. ولكن المشرعين، الذين انتهزوا هذه الفرصة لفرض النفوذ والتربح، حولوا جهوده من أجل التطهير إلى شيء آخر.
ومن ناحية أخرى، قال مساعدون لعدد من الوزراء المعزولين إن جلسات الاستماع كانت منحازة، حيث تم طرح أسئلة قليلة قبل أخذ الأصوات. وقال «نجيب مهرداد»، مساعد وزير التعليم المعزول، إن رئيسه حاول تفسير أسباب عدم إنفاقه النسبة المطلوبة من الموازنة، ولكن المشرعين «لم يستمعوا. وهذا يعني أن لديهم أجندة أخرى. وهذا طبعاً ليس إنصافاً».

* مديرة مكتب واشنطن بوست في أفغانستان وباكستان
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»