ألوان

مفاتيح الرزق

بقلم الشيخ الدكتور/ يوسف جمعة سلامة خطيب المسجد الأقصى المبارك www.yousefsalama.com

بقلم الشيخ الدكتور/ يوسف جمعة سلامة خطيب المسجد الأقصى المبارك www.yousefsalama.com

الحمد لله الذي أنعم علينا بالإسلام، وشرح صدورنا للإيمان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ* مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ* إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)، «سورة الذاريات الآية 56 - 58».
لقد خلق الله المخلوقات وأحصاها عدداً، ورزقها من فيض خيره فلم ينسَ من فضله أحداً، ومن المعلوم أن الرزق بيد الله سبحانه وتعالى، وأن الواجب على الإنسان أن يسعى وأن يأخذ بالأسباب، وكلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلق له، كما جاء في الحديث: «إنَّ رُوح القُدسِ نَفَثَ في روعي أنه لن تَمُوتَ نفس حتى تستكمل رِزْقها وأجَلَها»، (أخرجه أحمد).
ومن المعلوم أن الرزق كله بيد الله سبحانه وتعالى يقسمه على عباده، كما في قوله تعالى: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)، «سورة فاطر: الآية 3»، ومع ذلك فالإنسان يُمْتَحَنُ في رزقه كما يُمْتَحَنُ في صحته وأولاده وماله، (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابرِينَ)، «سورة البقرة: الآية 155»، وعلى الإنسان أن يصبر على أمر الله، فالابتلاء نعمة للمؤمن، فترى غلاء الأسعار حيناً، وقلة الموارد حيناً، والنقص في الثمار حيناً، ومما يُؤْسف له أن بعض الناس لم يأخذوا بالأسباب الشرعية للرزق، ونذكر هنا مفاتيح الرزق الحلال، الرزق الذي يوصلك إلى الله سبحانه وتعالى، كما جاء في قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ* مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ* إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)، ومنها:

1- الاستغفار:
ذكر الإمام القرطبي في تفسيره قال: «شكا رجل إلى الحسن الجدوبة، فقال له: استغفر الله، وشكا آخر إليه الفقر، فقال له: استغفر الله، وقال له آخر: ادع الله أن يرزقني ولداً، فقال له: استغفر الله، وشكا إليه آخر جفاف بستانه، فقال له: استغفر الله، فقلنا له في ذلك؟ فقال: ما قلتُ من عندي شيئاً، إن الله تعالى يقول في سورة نوح: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً* يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً* وَيُمْدِدْكُمْ بأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً)، «الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 18/302»، وهذا يدلُّ على أنَّ الاستغفار يستنزل به الرزق والأمطار، كما ذكرت الأحاديث الشريفة فضل الاستغفار، فقد رُوي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ لَزِمَ الاسْتِغْفَارَ، جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ»، «أخرجه أبو داود».

2- الصلاة:
الصلاة صلة بين العبد وربه، يستمد منها القلب قوة، وتحس فيها الروح طمأنينة، فهي عماد الدين، لذلك جاءت الآيات القرآنية تحث عليها (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصَّلاةِ وَاصْطَبرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى)، «سورة طه: الآية 132»، وجاء في مختصر تفسير ابن كثير في تفسير هذه الآية: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصَّلاةِ وَاصْطَبرْ عَلَيْهَا)، أي استنقذهم من عذاب اللّه بإقام الصلاة واصبر أنت على فعلها.

3- التقوى:
وقد وردت تعريفات كثيرة للتقوى منها: ما ورد على لسان الإمام علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه- أنه قال: «هي العمل بالتنزيل، والخوف من الجليل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل»، لذلك ينبه القرآن الكريم إلى أهمية التقوى وفضلها (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ)، «سورة الطلاق: الآية2 - 3»، وكم من قصص قرآنية تحدثت عن فضل التقوى وأنها مجلبة للفرج والرزق والخير، كما ذكر صاحب كتاب صفوة التفاسير: «وقال المفسرون: الآية عامة وقد نزلت في «عوف بن مالك الأشجعي» أسر المشركون ابنه، فأتى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وشكا إليه الفاقة، وقال: إن العدوَّ أسر ابني وجزعتْ أمه فما تأمرني؟ فقال- صلى الله عليه وسلم- له: اتق الله واصبر، وآمرك وإياها أن تستكثرا من قول «لا حول ولا قوة إلا بالله»، ففعل هو وامرأته، فبينا هو في بيته إذ قرع ابنه الباب، ومعه مائة من الإبل غفل عنها العدو فاستاقها فنزلت: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ)، «صفوة التفاسير للصابوني 3/400».

4- صلة الرحم:
ديننا الإسلامي الحنيف اهتم بصلة الأرحام، وأكد على ضرورة المحافظة عليها والعناية بأمرها، حتى جعلها مرتبة متقدمة من مراتب الإيمان، لذلك نبَّه الإسلام لأهمية صلتها وضرر قطعها، فقد جاء في الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ»، (أخرجه البخاري).
5- الإنفاق في سبيل الله:
والمقصود به: الإنفاق لوجه الله سبحانه وتعالى، لا تريد من ورائه إلا الثواب والأجر من الله سبحانه وتعالى، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: (وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)، «سورة سبأ: الآية 39»، ولقوله- صلى الله عليه وسلم- في الحديث الشريف: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلا مَلَكَانِ يَنْزِلانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً»، (أخرجه البخاري).

6- السعي والاكتساب «العمل»:
وهو سبب شريف لكسب الرزق الحلال الطيب لذلك أمر الله به (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)، «سورة الملك: الآية 15».
والعمل أمر ضروري لسير الحياة حتى آخر لحظة من عمر الإنسان للحديث: «إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ»، (أخرجه أحمد)، وعندما نقر أ سير الأنبياء والرسل الكرام- عليهم الصلاة والسلام- يزداد إيماننا بقيمة العمل، ذلك أن الأنبياء والرسل الكرام- عليهم الصلاة والسلام- كلهم كانوا يعملون، ولقد اقتدى الصحابة- رضي الله عنهم أجمعين- برسولهم الكريم- صلى الله عليه وسلم- فلم يركنوا إلى الكسل أو يقعدوا عن طلب الرزق، بل كانوا جميعاً يعملون. أخي القارئ: إنَّ كلَّ ما يصيب العبد من المصائب والبلايا، فهو بسبب جناياته التي صدرت منه، فقد ورد أنَّ النبي- صلّى الله عليه وسلم- قال: «إِنَّ الرَّجُلَ ليُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ»، (أخرجه ابن ماجه)، ولقوله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، «سورة الروم: الآية 41»، وما نراه اليوم من نزول الآفات بالنّاس والدواب ومحق البركة هو نتيجة حتميَّة لكثرة المعاصي، وللظُّلم المنتشر بين البشر، كما جاء في قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ)، «سورة الأعراف: الآية 96».