الاقتصادي

العولمة..تشكلت وتبلورت في رحم تحولات تاريخية ثلاثية الأبعاد

مصطفى عبدالعظيم (دبي)

العولمة.. هي القصة الكبيرة في عصرنا هذا، فهي لا تشكل الاقتصادات فحسب، بل تشكل أيضاً المجتمعات والنظم السياسية والعلاقات الدولية.
ويرى كثير من الناس، للأفضل أو للأسوأ، أن العولمة قوة لا يمكن إيقافها، غير أن التاريخ يشير إلى أنها ليست كذلك، فلا يمكن أن نفترض أن العولمة ستستمر ولا أنها ستكون مرغوبة من جميع الجوانب، ولكن علينا أن نفترض شيئاً واحداً وهو أننا جميعا نشارك في تشكيلها.
وإذا نفذت العولمة بحكمة يمكن أن يكون هذا القرن عصراً لا مثيل له من حيث السلام والشراكة والرخاء، أما تنفيذها بشكل غير جيد فقد يقودها إلى انهيار تام شأنها شأن العولمة التي بدأت قبل الحرب العالمية الأولى وامتدت بين عامي 1914 و1945.

ولادتها التاريخية
يؤرخ المفكرون لميلاد العولمة مع سقوط جدار برلين 1989 ومع ولادتها هذه بدأت الإنسانية مرحلة تاريخية فريدة يهيمن فيها الاقتصاد الليبرالي الحر في ظل نهاية مرحلة المواجهات الباردة بين قطبي الوجود السياسي في العالم (أميركا والاتحاد السوفيتي سابقاً).
لقد تشكلت العولمة وتبلورت في رحم تحولات تاريخية ثلاثية الأبعاد، يتمثل بعدها الأول في التطور المذهل لتكنولوجيا المعلومات وثورتها، حيث ترتبط أشد الارتباط بالثورة العلمية والمعلوماتية الجديدة والتي تكتسح العالم منذ بداية التسعينيات، وهذا الثورة هي إحدى أهم معالم اللحظة الحضارية الراهنة، وهي القوة الأساسية، وليست بالضرورة الوحيدة المسؤولة عن بروز العولمة أخيراً.
ويتجلى بعدها الثاني في رحم التحولات السياسية الكبرى التي تمثلت في سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي، وأخيراً يتمثل البعد الثالث والأخير لهذه العولمة في دورة التحولات الاقتصادية التي تفوق حدود التصور في ميدان التبادل والتجارة الدولية وتدفق البضائع وتحطم الحواجز الجمركية بين مختلف قارات العالم ودوله.
والعولمة هي تكامل النشاط الاقتصادي عبر الحدود، وتصاحبها أشكال أخرى من التكامل وأهمها انتشار الناس والأفكار، وتتشكل العولمة نتيجة ثلاث قوى يتفاعل بعضها مع بعض وهي التكنولوجيا والمؤسسات والسياسات.
وعلى مر معظم فترات التاريخ كانت الابتكارات التكنولوجية والفكرية هي القوة المحركة للعولمة، فقد أدت إلى خفض تكاليف النقل والاتصالات وزيادة فرص التبادل الاقتصادي المربح على مسافات أطول. وسيتم استغلال هذه الفرص على المدى الطويل.
وحتى قبل الثروة الصناعية، فإن قدرة البشر على الملاحة في البحار بالسفن أدت إلى تسهيل ميلاد إمبراطوريات عالمية، وحركة الأشخاص عبر المحيطات، وتوسع في التجارة العالمية. ولكن تسارعت التكنولوجيا بعد الثروة الصناعية وخلقت فرصاً جديدة.
وكانت القاطرات العاملة بالبخار والبواخر والتلغراف هي محركات العولمة في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وما يقود عولمة عصرنا هذا هو سفن الحاويات والطائرات النفاثة والإنترنت والهاتف المتنقل.
ويعد تكامل الاتصالات والحوسبة هو الثورة التكنولوجية لعصرنا، وبحلول عام 2014، كان هناك 96 مشتركاً في خدمة الهواتف المتنقلة و40 مستخدماً للإنترنت من بين كل 100 نسمة، ولم تكن هذه الأرقام كبيرة منذ عشرين عاماً، وأصبحت المعلومات رقمية بشكل متزايد وأصبح العالم أكثر ترابطاً، وهذا تحول عظيم.
وتعتبر المؤسسات مهمة أيضاً، وفي الماضي، كانت الإمبراطوريات تسهل التجارة عبر مسافات طويلة. ويصدق ذلك قبل الأوقات المعاصرة ويصدق أكثر على فترة الإمبراطوريات البحرية الأوروبية من القرن السادس عشر إلى القرن العشرين. واليوم، فإن المؤسسات التي تسهل التجارة لمسافات طويلة هي المعاهدات والمنظمات المتعددة الأطراف مثل منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والنوادي الإقليمية مثل الاتحاد الأوروبي.
وتعتبر المؤسسات شبه العامة والخاصة تماماً مهمة أيضاً. ومن الأمثلة على ذلك الشركات التجارية الحكومية، وخاصة شركة شرق الهند البريطانية ثم بعد ذلك الشركة المساهمة المشتركة ذات المسؤولية المحدودة منذ بداية القرن التاسع عشر. والأسواق المنظمة لا تقل أهمية، ولا سيما الأسواق المالية التي تطورت من بدايات بسيطة إلى شبكات عاملة على مدار الساعة حول العالم حالياً.
وبينما تحرك سهم التكنولوجيا في اتجاه واحد، نحو الفرص والتكامل الاقتصادي، لم تقم المؤسسات بذلك. وقد ظهرت الإمبراطوريات واختفت، وعندما اختفت الإمبراطوريات الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، ابتعدت معظم البلدان المستقلة حديثاً عن التجارة العالمية، مشيرة إلى أن هذه التجارة تتسم بالاستغلالية.
ويذكرنا ذلك بالمحرك الثالث، وهو السياسات، وقد كان تحول البلدان النامية المستقلة حديثاً نحو الاكتفاء الذاتي تحولاً في السياسات، وكان أهم تحول على الإطلاق الانهيار العالمي للعولمة الذي أعقب الحربين العالميتين والكساد الكبير. وتفكك بعد ذلك النظام النقدي وأصبحت التجارة أكثر تقييداً.
وبعد الحرب العالمية الثانية انتشر تحرير محدود، أساساً في التجارة والحساب الجاري، عبر الاقتصادات مرتفعة الدخل تحت رعاية الولايات المتحدة. ثم انتشر في أواخر السبعينيات وفي الثمانينيات والتسعينيات تحرير السوق المحلية وفتح التجارة الدولية وتخفيف ضوابط سعر الصرف في جميع أنحاء العالم.
ومن الخطوات الحاسمة في هذه الرحلة هي اعتماد الصين لسياسة «الإصلاح والانفتاح» في أواخر السبعينيات تحت قيادة دنج زياو بنج، وانتخاب مارجريت تاتشر كرئيسة وزراء بريطانيا في عام 1979 ورونالد ريجان كرئيس للولايات المتحدة في عام 1980، وإطلاق الاتحاد الأوروبي لبرنامج «السوق الواحد» في عام 1985، وجولة أوروغواي من المفاوضات التجارية المتعددة الأطراف التي بدأت في عام 1986 وانتهت بعد ذلك بثماني سنوات، وانهيار الإمبراطورية السوفييتية بين عامي 1989 و1991، وانفتاح الهند بعد أزمة النقد الأجنبي التي شهدتها في عام 1991، وقرار عام 1992 بإطلاق الاتحاد النقدي الأوروبي، وإنشاء منظمة التجارة العالمية في عام 1995، وانضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001.

اعتناق مفهوم السوق
ارتكزت هذه التغيرات على رفض للتخطيط المركزي والاكتفاء الذاتي واعتناق لمفاهيم السوق والمنافسة والانفتاح. وهذه ليست إمبراطورية عالمية. ولأول مرة في التاريخ، أصبح هناك اقتصاد عالمي متكامل يربط أنشطة تنفذ في عدد كبير من الدول المستقلة بهدف مشترك ألا وهو تحقيق الرخاء.
وقد عمل هذا النظام وإن لم يكن بطريقة مثالية. ووفقاً لمعهد ماكينزي العالمي (2014)، زادت تدفقات السلع والخدمات والأموال من 24% من الناتج العالمي في عام 1980 إلى ذروة نسبتها 52% في عام 2007 قبل الركود الكبير مباشرة، وبين عامي 1995 و2002، ارتفعت نسبة التجارة في السلع إلى الناتج العالمي من 16% إلى 24%.
وأصبحت جميع الاقتصادات تقريباً أكثر انفتاحاً للتجارة. وارتفعت نسبة التجارة في السلع (الصادرات زائدا الواردات) إلى إجمالي الناتج المحلي في الصين من مستويات لا تذكر في السبعينيات إلى 33% في عام 1996 و63% في عام 2006، قبل أن تتراجع خلال الأزمة المالية. وارتفعت نسبة التجارة إلى إجمالي الناتج المحلي في الهند من 18% في عام 1996 إلى 40% في عام 2008.
ويتمثل المحرك المهم لتوسع التجارة في توافر عمال بتكلفة منخفضة في الاقتصادات الصاعدة. وقبل الحرب العالمية الأولى، تمثلت الفرصة الكبيرة في إدماج الأراضي غير المستصلحة في الإنتاج من أجل السوق العالمي، وخاصة في الأميركتين. وتتمثل أكبر فرصة هذه المرة في إدراج مليارات الأشخاص الذين كانوا منعزلين من قبل كعمال ثم مستهلكين ومدخرين.
وتضخم حجم التجارة التي تشارك فيها الاقتصادات الصاعدة كما ينبغي. وفي عام 1990، كانت 60% من التجارة في السلع تتم بين الاقتصادات مرتفعة الدخل، و34% منها كانت بين الاقتصادات مرتفعة الدخل واقتصادات الأسواق الصاعدة، وكانت مجرد 6% منها تتم فيما بين اقتصادات الأسواق الصاعدة. وبحلول عام 2012، بلغت هذه النسب 31% و45% و24% على التوالي.
وأدى عصر العولمة إلى تحولات سريعة في مواقع النشاط الاقتصادي، ففي عام 1990، كانت نسبة ناتج الاقتصادات مرتفعة الدخل إلى الناتج العالمي بتعادل القوى الشرائية سعر تحويل العملة الذي يؤدي إلى شراء نفس الكمية من السلع والخدمات في كل بلد (قدرها 70%، يسهم الاتحاد الأوروبي بنسبة 28% منها والولايات المتحدة بنسبة 25%. وبحلول عام 2019، سينخفض هذا المجموع إلى 46% وفقاً لصندوق النقد الدولي.
وعلى مدار الفترة نفسها، من المتوقع أن ترتفع نسبة الصين من 4% إلى 18% والهند من 3% إلى 7%. والنمو السريع لأكثر اقتصادات الأسواق الصاعدة نجاحاً، والذي تسبب في هذا التحول، لم يكن ليحدث من دون الوصول إلى التجارة والمعرفة اللتين توفرهما العولمة.

فـريد برجستن .. أميركي مـن أنصار العولمة
دبي (الاتحاد)

أمضى فريد برجستن حياته يعمل داخل الطريق الدائري، وهو الاسم الذي يطلق على الطريق السريع المحيط بواشنطن العاصمة، في هذا المكان، في عام 1981، أسس برجستن معهد بيترسن، وهو المعهد الذي ربما يكون أكثر مستودعات الفكر العالمية تأثيراً على الاقتصاد الدولي. وقد أسس المعهد بعد حياة مهنية متميزة في الحكومة الأميركية، أولاً مع إدارة نيكسن في مجلس الأمن القومي تحت إشراف هنري كيسنجر – الذي يقول: «إن برجستن علمني كل ما أعرفه عن علم الاقتصاد». وفي فترة لاحقة، أصبح الشخصية الأبرز في شؤون الاقتصاد الدولي لدى الخزانة الأميركية في عهد كارتر أثناء الفترة المضطربة التي وقعت فيها أزمة الطاقة.
وكرس برجستن حياته لمهمة إقناع صناع السياسة الأميركيين بضرورة مراعاة الاعتبارات العالمية، وهم على ما هم عليه في الغالب من رؤية محدودة، وكذلك مهمة دفع التقدم نحو الاندماج الاقتصادي العالمي. ولاقت هذه الجهود استحساناً في الخارج، فحصل على وسام الشرف الفرنسي، ونال زمالة فخرية من الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، على سبيل المثال لا الحصر، وكان برجستن من أكثر مؤيدي اليورو، كما كان ناقداً عنيفاً لما يعتبر تقويماً لليوان الصيني بأقل من قيمته الصحيحة – لأنه يرى أن ذلك سيطلق العنان للحمائية، ويلحق الضرر بالاندماج العالمي.
وكانت مساهمات برجستن في عمل الحكومة الأميركية تكفي لضمان بقاء بعض من شهرته، ولكن العمل الذي قام به منذ ذلك الوقت هو الذي عضد مكانته، فأنشأ مستودع فكر في عام 1981، وهو «معهد علم الاقتصاد الدولي»، بالاستعانة بمنحة كبيرة من «صندوق مارشال الألماني في الولايات المتحدة»، وهو مؤسسة أميركية معنية بالسياسة العامة. ولم يكن برجستن غريباً على عالم مستودعات الفكر: فقد قضى سنوات بين العمل الحكومي في «مجلس العلاقات الخارجية» و»مؤسسة بروكينجر».
كان اعتماد عملة اليورو حدثاً فريداً في التاريخ النقدي للعالم. ولكن معظم خبراء الاقتصاد الأميركيين كانوا متشككين في نجاحه. وكان المنظور الذي اعتمده معظم هؤلاء الاقتصاديين هو نظرية مناطق العملة المثلى – الذي يؤكد أن العملات المشتركة لا تنجح إلا في ظل ظروف معينة، مثل حرية حركة العمالة عبر الوحدات الاقتصادية التي تعتمد هذه العملة المشتركة، ووجود نظام للتحويلات المالية من الوحدات التي تحقق نتائج طيبة إلى الوحدات ضعيفة الأداء. وغياب هذه الظروف في البلدان وقت اعتمادها لليورو جعل خبراء الاقتصاد الأميركيين يتوقعون انهيار الاتحاد الاقتصادي.
من المعروف أن آراء الباحثين في معهد بيترسن لا تكون دائما منسجمة. ولكن آراءهم فيما يخص سعر صرف عملة الصين متناغمة إلى حد بعيد: فهم يتغنون بعبارة واحدة هي أنها مقومة بأقل من قيمتها الحقيقية. فكتب برجستن العام الماضي في مقالة افتتاحية لصيفة نيويورك تايمز: «إن قيمة اليوان المنخفضة على نحو مصطنع هي أقل مما ينبغي أن تكون عليه، بما يتراوح بين 20% و30%، ترقى إلى منح دعم للصادرات الصينية، وفرض تعريفة على الواردات من الولايات المتحدة وبلدان أخرى». وقال: «إن الولايات المتحدة ينبغي أن تتقدم بدعوى ضد الصين أمام منظمة التجارة العالمية لشروعها في تخفيض تنافسي غير مشروع لسعر صرف عملتها».