دنيا

الأسلوب التربوي لتجاوز فقدان أحد الأبوين

خورشيد حرفوش (القاهرة)

الطفل الذي يعاني الحرمان من أب أو أم بسبب الوفاة أو الطلاق، يريد أن يعثر على بديل يعوض ذلك الغياب. ومن ثم هو يريد أن تكون له أسرة، بديل ويشابه ما يتمتع به غيره من الأطفال. وهناك نماذج عديدة من زوجة الأب التي تنجح لأنها تحاول أن تتعامل مع أطفال زوجها بحب وود كما لو كانوا أطفالها، وكذلك كثير من الأزواج.

وهناك حالات يحاول أصحابها تعويض الطفل المحروم من عاطفة الأبوة أو الأمومة قدر المستطاع. وهناك أيضاً مشاعر إيجابية عالية تتكون بين الإخوة والأخوات غير الأشقاء داخل الأسرة الواحدة إذا ما نجح الأزواج الجدد في تهيئة المناخ الصحي بين أفراد الأسرة الواحدة. ولعل أهم ما يواجه الأزواج الجدد في مثل تلك الحالات، حالة الشكوك والريبة «المجتمعية» أو من الأبناء أنفسهم في أنهم يحظون بالقدر الطبيعي من الحنان والود والرعاية.

الإحساس الإيجابي

وتقول الأخصائية النفسية نهى عاصم، إن الآباء والأمهات في تلك الحالات مطالبون ببذل مزيد من الجهد حتى يتخطى الأبناء فترة الريبة والشك، كي ينجحوا في تنمية الإحساس الإيجابي لديهم، ويتأكدوا أنهم يحاطون بمشاعر أبوية حقيقية تعوضهم غياب الأب أو الأم. وأن المناخ الأسري الجديد لا يختلف كثيراً عما حرمهم منهم القدر.

وقالت: لا يستطيع ذلك زوج الأم أو زوجة الأب غير الناضجة، أو الأب الأناني. لأنهما قد يسقطان في فخ قاتل للمشاعر الإنسانية يتمثل في أن هؤلاء الأطفال الصغار «يسرقون» اهتمام الزوج الجديد، أو الزوجة الجديدة». وتقول «يثق بعض أزواج الأمهات أو زوجات الآباء بأن الحل هو ترك مسؤولية تربية الطفل للأب نفسه، أو الأم نفسها. فمن الطبيعي أن يكون الطفل متوقفاً مع المناخ المحيط به. لكن هذا لا يكن حلاً لكل المواقف والمناسبات، لأن الأم عادة تجد نفسها مجبرة على اتخاذ كثير من القرارات السريعة كل يوم عندما يكون الزوج خارج المنزل. فإن استطاعت أن تتبع طريقة لا تترك في نفس الطفل عقداً أو نفوراً أو كراهية، فإن ذلك دليل على لباقتها وقدرتها على تهيئة مناخ إيجابي».

وتضيف «التوازن الأقرب للتصرف الطبيعي للزوج أو الزوجة هو الحل المطلوب في مواجهة مواقف الأبناء الذين افتقدوا آبائهم أو أمهاتهم، لأن ما يطمئن الطفل ويبعث فيه الثقة عندما تضطر زوجة الأب مثلاً أن تفرض عليه عقاباً معنوياً معيناً، ولا تشعره بأنها تنتهز غياب الأب حتى ينال عقابه منها. وأنها ستعاقبه بالطريقة نفسها في حالة غياب الأب كما هو الحال في وجوده. هنا سيدرك أنها تعاقبه لمصلحته، ولا يكون شعوراً عدائياً تجاهها. فالطفل بطبيعته يستشعر صدق الإحساس مهما كان نوعه. ويجب على الزوج أو الزوجة أن يحكما توازنهما بين الحزم والرقة من دون مبالغة أو تقتير».

قيمة إنسانية

وتقول إن الزوج «أو الزوجة»، لابد أن يشعر ولو بشعور خفيف بالذنب كزوج أم «أو كزوجة أب» إذا كانت الأمور لا تسير سيرها الطبيعي، لأنه يدرك أن الزواج الذي ارتضاه لنفسه يشكل ما يشبه التهديد لأطفال زوجته أو أطفاله. لذا يجب عليه أن يركز جهده، ويدرك أنه إذا أحسن أداء دوره، فإن الزواج الجديد يصبح نعمة وليس نقمة على أطفال الطرف الثاني وعليه وعلى زوجته. وهذا سيسهل على الأطفال كثيراً سرعة توافقهم وتكيفهم مع الوضع الجديد». وتلفت عاصم إلى جوهر مشكلة تنشئة الطفل وافتقاده الحنان مع زوج الأم أو زوجة الأب، في تلك النظرة الدونية التي قد يشعران بها تجاه الطفل الغريب عنهما، ونسيان حقوقه الإنسانية في التعامل. قد ينسيان حاجته الماسة إلى دفء وحنان ودعم واستيعاب وتوجيه ورعاية الأب أو الأم، كما هو في حاجة ماسة أيضاً إلى رقابتهما ومتابعتهما وتوجيهاتهما له. فالأبوة أو الأمومة قيمة وإحساس إنساني راق للغاية، ويصل إلى الطفل الصغير بأي لغة، ومن أقصر طريق. ولا ذنب اقترفه حتى يجد نفسه يواجه هذا العالم من دون أب أو أم، فهذا الحرمان سيوقع الطفل في شباك ومتاهات الاغتراب النفسي ومن ثم كثير من المشاكل والاضطرابات السلبية.

فطرة بشرية

إن التساؤل الذي يفرض نفسه: إلى أي مدى يذهب زوج الأم في تشجيع طفل زوجته على أن يعامله ويشعر نحوه، كما كان أباه الحقيقي؟ وتجيب نهى عاصم أنه عادة ما يكون كل طفل لزوج أم أو زوجة أب على الرغم من أنه قد ينمي علاقة طيبة جدا مع زوج الأم «أو زوجة الأب». إلا أنه لا يريد أن يعتبر أن هذه العلاقة هي شيء يدعوه إلى مخاطبة زوج الأم «يا أبي»، مضيفة أن زوج الأم أو زوجة الأب قد يكون كل منهما في الواقع أفضل من الأب الأصلي أو الأم الأصلية الغائبة. ومع ذلك فإنها مسألة بشرية فطرية أن نجد الطفل يريد أن يشعر بالولاء والانتماء لوالده الأصلي أو أمه الأصلية، وأن يحسن الظن به أو بها في كل الأحوال والظروف. وهذا جدير بأن يساعده على الإيمان بنفسه، ويعرف أنه جزء من أبيه أو أمه. ومن ثم يجب على الزوج الناضج «أو الزوجة» أن يستوعب ويتفهم تلك الحقيقة ويحترمها.