الملحق الثقافي

كقزم يتقدّم ببطء داخل الأسطورة

لميس السعيدي

أفكّر في كتابة قصيدة على الطريقة القديمة
بسطور قصيرة ومكوَّمة كأطباق بعد المأدبة
أو قصيرة ومرصوصة كسلالم بيت مهجور
أرتقيها بصعوبة وأنا أردِّد بيت الحطيئة:
«الشِّعر صعب وطويل سلّمه... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه»
في زمن مضى كنّا لا نتوقّف عن المشي.. في الوقت ذاته الذي كانت تمشي فيه قبائل «ماتشي ?ان?اس» لتساعد الشمس على النهوض كلّما سقطت في آخر النهار - كما عند يوسا في رواية «الحكواتي» -
كنّا نمشي لنساعدها على السقوط، كلّما نهضت لتحرق جلودنا
كنّا نصنع من الكلمات، التي نرصّها على عمود إيقاعات رتيبة، بيتًا
ثم نحمل البيت على الألسنة والشفاه
حتّى ثقلت الألسنة وتورّمت الشفاه
فصار الشِّعر يشبه التأتأة
كسرنا العمود وبنينا بقطعه الصغيرة سلالم طويلة تقطع الأنفاس
فصرنا بالكاد نتفادى الدرج المكسور الذي يقع غالبًا في الطابق الأوّل
ثم نجلس على الدرج السليم الذي يليه وأقدامنا تتدلّى في الهواء نحكي قصصًا طويلة عن الجنّ والأخيلة
صار السرد جزءًا من القصيدة كأننا فرشنا الخيمة فأصبح اللحاف أطول من السيقان

أفكّر في كتابة قصيدة على الطريقة القديمة
بسطور قصيرة ومكوَّمة كأطباق بعد المأدبة
وأن أقف أمامها كعمود مكسور وأنا أردِّد أغنية فرنسية حزينة
كما تفعل امرأة مهجورة تغسل المواعين بعد يوم طويل
«من يملك الحق؟ من يملك الحق»؟ *
***

في زمن الحروب النائمة
حيث تُفتح الأبواب والشبابيك على آخرها
فيصبح المارّة لطفاء وحسّاسين أكثر مما ينبغي
يتبادلون الابتسامات ويلقي بعضهم على بعض تحيّة الصباح كقنابل مسيّلة للدموع الخفيفة
خبّأت القصائد في صندوق خشبيّ قديم كما تخبّئ العجائز الحلوى لأحفاد لا يأتون
كنت أحبّ كلمة «قديم»، وحين أشعر بالضجر أنزع منها حرف الياء فتستحيل قدمًا خشبيّة أتقدّم بها ببطء داخل الأسطورة
هذا وكنت قد فقدت قدمًا في حروب ماضية
أترك حرف الياء قصيراً ووحيداً كذيل مبتور أو كقصائد تذوب بسرعة وننسى طعمها
فيمدّه الألف الذي يمرّ دائماً مصادفة كبداية الأشياء
حين يقف أمامه دون قبّعة كمن يقف أمام جثّة طازجة
ألتقطهما بلساني الطويل وأنطلق بقدمي الخشبيّة وأنا أنادي على بقيّة الأقزام واللصوص الطيبين والأميرات المسحورات والضفادع المسحورين والأحفاد الذين لا يأتون
فلا يأتي أحد
غير أنّني ودون أن ينتبه أحد أيضاً
أوقظ الحروب النائمة فتُغلق الأبواب والشبابيك
ويتبادل المارّة الشتائم والبصاق كقنابل كيماوية
وتهوّم القصائد على وجهها خلف قناع من حبر أسود
فأعيد حرف الياء إلى كلمة «قديم»، وأستند إلى الألف الذي مرّ مصادفة كبداية الأشياء
لأصل بسلام إلى الصندوق الخشبيّ الذي أعود إلى النوم بداخله
ريثما تنتهي الحرب بين الأمراء واللصوص
وبين الأميرات والساحرات وبين الوحوش والخراف
وريثما يولد الأحفاد
وتعود القصائد
إلى مخبئها
***
هو لم يمت
لقد تخلّص فقط من جثّته
ونجا بجلده كما يفعل أيّ قاتل محترف
جلده الذي ظلّ ناعماً وخالياً من الشَّعر
وبندبة طويلة على إحدى ساقيه خلّفها حادث سير قديم جنّبه المشاركة في الحرب
لكنّه لا يزال مطارداً بالصلوات وبالأدعية وبسيرته التي تتناولها الألسن
وبصوره التي نضعها من حين إلى آخر إلى جانب صدقات كبيرة نمنحها لغرباء نشتبه بصلتهم به
فنطمع في أن يتعرّف إليه أحدهم ويشي بمكانه
مقابل مكافأة مغرية
***
سيصنعون من صور البروفايل التي نغيّرها كلّ يوم ونلتقطها بكاميرا تليفونات رخيصة متحفًا لمسوداتنا النادرة
سيضعون الصور المضبَّبة خلف الزجاج إلى جانب قُصاصات صفراء مكتوبة بخطّ غير واضح لكي لا تعبث بها الأيدي الفضوليّة
وفي أغلب الأحيان، لن يعثروا على أيّة قُصاصات صفراء مكتوبة بخط غير واضح
فمعظم مسوداتنا نكتبها على صفحة الفيسبوك only me ونوصدها بقفل
أو نرميها في ملفّات مبعثرة على الكمبيوتر، لا مكان لها في المتاحف التي تفوح منها رائحة قديمة
قد يضعون تحت الصور أو إلى جانبها تاريخ وساعة نشرها، وربما عدد اللايكات والتعليقات
لكنّهم لن يكتشفوا أبدًا الوجه الذي كنّا نحاول كتابته ونحن نلتقط كلّ يوم صوراً رديئة
كشاعر يملك الموهبة ولا يعرف من اللغة سوى أبجديتها،
نجرّب ابتسامات مصطنعة وديكوراً مثالياً نقتطع منه حافّة السرير غير المرتّب
والغبار الذي يزيد عمره عن عشر سنوات وأرضيّة الغرفة المتّسخة التي وطئناها بأحذيتنا
حين عدنا إليها على عجل وقد نسينا مفتاح الباب أو السيارة،
لن يكتشفوا أبداً وجه الشاعر
الذي كان يصحّحه بالقصائد
ويمحوه بالصور.
..........................
* الجزائر