الملحق الثقافي

عندما قتلت أبي **

عبير إسبر

لقد قتلت أبي.
قد يبدو هذا مجرّد هذيان فرويدي، لكنه حصل. كنّا نصعد درج البيت بعد عودتنا من معاينات طبّية استهلكت صباح يوم الأربعاء كلّه، الحرّ في الشّام لا يطاق، والضجيج الزاعق يحثّك على ارتكاب جريمة كبرى، علّها تطغى على صخب مدينة تذوي مختنقة بصيفها الدبق.
كان يجب عليّ كي أنهي كلّ ذلك، أن أقتل أبي، وقد فعلت، مدّ يده الخرفة إليّ، وبنظرات تائهة لمريض ألزهايمر، انتظر أن أمدّ يدي وأشدّه لينتقل إلى الدرجة التاسعة من سلم منزلنا في الطابق الخامس، لكني لم أفعل، بقرار صاف، سحبت يدي قبل أن يمسكها، التقط أبي الهواء، ثم هوى بثقل رجل سبعيني على ظهره بارتفاع درجات تسع، نزفت أذنه اليمنى دمًا قاتمًا بحجم قبضة يد، وغاب.
استمرت غيبوبته أربعين يومًا مثل شهداء الكنيسة قبل تطويبهم قديسين، ثم مات دون أن يستطيع الإفصاح عن قاتله، أو قاتلته التي هي أنا.
أنا عبير إسبر ابنة أبي إبراهيم إسبر، قتلت دون ندم الأستاذ الحقوقي الخرف إبراهيم إلياس إسبر صباح يوم الأربعاء 13 من شهر آب عام 2006.
عندما قُبض عليّ في مطار بيروت في صيف 2012، قُبض عليّ حينها للأسباب الخاطئة، ظننت لوهلة أنّه آن الأوان بعد ستّ سنوات، كي أسدّد حساباتي تجاه العدالة، وأنّ أبي بطريقة ما، أرسل من عالمه الآخر دليلًا يشير إلى قاتله، يشير إليّ مباشرة، لكن هذا لم يحدث. فقد اُحتجزت كما أخبرت لاحقًا لإيوائي مجرمًا هاربًا من سوريا، وتهريبه إلى ألمانيا بوثائق مزورة، ولحملي بعنجهية ولامبالاة خمسين ألف دولار في حقيبة يدي باهظة الثمن، القطعة الوحيدة التي احتفظت بها من ميراث أمّي، وصلتها حقيبة اليد تلك هدية من ابن خال لها مقيم في باريس، لطالما تحدّثت أمّي عن «الحقيبة»، بمناسبة وبغير مناسبة كانت ترمي اسم «بيركن» في أيّ حديث لها عن الموضة، وتوضّح أنها من أوائل من حمل هذه الحقيبة التي بدأت دار إيرميس بصناعتها في العام 1984، وهو ذات العام الذي قرّر فيه أبي أنه سيطلّق الجميلة زوجته التي طالما أحبّها ولم تحبّه.
عندما بدأتُ بكراهية أبي بشكل جاد، كنت أنا بدوري أرمي في أحاديثي معه مفردات تتعلّق بباريس والأناقة، والغنى ومعنى الرفاهية، وكوارث الزواج من الرجل الخطأ، الرجل الفقير، الجلف، الفاشل، الفلاح، المعتقل السابق، واتحدّث باستفاضة عن أبناء الأخوال الوسيمين، ويغيب أبي بذاكرته وأراقب بتشفٍ ملامحه المتوجّعة من الذكرى، وأرى نظراته الحاقدة تجاهي، أنا التي حملت ملامح أمّها بفجور، ويرنّ في أذنيه وفي روحه المنهكة صوت أمّي متحدّثة عن ابن خال لها، باريسي الذوق، بهدايا غالية ووسامة آخاذة وكرم فاقع، سمحوا له براحة ضمير أن يغوي ابنة خالته التي يشتهي، بهدايا مدوّخة ووعود بسفرات لا تنتهي، مستنكراً زواجها من ريفي متبجّح بتفوق دراسي لا معنى له، فالحقوقي الفذّ أبي كان فقيراً وظل فقيراً، أغلى ممتلكاته كانت بستان تفاح، أبقته فلاحاً طوال عمره الذي أنهيته أنا.
في مطار بيروت، عند نقطة التفتيش الأخيرة، وموظف المطار يهمّ بختم جواز سفري وهو يسألني بلطف عن عملي، وهل أنا مشهورة؟ ضحكت بزهو وغموض متكلّفين، كي أُضفي أهمية على ما أفعل، وأنا أهمس بخفّة كاذبة أني لست ممثّلة كما يظن، لديّ فقط شركة إنتاج تلفزيوني، وأعمل حالياً لإنتاج مسلسل رمضاني، من ذاك النوع السوري «الغنّوج» الذي فتن المشاهدين العرب في السنوات الأخيرة، لم أخبره عن ثلاث روايات نشرن باسمي، فذكر الكتابة الرصينة، قد يثير الكآبة والإحباط، وأنا أردت إثارة اهتمامه بشيء حداثي، لأنه كان وسيماً بشكل لافت، وكنت أزحف بثقل غريب في روحي تجاه الأربعين.
...................................................
مجتزأ من رواية قيد الكتابة.
* سوريا - كندا
** عنوان أغنية للمطرب الفرنسي «باتريك برويال».