الملحق الثقافي

أيقونات الجمال المعماري

قلعة الجاهلي في العين.. عناق الجماليات المعمارية والفنية

قلعة الجاهلي في العين.. عناق الجماليات المعمارية والفنية

د. رفيقة بن رجب

ماذا يعني هذا المصطلح يا ترى! ماذا تعني ثقافة القلاع والحصون؟
سوف نفرق معجمياً بين المفردتين، وإن كان معناهما واحداً تقريباً. يقول ابن منظور صاحب لسان العرب: «القلعة الحصن الممتنع في جبل وجمعها قلاع، وقلع، وقلع» . «الحصن كل موضع حصين  لا يوصل إلى ما في جوفه والجمع حصون».

سوسيولوجياً، تعد ثقافة الحصون والقلاع منعطفاً حضارياً بكل تجلياته التي أصبحت رمزاً للإبداع بكافة أبعاده الجمالية، ووظائفه الدلالية؛ فبناء تلك العوالم التاريخية، خلقت وجوداً لا يمكن أن تترجمه العين بالتحديق والرؤيا فحسب، بل لابد من مساهمة المشاعر الذاتية الرفيعة؛ لترسم لوحة فنية؛ وتؤسس عوالم المدركات الإبداعية التي تحويها  تلك الحصون، وتحاول اختراقها بجسارة حتى تتجاوز سديم الرؤيا المعتمة، وتسمو صداحة بداخلها بحيث تتمكن من سماع صدى الصوت عالياً رناناً. فهو يناديك؛ ليعلمك أن القلاع ما عادت تقف عند اعتبارها معلماً سياحياً تتهافت عليه الوفود من كل حدب وصوب؛ للاستمتاع به والتعرف عليه كعلامة تاريخية، بل هي أخطبوط  يحمل على كل ذيل غاية تجعلنا ننظر إليها بفخر وإباء. إذ أن تنوع تلك الممارسات بين ثقافية واجتماعية وفكرية وسياسية؛ يستهوينا للغوص في أعماقها لأنها ما فتئت تقدم تلك الصور النمطية؛ لكي تتعايش مع العوالم الأخرى لإبراز الدول المولدة التي تسمو بها إلى عالم الحلم الواسع، الذي تتدفق منه الانفعالات المسكوت عنها دون توجس أو رهبة.     

أغراض ونوايا 
وبالرغم من أنه لا يمكن قراءة القلاع والحصون ضمن قالب مثالي بشكل نهائي، إلا أننا لن ننكر دورها الريادي في تحصين الكثير من الأمم من الاستيلاء والنهب والاستلاب وتطبيق نظام الحماية والمنعة والتحصين التي اضطر فيها أصحابها إلى تبني هذا المشروع الضخم؛ لعدة نوايا ضمنية وعلنية في آن واحد، حيث دعت إليها الحاجات الإنسانية والاجتماعية والسياسية؛ لتضمن لنفسها الأمن الداخلي والخارجي.
وقد بذلت جهوداً جبارة؛ لتفعيل وتوظيف تلك المعاقل. فهي الملاذ لمن لا ملاذ له والحامية للمدينة المقام فيها. 
وليكن معروفاً لدى الجميع: إن مثل هذه المنظومة المعمارية لم تقتصر على هذه الجوانب المقرونة بالحماية  والأمن فقط، بل هي نسيج عمراني تماهت جنباته وجدرانه مع الذوق الجمالي الذي تمخضت عنه  مضامين عدة لا يمكن حصرها في تلك القيم الأمنية منذ أقدم العصور.
وما شيدت هذه القلاع والحصون في بداياتها، إلا لصد اعتداءات وأطماع متوقعه وخير وسيلة للدفاع هو الهجوم حسب العرف السائد، ومن ثم فهي انعكاس للفكر الأيدلوجي الحضاري الذي يحمل قيمة فنية عميقة جدا تستوعب كل التصاميم الجمالية، التي تعد حصيلة ذاك الفكر المتقد و الحاضن لكل الطاقات الإبداعية. و بمهارة تقنية وصرامة قوية شيدت تلك القلاع و أصبحت مادة غنية للفنانين والمبدعين على وجه الخصوص، مما نشهد له بالتألق و البروز في كافة المناحي والمجالات.
وهنا أتساءل: هل الاختباء وراء تلك المعالم يعني إشاعة الفزع والرهبة في ظلمة الكون و أمواج البحار العاتية هروباً من شيء ما؟
هل اختيارها للاختباء يعني تحدياً وتمرداً داخلياً مازال يعشش في أعماق مرتاديها ؟
هل نصنفهم في دائرة الخيار الضيق مادامت غاياتهم وأهدافهم ليست مستقرة على حال؟
إن ظاهرة تشييد هذه المعالم: هي فعلا مشروع حضاري ثقافي سياسي، تحمل مفرداته أسراراً لا تقف عند زاوية واحدة ولا مؤشر واحد، فتوظيفها يعني تفعيل تقنية غاية في الأهمية والخطورة ؛لأن فوق متنها عاشت مئات الحكاوي اللافتة التي ألهبت حماس متتبعيها، وأسرت قلوب الجميلات من نساء الطبقة المخملية اللاتي تركن قصورهن الفخمة للاختباء بين جدران تلك القلاع. وقد أفرز المجتمع آنذاك تراكمات سوسيولوجية خطيرة طبقاً للتقاليد والعادات التي تؤمن بها مجموعة من الشرائح المجتمعية المتباينة وتحقق الالتئام الوحيد بامتلاك القوة والسيطرة من خلال النسق القرائي والمعرفي. والأمر ما عاد يسيراً على الإطلاق، فإن لهؤلاء لغة خاصة بهم، ولهم بناء أثر على طباعهم ونظام حياتهم وطرق التعامل مع الآخرين؛ خاصة وأنهم قد تأثروا بقوة وصلابة تلك المعالم التي لا تتزحزح من مكانها وزمانها، فهل يا ترى هناك حلقة مفقودة قد واجهوها أثناء عملية التشييد؟.

خزانات الحكايا
لقد اختزنت في أفقها كنوزاً من القصص والنماذج الغريبة، التي أثرت وبشكل مباشر على المشاعر والأحاسيس، خاصة في المناطق المتاخمة إليهم، فهم يحملون في أجوافهم مرارات وجراحات وهموما حفظت في ذاكرتهم التي جسدت الصراع مع ذواتهم وفق نسق يناشد التغيير والتجديد، والشواهد كثيرة على تلك الملاحم البطولية، لرجال بذلوا كل ما لديهم في سبيل إقامة وتشييد الحضارات، وسجلوا من خلالها أعظم الأمثلة ؛ لاحتضان الحراك الأدبي والجمالي والفني عبر المساجلات والمناظرات التي تباينت مؤشراتها من زمن إلى آخر، دون الثبات على منظومة واحدة. فهي في ديناميكية دائمة رغم رسوخها وتجذرها وقدرتها على الاحتفاظ بمعايير جمالها الهندسي دون تغيير رغم مرور مئات السنين.
وقد تفاعلت الكثير من الأجناس مع جمالية القلاع المعمارية، وتمازجت أفكارهم مع العديد من القضايا التي اكتنفت هذا العالم الشاسع ؛ لتتواكب مع المتطلبات الحياتية وتتفاعل معها طبقاً للظروف المحيطة على مستوى الخليج والإمارات خاصة، ومن أبرز حصونها وقلاعها التي شيدت منذ القدم بغرض الدفاع عن أمنها واستقرارها، إضافة إلى أغراض أخرى قصر الحصن في أبوظبي والذي ظل سكناً للحاكم وعائلته آنذاك فترة من الزمن/‏ وحصن الفهيدي الذي تغيرت مسمياته من مقر للحكم إلى مستودع للذخيرة إلى مكان للسجن وأخيراً خصص لأن يكون متحفاً فنياً رائعاً.
ومملكة البحرين مثال آخر، لقد اهتمت بهذا الإرث اهتماماً وضعها على الخريطة الدولية، إذ استوفت  الشروط لتكون ضمن قائمة التراث الإنساني. وباقي دول الخليج لا تقل عن هذا الاهتمام خاصة دولة عمان التي تعد المعاقل والحصون فيها علامة مميزة. إضافة إلى حصون ومعاقل أخرى في دول الخليج لا يتسع المجال هنا لذكرها، وإنما إعطاء بعض الأمثلة للتمثيل عليها فقط.
إن هذه القلاع تعبر عن الذات إقرارا بقيمتها الاستشرافية، التي تمثل فضاءات الرؤية عبر وظيفتها المجازية، فهي تعتبر الأكثر تأثيراً في جمالياتها الوظيفية، وفي استشراف تلك الأمجاد التي  تعزز ابستمولوجية العقل في تشييد المساحات الهندسية، مما يجعلنا نقف أمامها مشدوهين باعتبارها رمزاً للفن والإبداع.
إن جمالية التذوق الفني لكل عمل بذلت فيه تلك الجهود الجبارة في العمارة، مقارنة بالزمن الحالي، لهو أمر يدعونا للاستغراب والدهشة والاعتراف لهؤلاء الأشاوس بالألق؛ وعليه لابد أن نقر بأن ذاك الجهد الأسطوري الذي تملكهم أثناء التصميم، لهو مفتاح الخطاب التخييلي أولا، وإرساء المنجز الإبداعي ثانياً، ولنقل إن تلك التجربة القاسية والمميزة بكل إشكالاتها، قد ساعدت على إعادة الرؤيا داخلها؛ لتطبيق مشروع مساهمة الإنسان المبدع في ذاك الإحساس الدؤوب، الذي يمثل عمق تلك التجربة بكل إصرار وثبات.
إن الحديث عن الذات بكل هذا السمو ؛لاستجلاء ملامح البنية الخطابية و الدلالية المرتبطة بهذا الإرث؛ وفقاً  للتطلعات وحركية التأمل في تلك المعالم، تحمل شحنة من الاتساع المترامية الأطراف بطريقة غريبة، تستغرق التحديق أمام تلك المباني الشاهقة؛ للوصول إلى سر من أسرارها الخفية ؛ فيتشاكل حينئذ منجز الهندسة و الإعمار بمنجز الجمال والإبداع وتلك قمة الحضارة.
و هذا كله يعطينا الدافع القوي؛ للتمكن من جس النبض، وملامسة الصورة والنبش في خطوطها، ولكن بعيداً عن نسقية البناء التي ربما تبعدنا عن القراءة الجمالية لتلك الحصون.
إن أيقونة تلك المعالم الراسخة في الأعماق أولًا، وفي العقل المنتج ثانياً، قادرة على دعم ذاك الإرث  الحضاري الضخم الضارب في أعماق كوكبة من الفنانين والمبدعين والشعراء، الذين لم يضيعوا فرصة للاستمتاع بتلك المعالم، والتعبير عنها تعبيراً يتناسب مع ضخامتها، وعلو قامتها، وسمتها وشموخها الرائع، الذي يحمل بداخله تركيبة أيدلوجية لذاك المعمار المورفولوجي الهائل، الذي يشير إلى زوايا يمكن من خلالها العزف على أوتار القلوب والعقول المشأربة في الاتجاه إلى تلك القلاع والحصون برغبتها الخاصة دون الضغط عليها، فالشغف نابع من الأعماق والرغبة في البقاء بين ثنايا تلك المعالم ؛شوقا يراود جميع المهتمين بتلك المنعطفات الجمالية، وتلك مقتضيات  تستحضر هويات الأشخاص والأمم الذين ينتمون إليها . حتى بات الربط بين القلاع والحصون و بين الإبداع والخيال متماهياً إلى أبعد الحدود، فكلاهما ينتميان إلى الفن الحضاري لهذه المعالم.
وأختم بالقول إن لتلك الحصون والقلاع في القلوب هزة نفسية رهيبة، ولها منزلة كبيرة، في صورتها المضيئة التي ربما لا تلفت النظر للوهلة الأولى لأن منظور الجمال يحتاج إلى فترة تأمل، وذلك لاستيعاب  تلك المحطات و مناجاة الروح الخفية وراء شموخها اللامتناهي.
فنحن أمام رؤيا جدلية  بين منظورين: الجمال في صورته الخفية، والبناء والعمران في صورته العلنية، والفاعلية الجمالية لهذين البعدين تفجر في أذهان المهتمين بهذه القضايا انعكاسات و تأملات مركزية ؛ تؤكد على المنهج السيكولوجي والتاريخي الذي بات قادراً وبكل ثقة على تبني ذاك المشروع الريادي العظيم بكل فخر وتحد.

إنجاز الأشاوس
إن جمالية التذوق الفني لكل عمل بذلت فيه تلك الجهود الجبارة في العمارة مقارنة بالزمن الحالي، لهو أمر يدعونا للاستغراب والدهشة والاعتراف لهؤلاء الأشاوس بالألق؛ وعليه لا بد أن نقر بأن ذاك الجهد الأسطوري الذي تملكهم أثناء التصميم، لهو مفتاح الخطاب التخييلي أولاً، وإرساء المنجز الإبداعي ثانياً، ولنقل إن تلك التجربة القاسية والمميزة بكل إشكالاتها، قد ساعدت على إعادة الرؤيا داخلها؛ لتطبيق مشروع مساهمة الإنسان المبدع في ذاك الإحساس الدؤوب، الذي يمثل عمق تلك التجربة بكل إصرار وثبات.

لقاء الفنون
إن الحديث عن الذات بكل هذا السمو لاستجلاء ملامح البنية الخطابية والدلالية المرتبطة بهذا الإرث؛ وفقاً للتطلعات وحركية التأمل في تلك المعالم، يحمل شحنة من الاتساع المترامية الأطراف بطريقة غريبة، تستغرق التحديق أمام تلك المباني الشاهقة؛ للوصول إلى سر من أسرارها الخفية؛ فيتشاكل حينئذ منجز الهندسة
والإعمار بمنجز الجمال والإبداع، وتلك قمة الحضارة.