الملحق الثقافي

«المنصور العلج» أطلس بوابات المغرب

إسماعيل غزالي

استأثرت الأبواب بقيمة مركزية في هندسة القلاع والقصبات والمدن المغربية، في أتون حكم الدول العظمى، من مرابطين وموحدين ومرينيين وسعديين وعلويين..
أبواب عملاقة، تتماهى وقوّة المعمار الذي يعلن سطوته في انتصاب الأسوار الضخمة، وسموقها أمام أي خطر يأتي من الخارج. سطوة المعمار هنا تتطابق مع سطوة اللحظة التاريخية.
تنفرد الأبواب بأثر فني خاص، فحدوثها كثغرة في الحصن، لا يضطلع بوظيفة الدخول والخروج، ودور الحراسة والتحكم في هويات الأجناس المحلية والأجنبية. الأبواب تضطلع بما هو مضاعف، إذ ليس من الاعتباط أن تكتنز فسيفساء باذخاً، وزخرفة مبهرة ونقوشاً متعددة البيان، وعلامات تضمر أشكال البديع الفني والصناعة الجمالية.
الباب ينتصب كحدّ تسكنه الحضارة بالمجمل، كأن الباب يحشد التاريخ في بيت شعريّ مفرد، تسكنه القصيدة المطولة برمتها.
الباب واجهة تكتنز غرابة العصر، تشهر عنف البلاغة بقوة للملأ، فتدهش عين الرائي، وتستفز آلة تخييله إذ يتساءل: إنْ كان الباب وحده يقف كأثر لعتبة فنية مذهلة وشاهقة، فكيف هي الحياة خلف هذا الثغر المريب، في كل رحاب القلعة أو القصبة؟
قد لا تكون الأشياء التي تختفي وراء الباب، بحجم روعته وإبداعيته وشموخه، قد لا تكون القصور ومرابض الخيول والسجون والأضرحة والمدارس العتيقة والحمامات والبساتين والقصبة برمتها ووو... إلخ، التي تتوارى خلف الباب، مبهرة بالضرورة، فيكفي أن يكون الباب هو موجز العظمة، وجامع صنوف الإيحاء لتلك الجمالية العجيبة.
تكاد مدينة مكناس، تسكن باب «المنصور لعلج»، وإنْ كانت خارطة جمال المدينة موزعة في لوحات وأيقونات وأماكن لا تقل إبهاراً، غير أن باب المنصور العلج، يستأثر بجماع هندستها، ويتقدم كعنوان باذخ لكتاب فرادتها وغرابتها.
لم تكن مكناس في عهد المولى إسماعيل عاصمة مغربية وحسب، بل أيقونة معمارية أفريقية ومتوسطية، سامقة ومثيرة، ضاهت هندستها المتاهية، قوة وسحر هندسات مدن تاريخية ذائعة الصيت، إلى درجة تشبيهها بفرساي لويس السادس عشر.
باب المنصور لعلج لا يوجز سحرية وأسرارية المدينة وحسب، بل فيه يتوارى موجز تاريخ المغرب لحظتئذ، ما يجعله سلطان الأبواب المغربية، هندسة وفناً وتاريخاً..
نقرأ في كتاب «إتحاف أعلام الناس، بجمال أخبار حاضرة مكناس» لابن زيدان عبد الرحمن بن محمد السجلماسي، عن باب المنصور العلج، المعروف قديماً بباب القصبة الإسماعيلية: (وهذا الباب أبت الأقطار المغربية أن تعززه بثان، فهو وحيد الحسن بين أترابه، أنشأ تجديده عام أربعة وأربعين ومائة وألف، وشاهد ذلك ما هو منقوش في زليج أسود بخط مشرقي بارع، في أعلى ذلك الباب ولفظه: (...)
طلعت مطالع سعدها أبراجي/‏‏ وأضاء في فلك الجمال سراجي
وحللت من أوج المعالي صهوة/‏‏ تسمو على الصهوات والآراج
(...)
فانظر وقس ما غاب عنك بما ترى/‏‏ هذا قياس صادق الإنتاج
هل ورخت مثلي (دمشق) أو وشت/‏‏ صنعي يد صنعاء في ديباجي
أم خصت الإسكندرية بالذي/‏‏ يصفون من عمد ومن أزاج) (ص 230,231).

ودمشق حروف تشير إلى سنة 1144 هجرية الموافق لـ 1732 ميلادية، زمن تأسيس الباب (د. م =40 ش =1.000. ق =100 ومجموع الكل هو: 1144)، وكلمة «العلج» المضافة للباب، هي لقب مهندسه، وعليه فالباب أسس في أواخر القرن 17 على يد السلطان المولى إسماعيل، وأكمل بناءه أو جدده ابنه مولاي عبد الله.
ثمة قصيدة من ستة عشر بيتاً منقوشة كشاهدة على نصب التحفة المعمارية، تؤرخ للصرح الهائل وتشهر في بيان صرف مفخرة الهندسة والعصر.
هنا يتعالق الشعر والمعمار، وكأن الأثر المدهش للبناء العجيب، لا يكتفي بأن يكون قصيدة باذخة الطراز والغرابة، فيمهر في حاشية صقيلة من حواشيه، بلاغة شكله وصرحه بأبيات من الشعر، حتى يكتمل جماع الفن ويؤالف بين ضروب إبداع لحظته التاريخية.
شموخ أثر باب المنصور، لا يقتصر على ديوان أبواب مدينة مكناس وحدها، الأبواب التاريخية التي يزيد عددها عن العشرة مثل باب الخميس وباب مراح... بل يشمخ كأطلس لبوابات المغرب قاطبة، وينفرد بتاج مراتبها أمام أبواب ذائعة الشهرة، خاصة أبواب فاس والرباط ومراكش.
إن كانت عظمة تاريخ الأمم تقاس ببديع حضارتها وقوة سلطتها وتميز علومها وجمال فنها وتنوع مطبخها وفرادة أزيائها...إلخ، فيمكن الوقوف بإمعان عند جوانب من أثر هندسة هذه الأمم المعمارية، لاستقراء واستبطان موجز تاريخها الذي يضمر كل تلك العلامات السالفة الذكر، ولن نجد أفضل من الأبواب أيقونة للغوص في تخوم ومتاهات عصرها. فالأبواب الضخمة لا تكشف عبر علاماتها مضمر المدن والدول وحسب، إنها تخفي مرايا لوجوه ناسها، كما تترف في خباياها بالأبواب العادية لمنازلها.
لا شيء يمنع الواقف على باب المنصور أن يسمع الموسيقى الغريبة المندلعة من صرحه الباذخ، موسيقى سمفونية تتماوج بكل صخب القرن السابع عشر، صخب أصوات الذين شيدوا الباب والذين عبروه والذين تقاتلوا في صلبه أو جواره والذين جاؤوه من شتى الأصقاع... أصوات لهسيس النساء ورنة الصبية وحفيف الأثواب وقرقعة حوافر الخيول والدواب وصرير العربات وجهورية حناجر الرجال ونداءات العسس وصدى الأقدام وضجة المواكب واختلاف اللهجات...إلخ.
ومع الموسيقى، يتوازى نهر آخر متفجر من الباب نفسه، نهر أطياف متخيلة، هي أطياف الوجوه التي عبرت الباب، فاحتفظ الباب بأشكالها وألوانها وأجناسها، ودمغها في كيميائه السرية، وخلدها وأبّدها، فتواشجت في جداريته كلوحة خرافية، متخيلة، لا يمكن لغبار الزمن أن يواريها أو يحجبها، كما لا يمكن لآلة النسيان أن تطويها وتمحوها.
تلك هي لعبة الهندسة ومكرها العجيب والمريب.