الملحق الثقافي

مي آل خليفة: أرسم في الاجتماعات المُملّة!

حوار: ثناء عطوي

ليست الشيخة مي آل خليفة وزيرة ثقافةٍ ورئيسة هيئاتٍ ومراكز عربيةٍ ودوليةٍ فقط، وإنما تنشغلُ بسيمياء المدينة وهندستها، وإنتاج الاستثناءات التي بَرَعت فيها، كي تكون البحرين مُقيمة في الأركيويوجيا، وإعادة تشكيل وجه المدينة بريشتها الخاصّة، واقتراحاتها الفنّية الرفيعة، فهي الشريكة في هذه التجربة منذ 15 سنة، تجربة حوّلت عاصمة اللؤلؤ إلى فضاءٍ مُزهرٍ بالفنون وألوانها، إلى مشاريع مُذهلة تفوّقت على ما يمكن أن نتخيّله، وأصبحت البحرين في سنوات قليلة، عقداً مرصّعّاً بالمتاحف والمسارح ودور الموسيقى والعروض والتشكيل وغيره. ولم تهدأ الشيخة مي، منذ أن اعتنقت هذا الموقف الثقافي، لم تتوقّف إلى حدود الاندماج بين شخصها الحقيقي وشخصية المدينة، حتى أصبحت هي نفسها تعبيراً عن هذا البعد الثقافي والجمالي، وأصبح للبحرين اسم مُوحٍ هو «بنت البحرين».
رئيسة هيئة البحرين للثقافة والآثار، ورئيسة مجلس أمناء مركز الشيخ إبراهيم آل خليفة للثقافة والبحوث، ورئيسة المركز الإقليمي العربي للتراث العالمي التابع لـ«اليونسكو»، الشيخة مي آل خليفة خصّت «الاتحاد الثقافي» بهذه المقابلة:

* أنت كاتبة قبل كلّ هذه المواقع التي تشغلينها، تُنتجين فكرياً وثقافياً، وفي رصيدك إصدارات وكتب في مجال التاريخ، وهذا أمر لا يعرفه عنك الكثيرون. كيف تُلخّصين إنتاجك الفكري، وكيف تقدّمين نفسك ككاتبة قبل أيّ شيء؟
- لقد أهملتُ هذا الجانب الخاصّ بالكامل، للأسف، فأنا لا أتحدث عن كتبي، ولا حتى عن لوحاتي، خصوصاً أنه كان لديّ اهتمامات بالرسم، وتحديداً البورتريه ورسم الوجوه. وفي حوزتي سبعة كتب، بدأت أولاً بالسيرة الذاتية لجدّي الشيخ إبراهيم آل خليفة، بعد أن انتقلَت إلى عُهدتي الكتب الخاصّة بمكتبته، وكان من بينها رسائل أصلية بخطّ أصحابها، تؤرّخ لمسيرة البحرين الحديثة، وتُغطّي فترات كانت مجهولة من هذا التاريخ أحياناً. وعبر هذه الرسائل استطعتُ أن أقدّم أول بحث يتناول شخصية جدّي، من خلال مجموعة من روّاد التنوير في الوطن العربي، وليس في هذه الجزيرة فقط، حيث كانت لجدّي مراسلات مع أمين الريحاني وعبد العزيز الثعالبي والمنار في مصر، وكان التواصل معهم ثقافياً ووطنياً، وكانوا مُنشغلين بهمّ أمّة ووطناً عربياً، وليس بالأمور الضيّقة. وتضمّن الكتاب الرسائل الأصلية التي كانت المصدر الأساس لعمل تاريخي توثيقي يتناول شخصاً من خلال دوره في التعليم النظامي، ومن خلال المجلس الأدبي الذي أسّسه، واستمرّ حتى اليوم، ليكون مركزاً للثقافة والبحوث، ويشهد لقاءات ثقافية أسهمت في زيادة المعرفة، وعزّزت التواصل مع المُنتج التاريخي.

* تجتهدين كي تكون البحرين مقيمة في الأركيويوجيا، حيّة ومسكونة بالتاريخ المعاصر، ومشاريعك جعلت من البحرين مدينة موحية،
لا بل فريدة في محيطها العربي، ما الدافع وراء كل هذا الشغف؟
- هذه البداية أهّلتني للموقع الرسمي والعمل العام، ومن الرسم والبحث التاريخي. فبدأت بتأسّيس مركز الشيخ إبراهيم سنة 2002، في محاولة لإعادة إحياء المكان ومساءلة ذاكرة المدينة، فهو الموقع ذاته الذي هجره ساكنوه، وهو الذي شهد هذا التجمّع وهذا الحراك الثقافي في بدايات القرن الماضي. ويشهد هذا المشروع في 12 يناير 2017 اكتمال 15 سنة على تأسيس مركز الشيخ إبراهيم للثقافة والبحوث، ومن المقرّر أن تكون هناك احتفالية على مدى ثلاثة أيام تشهد حفلات موسيقية، ومهرجانات الشارع الفنّية «ستريت فستيفال»، وهو الشارع نفسه الذي يشهد تطويراً، وأعتقد أن الثقافة مهمّة الجميع، وليست حكراً على المؤسّسة الرسمية وحدها.

* البُعد الثقافي ميزة البحرين، والثقافة رصيد هذه الدولة، وأنت تعبير عن هذا البعد الثقافي، إذ لا نستطيع أن نرى الشيخة مي خارج البحرين، ولا البحرين من دون الشيخة مي آل خليفة. إلى أي حدّ هذا الأمر صحيح؟
- لدى البحرين خصوصيّة ثقافية. وهذا البعد الثقافي يجعلها فريدة في محيطها العربي، وأنا لا أتنفّس ولا أعمل إلّا في هذا الوطن الصغير. ومُهمّتي الأساسية الترويج له والمحافظة على تراثه، وعلى المكتسبات التي تراكمت فيه منذ سنوات. ونحن نتحدث عن رُقعة جغرافية صغيرة، لكن عمقها التاريخيّ يمتدّ إلى 6 آلاف سنة، وحضورها الثقافي بحجم مملكة مُترامية الأطراف. وهذا ما أراه في هذا البلد، ويُحزنني أن لا تكون الثقافة هي الأساس في الترويج للبحرين، فاليوم مثلاً أقرأ رواية لآذار نفيسي «جمهورية الخيال» تتحدّث فيها عن كُتّاب الرواية في أميركا، وكيف انجرف البعض إلى اعتبار الصناعة والزراعة وغيرهما من الأمور الأساسية، ونسوا العمق الثقافي الأساسي لهذا البلد، فالأوطان تُعرّف بهويّتها الثقافية وبما يميزها في الفلسفة والتاريخ والفكر والفنّ.

* لديك دقّة في الاختيارات، واهتمام فائق بالبعد الفنّي واللّمسات المثيرة للدهشة غالباً، ماذا عن الاهتمام الخاصّ بالبُعد الجمالي لمشاريعك؟
الجمال قيمة عالية، وواجبنا أن نُنمّي الذائقة البصرية للمواطن، كي يعرف الفرق بين ما هو سائد وما هو خاصّ. والخصوصية لا تأتي في البذخ، وإنما في النوعيّة والتجديد. وما يُحرّك أيّ إنسان للعمل هو الحب، ومن دون هذا الحب لا نستطيع أن نعطي، فهو طاقة إبداع، والثقافة مقاومة، وحبّ الأوطان هو ركيزة أساسية للتطوير والتغيير. وأعتقد أن مساحة الحرية في المجال الأهليّ أكبر، وتتطوّر بشكل مثمر في بلد الشيء الرئيس فيه هو الثقافة، وأحاول دائماً أن أنبّه، وأوعي المسؤولين إلى أن ما نملكه من إرث تاريخي هو ما يستحقّ منّا بذل الجهد الأكبر، لكي نجعل من هذا البلد موطناً متألّقاً بالثقافة والجمال.

*-طريق اللؤلؤ في منطقة المحرّق هو مشروعك الأهمّ الذي تسعين إلى جعله علامة فارقة، وأثراً إنسانياً مميّزاً، ما الذي تريدين تحقيقه من هذا المشروع؟
- ستكون المحرّق عاصمة للثقافة الإسلامية، وهناك مشروع طموح كبير تحت مسمّى «طريق اللؤلؤ»، هو عبارة عن متحف مفتوح، يمتدّ إلى 3 كيلومترات، وقد أُدرج موقع «طريق اللؤلؤ» على قائمة التراث العالمي لليونسكو سنة 2012، ويمتدّ الموقع من هيرات اللؤلؤ بالقرب من قلعة بوماهر، التي تعود إلى العام 1840 ميلادية، وصولاً إلى بيت سيادي في قلب محافظة المحرّق، التي تعتبر المتحف الرئيسي للؤلؤ.
وسيتمّ استكمال البنية التحتية الرئيسيّة لهذا المشروع عام 2018، وسيكون فريداً من نوعه، ووجهة للسياحة الثقافية، فهو يجمع بين التراث البيئي والتاريخي، وكلنا نعرف جودة اللؤلؤ البحريني العالية، التي تنتج عن ضحالة المياه وشدّة ملوحتها، وضعف التيارات البحرية وندرتها، والتي تشكّل بيئة خصبة لتكوّن الشعب المرجانية وتشكيل مغاصات اللؤلؤ.
وطالما كان اللؤلؤ عماداً رئيسياً للاقتصاد البحريني، ويُعتبر شاهداً على تاريخها القائم على هذه الصّناعة، ولا يزال اللؤلؤ هو البريق المتألّق للبحرين حتى هذا اليوم. نحن نتمنى أن نُعيد الألق للأحياء القديمة من خلال هذا المشروع، ولمن عملوا في هذه المهنة، سواء كانوا من كبار التجار أم العاملين فيها، وممّن قاسوا في استخراج اللؤلؤ، وصنعوا السفن التي أعطت للبحرين هذه السمعة العالمية. ونذكر هنا صاحب دار المجوهرات العالمي «جاك كارتييه» الذي جاء إلى البحرين سنة 1912 باحثاً عن اللؤلؤ المميّز في هذا البلد. ولدينا فكرة جميلة سننفّذها في أحد البيوت التي يضمّها مسار اللؤلؤ، إذ سنستضيف مجموعة خاصّة من مجوهرات المؤسّسة الكبيرة «كارتييه» في فرنسا، والتي استخدمت لؤلؤ البحرين في مصاغاتها، وعرضها للاستمتاع بجمالها وأناقة مصاغها، وليس للبيع أو لأغراض تجارية.

* ما الذي يمنحُ الشيخة مي هذه القوّة والشهرة؟ هل هي الكتابة أم المشاريع المميّزة، أم النسب أم البحرين نفسها؟
- الإيمان بما أقوم به، وحده، ولا شيء آخر، ليس نسباً ولا مشاريع، ولا كتباً. البعض لا يذكر أن في حوزتي سبعة مؤلّفات في تاريخ البحرين، والبعض لا يعرف عن المشاريع التي أنجزتها. إن قوّتي متأتّية من الحماس لدور البحرين ووضعها في مكانتها اللّائقة.
والحب هو سر نجاح أي مشروع صادق، وغير مرتبط بأيّ مصلحة شخصية، ولا طموحات سياسية، وإنما بإيمان عميق بهذا البلد.

* مشروع «نقل المعارف» يُضيف إلى المكتبة العربية معرفة وثقافة عالمية، ما هي فكرة هذا المشروع وأهميته، ولماذا باشرت به دولة البحرين؟
-هو من أكبر المشاريع التي نفخر بها، ونروّج من خلالها لهذا البلد الرائد في الثقافة والإنتاج الثقافي. والمشروع تحت إشراف عالم الاجتماع التونسي الطاهر لبيب، ويرتكز على نقل أبرز ما صدر في الخمسين سنة الأخيرة، وترك أثره في الفكر الإنساني. وأرى أن مشروع «نقل المعارف» هو مشروع في غاية الأهميّة، وخصوصاً في هذه المرحلة التي تتراجع فيها المشاريع الثقافية وتُهمّش، سواء لجهة الميزانيات أو الاهتمام أو التسويق والقراءة.

* ماذا عن الفن الحديث.. وهل لديك توجّه لتخصيص مساحة لهذا النوع من الفنون؟
- لدينا مشروع صمّمته الفنانة الراحلة زها حديد، فهي زارت البحرين سنة 2007، وقدّمت لنا تصميماً خاصّاً لمركز للفن الحديث سيتحقّق في السنوات المقبلة بإذن الله.

* هل لا يزال الرسم من بين اهتماماتك؟
- نعم أرسم في الاجتماعات المُملّة، أخربش كثيراً على الورق، أستعيد بحبّ ما رسمته لزوجي وآخرين من أفراد عائلتي.

في قلب المحرّق
أُدرج موقع «طريق اللؤلؤ» على قائمة التراث العالمي لـ«اليونسكو» سنة 2012، ويمتدّ الموقع من هيرات اللؤلؤ بالقرب من قلعة بوماهر، التي تعود إلى عام 1840 ميلادي، وصولاً إلى بيت سيادي في قلب محافظة المحرّق، التي تعتبر المتحف الرئيس للؤلؤ. وسيتمّ استكمال البنية التحتية الرئيسة لهذا المشروع عام 2018، وسيكون فريداً من نوعه، ووجهة للسياحة الثقافية، فهو يجمع بين التراث البيئي والتاريخي، وكلنا نعرف جودة اللؤلؤ البحريني العالية.