الملحق الثقافي

الجامعات.. رأس الحربة اليابانية

لوحة عن التعليم الياباني الذي يقود قاطرة الحداثة (أرشيفية)

لوحة عن التعليم الياباني الذي يقود قاطرة الحداثة (أرشيفية)

د.المؤمن عبد الله

لا شك في أن العلاقات بين اليابان ودولة الإمارات قد شهدت في الآونة الأخيرة تطوراً ملحوظاً، ليس في المجالين الاقتصادي والسياسي فحسب، بل صاحب ذلك تطور وتقدم وزيادة في فرص التواصل والاتصال المباشر على مستوى الأفراد والشعوب، بين كلا الطرفين الإماراتي والياباني، لكن، في الوقت ذاته، لا يمكننا إنكار أن عامل اختلاف اللغة والثقافة كان في بعض الأحيان بمثابة حاجز، وعازل رئيس في عملية تحقيق التفاهم المشترك، والإدراك الصحيح المتبادل، تجاه الطبيعة السيكولوجية والفكرية لكلا المجتمعين؛ لذا كان الاهتمام بعوامل التواصل اللغوي والثقافي، فيما يعرف بالدبلوماسية الثقافية، أوالدبلوماسية العامة، توجه يحظى بأهمية خاصة، تزداد يوماً بعد يوم، لاسيما في العلاقات الدولية، والأحداث الاقتصادية الرابطة بين بلدان العالم.

قبل أن نسترسل، دعونا نتعرف أولاً على الدبلوماسية الثقافية، أو الدبلوماسية العامة، فهذا النّوع من الدبلوماسية يختلف في طبيعته، ومدى تأثيره المباشر على الشعوب، عمَّا هو متعارف عليه من أنواع العلاقات الدبلوماسية المتبادلة بين حكومات الدول، حيث لا يقتصر الدور فيه على الحكومات وحدها، بل يركز على مدى فاعلية التعاون المشترك بين الحكومات والمؤسسات المدنية، والأفراد وغيرها من عناصر المجتمع المختلفة، ما يجعل عملهم، جنباً إلى جنب، يخلق نوعاً من الحراك، والأثر الإيجابي الكبير في التواصل بين الشعوب.

تواصل
تتعدد أنشطة ومجالات الدبلوماسية الثقافية، أو الدبلوماسية العامة، لكننا نجد في الآونة الأخيرة، أن من أكثر المجالات الجاذبة للاهتمام هو مجال النقل العلمي والمعرفي، وذلك عن طريق إعداد الكوادر البشرية، التي تعد بمثابة الدرجات في سُلَّمِ التقدم البشري، وهي أيضاً الجسر الذي يعمل على إزالة الحواجز الثقافية، وتحقيق الفهم والإدراك المباشر بين الدول والشعوب. وهنا يأتي دور الجامعات للإسهام بحجم كبير في تكوين قاعدة للدبلوماسية العامة التي تربط الشعوب، وتدفع عجلة الإنسانية بميزان العلم والمعرفة.
وها نحن نشهد الآن محاولات جادة، من قبل عدد من الدول العربية، على رأسها دولة الإمارات، لاستعادة ذلك البريق المفقود، من أجل التحصيل في شتى نواحي العلوم والمعرفة. محاولة في هذا الصدد اتباع نهج جديد، بخلاف النهج الغربي في مجال قضايا التعليم والتنمية، متخذةً من اليابان نموذجاً يحتذى لتحقيق أهداف نهضتها المستقبلية، ما يجعلنا نستطيع القول إن الدول العربية قد بدأت بالعَدو في مضمار سباق الحصول على المعرفة ذات الصناعة اليابانية.
لكن السؤال هنا: كيف لنا أن نستطيع تسخير هذه الوسيلة القديمة - الدبلوماسية الثقافية والجامعات اليابانية - في تاريخها الجديدة في دورها الفعّال، لجعلها محطة انطلاق لتعميق التواصل الثقافي بين دولة الإمارات خاصة، والوطن العربي واليابان بشكل عام.
نرى في الآونة الأخيرة مدى اتساع دائرة الإعجاب والشغف العربي باليابان، وبالطبع فإن أعين هذا الإعجاب والانشغال باليابان تتجه بالدرجة الأولى إلى كيفية نقل واكتساب التقنيات اليابانية، من أجل تحقيق التقدم المنشود. ومن جانبها، تبدو اليابان بدورها مستعدةً لتبادل مشاعر الإعجاب الموجهة إليها من الوطن العربي. ولم لا، واليابان تسعى جاهدة، من خلال أجهزتها ومؤسساتها التعليمية، لركوب عجلة العولمة بميدان التعليم العالي، وإيصال المعرفة والعلوم الحديثة ذات الطابع الياباني إلى أرجاء العالم كافة، خاصة بعد أن وضعت خطة قومية تسعى من خلالها لزيادة أعداد الدارسين الأجانب، إلى حد كبير يصل إلى 300 ألف دارس أجنبي بِحُلول العام 2020، علماً بأن عدد الطلاب الإماراتيين الدارسين في اليابان يبلغ نحو 90 طالباً وطالبة، وهو عدد متواضع جداً، بالنسبة لقدرة استيعاب الجامعات اليابانية.
ومما لا شك فيه أن اليابان استطاعت أن ترتقي قمة سلم التقنيات الفنية، والمهارات البشرية، من خلال إدراك قيمتها الأساسية، والفعلية على السواء، وذلك في العلوم الحديثة كافة، ما جعل لها وجوداً كبيراً في ميدان العلم والمعرفة بالعالم، لكن السؤال يكمن في مدى قدر ووضعية القيمة الإضافية المستفادة، والمميزة لهذا النموذج الياباني؟ وهل استوعب العالم بالفعل قدر إمكانية الاستفادة من القيمة الإضافية لهذا النموذج التعليمي الياباني؟ وما هو مقدار القيمة الإضافية المستفادة من الدراسة والتعلُم في اليابان؟ وكيف، وبماذا تستطيع أن تجيب، إذا طرحت عليك مثل هذه الأسئلة؟
تأتي هذه الأسئلة كثيرة، لتطرح نفسها من خلال مشاركة فعلية لليابان كدولة في معرض نجاح للتدريب والتعليم في أبوظبي الذي أقيم خلال الفترة من 25 إلى 27 أكتوبر الماضي الذي ?يهدف إلى ربط الطلاب بالفرص التعليمية التي يمكن أن تغير مستقبلهم المهني?، حيث حظيت اليابان بجناح خاص، تشارك فيه أربع من أرقى الجامعات اليابانية، على رأيها جامعة طوكاي، ذات الخبرة الواسعة في استقبال الدارسين العرب، والإماراتيين، إلى جانب قيام الجناح بتقديم العديد من الفقرات الثقافية والتعريفية بأنظمة اليابان التعليمية، والمؤسسات الداعمة للطالب الدارس في اليابان.
ولأن صعوبة الإجابة عن هذه التساؤلات ستتضاعف، عندما يكون السائل شخصاً أو مؤسسةً أجنبيةً. أعتقد أن كثيراً من الناس لا يدركون الإجابة، بل وربما في الوقت نفسه أيضاً، قد لا يَعون كيفية الإجابة. لذا دعونا نعود إلى أصل معنى مصطلح القيمة الإضافية ونُعالجه، وسوف نَجِدُ للتَّو أن جوهر هذا المصطلح يكمن في خلق قيمة جديدة، من شيء موجود، ومستخدم بالفعل، وبذلك يتحقق معنى المصطلح، بمعناه الفعلي، من خلال إضافة قيمة جديدة إلى شيء ما موجود ومتاح بالفعل. فعلى سبيل المثال، تجدنا جميعاً متفقين وبلا جدال على حقيقة إبداع اليابان في مجال التقنية والعلوم، لكن الوجه الآخر لهذه الحقيقة أيضاً هو أن اليابان ليست هي البلد الوحيد المتميز بمجال العلوم والتقنيات الحديثة! لكن من المفترض أنه يوجد شيء ما تختلف به اليابان، وتمتاز به عن غيرها من الدول الأخرى.
بعبارة أخرى، ماذا لو قُدِّر وأُتيحت لي الفرصة لدراسة هندسة الميكانيكا في اليابان، هنا يكون سؤالي عن الفارق بين دراسة الميكانيكا في بلدي أو في دولة أخرى، كدِرَاسَتها في اليابان مثلاً، وأعتقد أن التفكير من أجل تقديم إجابة عن هذا السؤال هو مفتاح الوصول إلى التعرف إلى الشيء الفعلي الذي تتميز به اليابان فقط، عن غيرها من دول العالم، في مجال الدراسة والتعلم بالخارج.

ماذا نتعلم من اليابان؟
* هل تعتقد أن تجربة الدراسة في اليابان كانت جيدة بالنسبة لك؟ وهل يمكنك أن تخبرني لماذا؟
هذا سؤال معتاد ومتكرر، وكثيراً ما يستخدم في استبيانات الرأي العام للتعرف إلى ما تعلمه الشخص، وما اكتسبه من خلال تجربته الدراسية باليابان، وكذلك كان الأمر بالنسبة لي، وأردت أن أطبق ما تعلمت فقمت بسؤال عدد من الأصدقاء والطلبة الدارسين باليابان فوجدت بعض الإجابات على النحو التالي:
1- عندما كنت أعيش ببلدي السعودية، كنت لا أٌبالي كثيراً بما يعتقد الآخرون تجاه ما أقوم به من أفعال وأقوال. لكن بعد مجيئي لليابان والدراسة بها، أدركت أنه ينبغي على الإنسان أن يرى العالم بأعين الآخرين أيضاً، وليس فقط من خلال ما يراه هو، ما جعلني أتعلم أن أكون قادراً على التحكم فيما أقول وأفعل. (طالب بكلية الهندسة. الإمارات).
2- خلال دراستي باليابان، أدركت شيئاً مهماً من خلال تواصلي ونقاشي مع اليابانيين، وهو أنّ التشبثَ برأي الشخص والتصميم على إقناع الآخرين به هو شيٌء غير جيد في كل الأحوال، وأنه بخلاف الطريقة الغربية في التواصل مع الآخرين، والتي تقوم على مدى القدرة على إقناعهم بالرجوع إلى مفاهيم العقل والمنطق، سيما وأنه توجد طريقة أفضل – وهي الطريقة اليابانية في التواصل – التي تعتمد على أن تكون قادراً على التواصل مع الآخرين من خلال مراعاة مشاعرهم، حتى وإنْ اختلفوا معك (طالب بكلية الدراسات العليا. مصري).
وبالطبع أعلم أن هذا ليس إلا جزءاً يسيراً من الآراء، وليس بالضرورة أن يكون معبراً عن كل الآراء، لكن يتضح لنا أيضاً أن الطلاب الذين خاضوا تجربة العيش والدراسة باليابان، يبدو أَنَّهم مهتمون بالجوانب الفكرية والروحية للثقافة اليابانية، مثل روح الجماعة، واحترام مشاعر الآخرين، وبناء الثقة معهم، وفكر الولاء والإخلاص والاهتمام بعنصر الجمال في كل شيء من حول الإنسان، وعلى نحوٍ أكثر بكثير من اهتماماتهم التي يولونها، تجاه القيمة الأساسية من الدراسة في اليابان، من اكتساب العلوم والتقنيات الحديثة.
لكن قبل ذلك، ما الذي تعنيه كلمة «استحداث أو ابتكار» في الأصل؟ فحسب التعريف المتفق عليه فإن ما تعنيه كلمة (innovation) في الأصل هو خلق قيمة إضافية جديدة لشيء ما، لكن إذا ما فٌسر مفهوم الـ (innovation)، كما ما نراه الآن، والذي يتجلىّ في شكل محاولات تقوم بها الجامعات اليابانية، عن طريق استخدام طرق معتادة زهيدة الثمن، مثل تطعيم الأقسام الدراسية باللغة الإنجليزية، من أجل خلق وبيع سلعة غالية الثمن، تتميز بها اليابان فقط، ألا وهي التعليم الجامعي، حينذاك لن نستطيع القول إن المعنى المنشود من هذه الكلمة قد يتحقق، وبالتالي لن تكون أيضاً القيمة الإضافية لها على مستوى عالٍ.
لذا أرى أنه يجب أن تكون فرص الدراسة والتعلم باليابان وفيرةً، بحيث يجب أن تكون هذه التجربة ناجحة، أو السلعة رابحة، إذا استخدمنا مجازياً التعبير التجاري، ويجب أن تتميز بقدرتها على إثراء حياة هذا الإنسان أو ذلك الطالب، من خلال إمداده بقيَمٍ فكرية وفلسفية جديدة، إلى جانب القيمة العلمية، حتى تستطيع اليابان بيع تلك السلعة لدول العالم كافة، نعم، فالمطلوب الآن هو أن تعمل المؤسسات والجامعات اليابانية على إيجاد، واستحداث هذه القيمة الفريدة لنموذج التعليم الجامعي الياباني، والتي يجب أن تكون مرتبطة بشروط كل من الدراسة والعيش في اليابان.

استراتيجية لعولمة الجامعات
سعت الحكومة اليابانية، في الآونة الأخيرة، ولا تزال، إلى جلب الدارسين الأجانب من أنحاء العالم كافة، ووضع استراتيجية جديدة من أجل عولمة الجامعات اليابانية، حيث أطلقت في إطار ذلك خطة قومية تحت اسم «خطة الثلاثمائة ألف طالب أجنبي»، وتهدف من خلالها لاستحداث (innovation) أنظمة جديدة مبتكرة في قطاع التعليم الدولي، المرتبط باستقطاب وجذب الطلاب الأجانب. لكن يبدو أنه لا تزال هناك مشكلة تكمن في وجود عدد كبير من الجامعات غير القادرة على وضع تصور فعلي لتلك المتغيرات والاستحداثات المطلوبة.