ألوان

العلماء: العمل الخيري أساسي في الشريعة الإسلامية

أحمد عمر هاشم

أحمد عمر هاشم

حسام محمد (القاهرة)
أشار الكثير من رؤساء المنظمات الخيرية الى تراجع التبرعات التي تصل إليهم إما بسبب الأزمات الاقتصادية التي ضربت العالم في الفترة الأخيرة أو بسبب عزوف بعض الوسرين عن التبرع للعمل الخيري والإغاثي رغم أهمية قيم التكافل الاجتماعي التي حرص الإسلام على ترسيخها بين المسلمين. هذه المعلومة ليست الوحيدة التي صدمت الحضور حينما ذكرها المشاركون في مؤتمر المجلس الإسلامي للدعوة والإغاثة والذي عقد مؤخراً، وإنما أثار استغرابهم أيضاً أن دول الغرب نجحت في ترسيخ قيم التكافل الاجتماعي لدرجة أن الشركات الكبرى هناك أصبح لديها مؤسسات خيرية تابعة لها تقوم بدور رائد في مواجهة مشكلات الفقر والبطالة وعلاج غير القادرين.. وهنا يبرز السؤال كيف نعيد للأثرياء العرب والمسلمين دورهم الاجتماعي المفقود؟
يقول الدكتور أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر الأسبق: لابد من التوقف عن إصدار حكم عام على جميع رجال الأعمال العرب والمسلمين فبعضهم يساهم في مشروعات خيرية كبرى ويدرك حجم وأهمية مسؤوليته وينفذ مشروعات خيرية مهمة لكن المشكلة أن هؤلاء الجادين والمخلصين من رجال الأعمال عددهم قليل مقارناً بالعدد الفعلي لرجال الأعمال.
نشر ثقافة العمل الخيري
ويضيف: لابد من نشر ثقافة العمل الخيري بمنظور عصري فعلى سبيل المثال من الممكن تبني مبادرة إعلامية تؤكد أن مشاركة رجال الأعمال في مبادرات الخير يساهم في خلق جو عام من السكينة الاجتماعية ويشيع الأمن في المجتمع، حيث يشعر الفقير بأنه ليس ضائعاً ولا متروكاً لضعفه وفقره ويشعر بأن مجتمعه يعمل على إقالته من عثرته ويحمل عنه أثقاله وأن الأثرياء يشعرون بمعاناته ويشاركونه جزءاً من نجاحاتهم المادية، كما أن تنمية مشاركة الموسرين في الأعمال الخيرية تنزع الحقد على الأغنياء ومساهمة رجال الأعمال بتبرعاتهم الكبيرة تخلق مجتمعاً تسوده المحبة والتعاون والتكافل الاجتماعي والتعاون بين جميع افراد المجتمع والاهتمام بأفراده المحتاجين.
ويشير إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الدنيا لأربعة نفر عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقا، فهذا بأفضل المنازل وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق النية يقول لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته، فأجرهما سواء وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما يخبط في ماله بغير علم ولا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقا فهذا بأخبث المنازل وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما، فهو يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فوزرهما سواء».
ويقول الدكتور عبد المقصود باشا أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة الأزهر إن التاريخ الإسلامي حفل بنماذج عديدة حول العمل الخيري لتحقيق فوائد التكافل في المجتمع ولنا فيما حدث بين الأنصار والمهاجرين في أعقاب الهجرة النبوية أكبر المثل على ذلك فالأنصار منحوا المهاجرين نصف أموالهم ولكن المهاجرين لم يقفوا مكتوفي الأيدي بل استثمروا تلك الأموال بحيث تحولوا من فقراء إلى أثرياء وساهموا في رفع الفقر عن غيرهم من المسلمين
ويؤكد أن هذه الأعمال من أعظم تطبيقات التكافل الاجتماعي القائم على العمل التطوعي والخيري، ومنهم حتى كٌتّاب الوحي الذين كانوا يمارسون دورهم في توثيق آيات القرآن الكريم الذي يمثل أهم ركن في عقيدة المسلمين. ومن مظاهر التكافل ما ينفق من تبرعات للتعليم وكفالة اليتيم ورعاية الأرملة والعجوز ورعاية طالب العلم وسقيا الماء امتثالاً لما كان يبادر إليه الرسول صلى الله عليه وسلم من أعمال خيرية نذكر منها دعوته صلى الله على وسلم لشراء بئر ماء احتاج المسلمون إليه منعه عنهم صاحبه، وأيضاً أصحاب الخير وعملهم رغبة في الأجر، ولابد من تحول التبرعات من مجرد مسكنات للفقير إلى وسيلة لتنمية المجتمع لحل مشكلة الفقر.
مواجهة الفقر
ويضيف علينا ونحن نعيد ثقافة العمل الخيري للشارع العربي المسلم أن نؤكد للعالم أن منظمات العمل الخيري تستهدف مواجهة الفقر والأمية والبطالة وغيرها من المشكلات التي تحتاج لمال أهل الخير من أجل علاجها وأن الإسلام يمنع استغلال أموال تم جمعها لإنفاقها على الفقراء في أي امور أخرى منعا لربط العمل الخيري الإسلامي بجماعات التطرف والإرهاب ولابد ان نعي أن هناك جهات كثيرة ترى أن أموال التبرعات والصدقات التي يدفعها أثرياء المسلمين تصل لتلك الجماعات وتمثل نوعا من أنواع التمويل لها ولهذا فلابد من مواجهة تلك الأمور بمنتهى الحسم خاصة وأنها ساهمت إلى حد بعيد في عرقلة الكثير من الجهود الخيرية الإسلامية.
ومن الممكن أن نطالب القائمين على المنظمات والمؤسسات التي تتلقى تبرعات المسلمين أن يتقوا الله ويعملوا على أن تنفق في مصارفها الشرعية التي حددها الله تعالى وبهذا نقطع الطريق على من يخططون للتخلص من العمل الخيري الإسلامي.
الخير في الأمة
ويقول الدكتور محمد رأفت عثمان أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر وعضو هيئة كبار العلماء إن العمل الخيري والإنساني حضت عليه الشريعة الإسلامية وأعلى الإسلام شأنه لما فيه من نفع وخير للعباد ولابد ونحن نناقش مسألة عزوف بعض الموسرين عن التبرع والمشاركة في الأعمال الخيرية أن نكون منصفين ومتفائلين أيضا فالزكاة ركن إسلامي أصيل وجزء أساسي من العمل الخيري الإسلامي لا يستطيع أي مسلم أن يهمله والرسول صلى الله عليه وسلم قال: «الخير في وفي أمتي إلى أن تقوم الساعة».
ويؤكد أن الناس يخرجون الزكاة وهذا أمر لا جدال فيه ولكن بسبب غياب التنظيم فقد تراجع تأثير الزكاة في رفع المعاناة عن كاهل الفقراء فقديما كانت الدولة الإسلامية تقوم بدور في جميع وتصريف أموال الزكاة في مصارفها الشرعية عن طريق جهاز يسمى بيت مال المسلمين وكان يقوم على شؤون هذا الجهاز علماء موثوق بعلمهم ونزاهتهم ولكن الحكومات الإسلامية عندما أهملت هذا الدور وتركته في أيدي المؤسسات غير الرسمية جعلت الناس يفقدون الثقة في تلك المؤسسات بفعل وجود قلة لا يحسنون القيام باستغلال أموال زكاة وكذلك تبرعات المسلمين ولهذا لم يعد الناس يدفعون زكاة أموالهم لتلك الهيئات ومن هنا تراجع دور وتأثير الزكاة.
ويضيف: إذا كنا نريد إعادة هذا الدور فيجب على الحكومات الإسلامية أن تعود لدور المنظم الرئيسي لجمع وتصريف أموال الزكاة من إقامة «هيئة» يكون في عضويتها علماء دين موثوق بهم ولديهم تأثير، بالإضافة إلى خبراء في الاقتصاد الإسلامي يكونون قادرين على ابتكار مشروعات تنموية وإنتاجية متميزة تساهم في حل المشكلات التي تواجه العالم الإسلامى بحيث يطمئن الناس إلى أن زكاتهم تصل للمستحقين.


إبراز النماذج المضيئة
يؤكد الدكتور سالم عبد الجليل وكيل وزارة الأوقاف المصرية سابقا أن المشكلة الأبرز في علاقة رجال الأعمال بالعمل الخيري أن الإعلام يركز على سلبيات رجال الأعمال، فعلينا في جميع الأحوال أن ننظر إلى النماذج المضيئة من رجال الأعمال خاصةً أن كثيرين منهم يلعبون دوراً اجتماعياً مؤثراً في مجتمعاتهم من دون الإعلان عنه، حيث يوجد بكل مجتمع الصالح والطالح، وعن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال: «إن لله عباداً اختصهم بقضاء حوائج الناس حببهم للخير وحبب الخير إليهم، هم الآمنون من عذاب الله يوم القيامة»، وعلينا أن نرسخ مفهوم التكافل الاجتماعي في المجتمع المسلم، بحيث يدرك الجميع معنى قوله تعالى إنما المؤمنون إخوة» وقوله سبحانه: «والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض»، وكذلك معاني الأحاديث النبوية الشريفة التي تحث المسلمين على التآخي والإيثار، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» وقوله «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» فبنشر تلك القيم والمعاني سنصل لترسيخ أهمية العمل الخيري في نفس كل مسلم، بما يعود بمردود فعال على منظومة التكافل الاجتماعي فقد وصل إلزام الإسلام المسلم بالعطاء إلى أنه إذا لم تكف الزكاة والصدقات، فعلى المجتمع ككل أن يشارك بعضه في الكفاف كما قال الله تعالى: «كي لا تكون دولة بين الأغنياء منكم» وكما قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «ليس بمؤمن من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم».