الملحق الثقافي

ترسانة جَمال الجَبّارين

«إرادة الحياة أقوى مني» للفنان إسماعيل شموط (أرشيفية)

«إرادة الحياة أقوى مني» للفنان إسماعيل شموط (أرشيفية)

أم الزين بنشيخة المسكيني


القدس ليست مجرّد مدينة على الخريطة في قلب تاريخ دمويّ يعبث بحدود الدول، بل هي باحة عشق فنّية وتشكيلية وغنائيّة، تطفو على أسمائها فتبذر المعنى على قلوب الشعراء. إنّها «زهرة المدائن ومدينة الأحزان» معاً، «طفلة جميلة محروقة الأصابع..»، و«القدس منارة الشرائع..»..(نزار قبّاني)، حيث يتقاسم الأنبياء «تاريخ المقدس فيصعدون إلى السماء ويعودون أقلّ إحباطاً وحزناً» (محمود درويش)... فالقدس، حيث «تحضر الأرباب أيضاً» ليست مجرّد اسم كبير لجغرافيا حزينة امتدّ الحزن فيها إلى حقول البرتقال والزيتون وكروم العنب والتين.. كلّ القصائد هي وكلّ الأغنيات، حيث تداعب المعابد كلّ الغيمات وتعد دوماً بعاصفة أخرى.. وحيث الحياة ملحمة يوميّة تطرّز بكوفيّة الصمود وبلون دماء أبنائها الذين وهبوا حياتهم من أجلها.. مدينة تُغتصب كل يوم من طرف الاحتلال الصهيوني، لكنّها تخترع كل يوم قصيدة وترسم نفسها في حضن لوحات جديدة.


لئن كان شعراء كبار من قبيل سميح القاسم ومحمود درويش ونزار قبّاني.. قد عبّروا بالكلمة الحرّة عن القدس كرمزيّة عميقة لنضال شعب تُغتصب أرضه ويُهجّر أطفاله ونساؤه وشيوخه، فإنّ الرسّامين قد اتّخذوا من لغة الألوان والأشكال ورشة تعبيرية لاختراع القدس كلّ يوم في حلّة جديدة تحصينا لها من أيادي الغدر الصهيونية، وتخليداً للمدينة في ذاكرة المستقبل. فالفنّ التشكيلي ههنا يتكفّل بكتابة تاريخ الصمت والمعاني المهجّرة في كهوف الألم البعيدة الغور.. وبذلك يقع اختراع مدوّنة بصريّة تجعل القدس عاصمة للذاكرة العميقة وللمعابد القديمة ولأطفال المستقبل في آن معاً.
ولقد ساهم في إنجاز هذه الترسانة التشكيلية التي تؤرّخ لما لم تستطع كلمات الشاعر أو المسرحي أو الأديب أن تلتقطها، أسماء لرسّامين فلسطينيين عديدة كرّسوا حياتهم لحمل القضيّة فنّياً وتشكيلياً من أجل تسجيلها في الضمير العميق للإنسانية قاطبة. ومن أهمّ الرسّامين الفلسطينيين الذين لم ينفكّوا بريشاتهم وألوانهم عن تمثيل القضيّة والتعبير عن صمود شعب الجبّارين نشير إلى إسماعيل شمّوط رائد الفنّ التشكيلي الفلسطيني وسليمان منصور ونبيل عناني وعصام بدر، والرسّامات: تمّام الأكحل وجمانة الحسيني.
هذا المقال سيكتفي بالوقوف عند بعض اللوحات النموذجية التي جعلت من مدينة القدس تحديداً موضوعة تشكيلية مباشرة.. وقد اخترنا التعريف بالقدس جماليّاً من خلال لوحات تمنح للحضور الرمزي لصورة المرأة الفلسطينية منزلة خاصّة.. وهذه اللوحات هي:«إرادة الحياة أقوى منّي» لإسماعيل شموط، و«القدس في القلب» لسليمان منصور و«عناق الأمّ» لنبيل عناني. وتشترك هذه اللوحات في الاعتماد على المرأة كموضوعة تشكيلية رئيسية بوصفها مفردة جمالية وسيميوطيقية من أجل التعبير عن جمالية مدينة القدس ورمزيّتها الروحية والإنسانية العميقة.

«إرادة الحياة أقوى منّي»
هذه هي قدس إسماعيل شموط وهي تنتصب شامخة في أبهى حللها صامدة بألوانها الساطعة في وجه كل سياسات الاستيطان والتدمير.. قدس تشرق بشموسها الربّانية وبشعبها الأبيّ الذي يؤثّث اللوحة بامتياز. ههنا حيث تتنافس الألوان على موطن الأنبياء يتّخذ المقدسيون أماكنهم التخييليّة في هذا البهو التشكيلي الفسيح، متمسّكين بمدينتهم متحصّنين بمعابدهم وبأسواقهم وبحياتهم. ههنا وُلدوا وههنا سيعيشون بكلّ أطيافهم بعيداً عن لغة البندقية. ههنا في بهو اللوحة تصير الحياة ممكنة بفضل حيويّة الألوان وبهجتها: لون السماء ولون الشمس ولون الورود. ههنا أيضاً في بهاء اللون وإشراقته تسمق الأرض والسماء معاً في نوع من العناق البهيج، بحيث لا تكاد تفصل بين زرقة السماء وزرقة العابد، وبين إشراقة لون الشمس والأصفر القاني الذي يلفّ الحشود في ضرب من الغمام المبهر.. وههنا تكاد لا تفصل بين من جاء إلى اللوحة لقضاء حاجات دنيوية في الأسواق، ومن جاء إليها لكي يصلّي.. بحيث يتجاور المقدّس والدنيوي ويقتسمان نفس المساحات اللونيّة من أجل أن يوقّع الجميع جلاءه وبهاءه بحضور رمزي عميق للمرأة في مشهد تشكيلي مثير.
وفي قلب اللوحة صورة كبيرة لامرأة تضاعفت عدداً إلى امرأتين من أجل أن تصير في نحو من صيرورة الفنّ الخارقة للرياضيات، إلى ثلاث نساء بجسد واحد تشرفن معاً على حياة القدس ومعابدها وأهلها كلّ منهن من جهة المنظوريّة التي بحوزتها. وفي هذه اللوحة نرى كيف تحمل الشخصية التشكيلية الرئيسة وروداً بيد وتشير بالأخرى إلى حشود من البشر يملؤون اللوحة بحضورهم، حتى تكاد تسمع أصواتاً تناديك من هنا وهناك وتسمع نواقيس أو صومعة تنادي للصلاة.. والمثير هو طول قامة هذه المرأة التي هي كلّ النساء معاً، كما لو كانت ربّة أسطوريّة تترجّل من قاع مخيال قديم أو أمّاً تحضنهم وتحتفي بهم في رحابها الواسعة. وقد رسم شمّوط هذه اللوحة في نوع من الواقعية التعبيرية التي تنجز القرب من الواقع المشتهى وتدفع بالحلم إلى ضرورة العودة يوماً إلى الديار المغتصبة. من أجل ذلك تتّخذ هذه اللوحة من الألوان الساطعة، ألوان السماء والبحر والشمس والورد مجاز عبور إلى الأرض التي تحرسها المعابد والأنبياء في مشهد جليل يجمع في خلفية الصورة بين قبّة الصخرة ببهائها والمسجد الأقصى في قداسته وكنيسة القيامة في طمأنينتها الجميلة.
كيف يمكن للعمل الفنّي ههنا أن يجمع في مشهد سلميّ رائع بين أماكن متصارعة؟ كيف يمكن للوحة أن تخترع الوطن على هذا النحو من الجمالية الرائعة؟ كيف بوسعها أن تحرّر المدينة من لغة البندقية والطائفية الدينية ومن سياسات الاحتلال الغاشمة؟ يبدو أنّ الجمال شكل من الصمود أيضاً. بحيث يخترع الجمال لغة مغايرة هي لغة الحياة، والحبّ والسلم، بدلاً من لغة الدماء والحرب والكراهية التي لا تنفكّ سياسات الغدر تنشرها على أرض القدس. في هذه اللوحة إذن تتجاور الأمكنة المتخاصمة من أجل أن تعانق سماء واحدة، فنرى كيف تصعد بنا الألوان إلى الأقصى تارة وكيف تداعب شموس قبّة الصخرة تارة أخرى من أجل أن تعيد إلى كنيسة القيامة نواقيسها طوراً آخر. ويبدو أنّ حضور المرأة في اللوحة رمزي جدّاً ههنا: وكأنّها هي من يمنح المعنى ومن يشرف على توزيع دلالة الألوان ومواقيت الحياة والموت والحبّ والصلاة معاً. تتربّع المرأة في هذه اللوحة على عرش اللغة البصريّة في ضرب من الكرم التشكيلي لرسّام جعل من حياته مرسماً لا حدود له ومن قلبه باحة عشق لمدينة أكبر من كلّ السياسات الظالمة.
نعم بوسع الرسم أن يكون أقوى من الرسّام كما كتب بيكاسو قائلا:«إنّ الرسم أقوى منّي، إنّه يحملني على أن أفعل ما يريد». لكنّ الرسّام إسماعيل شمّوط يدفع بالمشهد أبعد من حدود اللوحة نفسها. إنّ إرادة الحياة أقوى من الرسّام نفسه. ففي مهجة هذا المشهد التشكيلي ليس ثمّة رسم للحياة اليومية للقدس فقط، بل ثمّة تجسيد لإرادة الحياة نفسها التي تتجلى في أقصى تعبيراتها البصريّة. وهذا يعني أنّ القدس لا تطلب الحياة فحسب، أو مجرّد الحياة أو الحياة العارية، إنّما هي تجسّد إرادة الحياة نفسها. إنّ اللوحة إذن لا تستجدي خبزاً ورغيفاً، بل هي تمنح شعباً ما أكثر من مجرّد البقاء على وجه الحياة. وهنا تجسّد اللوحة صورة موجبة عن الشعب الفلسطيني بوصفه شعباً يتمتّع بإرادة الحياة لذلك تناديه إلى معركة من نوع مغاير يتجاوز الصراع الديني الضيّق إلى معركة من أجل تحصين إرادة الحياة التي لن تكون ممكنة إلاّ بتحرير الأرض وتحصين الوطن وضمان إمكانية مستقبل الأطفال وكرامة الشعب معاً.

«القدس في القلب»
هذه هي قدس سليمان منصور (1947) أحد الرسّامين الروّاد في مسار المدوّنة التشكيلية الفلسطينية المعاصرة. وقد رسم هذا الرسّام القدس في عمل فنّي مشهور هو «جمل المحامل».. لكنّنا اخترنا لوحة «القدس في القلب» لرمزيّة المرأة صلب هذه اللوحة. ماذا تصوّر لنا اللوحة إذن؟ لا شيء في الصورة غير امرأة تحضن القدس. على عكس اللوحة السابقة لإسماعيل شمّوط حيث الامتلاء، وحيث يغصّ المكان بأصحاب الحقّ فيه. لكن هذه اللوحة تخلي المكان لضرب من الفراغ المقصود. هل وقع إفراغ المدينة من أهاليها مثلما يحدث فعلاً مع سياسات التهجير واللجوء الفظيعة؟ أم أنّ الرسّام قرّر هنا أن يودع القدس بين يدي هذه المرأة التي هي الأمّ وهي الرحم وهي العطاء وهي الأرض معاً؟ والسؤال المثير في هذه اللوحة هو التالي:«كيف لامرأة واحدة أن تحضن كلّ القدس في كرّة واحدة؟». يتعلّق الأمر هنا بأسلوب سليمان منصور الذي يميل نحو ضرب من الواقعيّة الرمزيّة، بحيث يتحوّل الرسم إلى مخاطبة الفكر بدلاً من العين على غرار المدرسة الانطباعية. ههنا اللوحة لوحة تفكّر وتسائل وتدعوك إلى الخروج عن حدود الواقع الضيّقة. وعليه بوسع امرأة واحدة أن تكون حضناً رمزياً فسيحاً لاحتضان القدس. وهي المرأة التي ظهرت في قطف البرتقال الحزين والزيتون المشرّد.. والمرأة التي تودّع الشهداء بأطفال جدد.. ومرّة أخرى تظهر المرأة كمفردة تشكيلية نموذجيّة لمنح مدينة القدس وجوداً تشكيليّاً من نوع فريد. وحدها امرأة مقدسية بوسعها أن تحضن القدس بأن تكون رحماً لكلّ أبنائها الذين يصمدون في وجه الاحتلال، ولكلّ أطفالها الذين هم قادمون من رحم المستقبل. ونرى الخصائص التشكيلية لهذه اللوحة الألوان حاضرة بكلّ عنفوانها: الأزرق لون السماء لأنّ القدس هي رمز السماء بامتياز، سماء الأنبياء والديانات، والأصفر الفاتح والترابي لون الأرض.. والمرأة أي «قلب القدس» في وضعيّة تكعيبيّة غير مسبوقة كما لو كانت تصلّي، أو كما لو كانت تنحني من أجل حماية القدس من أيادي الغاصبين. إنّ «قلب القدس» ههنا هو في أمان ما دام بين أيادي امرأة تتقن إنتاج قدس جديدة كلّ يوم: بالحبّ والولادة.. بالأمل والحلم.. تبقى القدس أمّ وحبيبة للعاشقين.

«عناق الأمّ »
هذه اللوحة تستأنف العبور إلى القدس عبر رمزيّة المرأة لا بما هي موضوعة رومانسّية عريقة فحسب، بل بما هي مفردة فنّية حمّالة لمعاني الحياة والصمود معا. وهذه اللوحة هي من إنجاز الرسّام الفلسطيني المشهور نبيل عناني الذي كرّس رسوماته أيضاً للتعبير عن قضية شعبه. ههنا تحضر مدينة القدس مرّة أخرى من خلال صورة امرأة تحمل القدس بين يديها وتنحني كي تصلّي من أجل السلام. والطريف في هذه اللوحة هو استعمال ألوان الحياة الساطعة التي تعبّر عن البيئة الثقافية للشعب الفلسطيني. بالإضافة إلى طرافة الفستان الذي تلبسه المرأة وهي تعانق القدس بكلتا يديها: هو لباس موشّى بصور للأطفال وبشجر الزيتون، وبألوان الحياة والورد والدماء معاً.

عشق أكبر من السياسة
يبدو أنّ حضور المرأة في اللوحة رمزي جدّاً ههنا: وكأنّها هي من يمنح المعنى ومن يشرف على توزيع دلالة الألوان ومواقيت الحياة والموت والحبّ والصلاة معاً. تتربّع المرأة في هذه اللوحة على عرش اللغة البصريّة في ضرب من الكرم التشكيلي لرسّام جعل من حياته مرسماً لا حدود له، ومن قلبه باحة عشق لمدينة أكبر من كلّ السياسات الظالمة.