صحيفة الاتحاد

ألوان

قبسات ?من ?أخلاق ?رسولنا

تمرّ بنا في هذه الأيام ذكرى ميلاد خير البرية محمد – صلى الله عليه وسلم –، فلم يكن مولده – عليه الصلاة والسلام- مولد شخص عادي، ولكنّه كان ميلاد أُمة بأكملها، لأنه أرسى دعائم خير أمةٍ أُخرجت للناس وصاغها بتعاليم الوحي الإلهي، فقد أرسله ربه سبحانه وتعالى بالهدى ودين الحق، حاملاً خير الرسالات، مُبَلِّغاً كتاب ربه تبياناً لكل شيء، هادياً للتي هي أقوم، مُتَمِّمَاً لمكارم الأخلاق، هادياً ومبشراً ونذيراً .
وتعمّ الذكرى مشارق الأرض ومغاربها، فمحبته- صلى الله عليه وسلم - تسري في دماء المؤمنين، وَتُنبه في نفوسهم مَكَامِنَ الإيمان، كلما أشرقت عليهم الأيام بذكرى خير الأنام.
سيـد ولد آدم
جاء في الحديث الشريف أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ وَلا فَخْرَ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمَ فَمَنْ سِوَاهُ إِلا تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ وَلا فَخْرَ) (الترمذي).
ولد رسولنا- صلى الله عليه وسلم- بمكة المكرمة يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول عام الفيل، وروي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه قال: «وُلِدَ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عام الفيل يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وفيه بُعث، وفيه عُرج به إلى السماء، وفيه هاجر، وفيه مات».
كان رسولنا- صلى الله عليه وسلم- مثلاً أعلى وقدوة حسنة للمؤمنين العابدين، فهو مع مكانته العظيمة، ومع غفران الله سبحانه وتعالى له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يواصل العبادة والطاعة، فيقوم الليل متهجداً راكعاً ساجداً حتى تتفطر قدماه وتفيض عيناه بالدموع بكاء وخشية من الله سبحانه وتعالى، كما جاء في الحديث عن عائشة- رضي الله عنها – قالت: (كَانَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- إذا صلَّى، قَامَ حتى تَفَطَّرتْ رِجْلاَهُ، قالت عائشةُ: يا رسولَ اللهِ، أَتَصْنَعُ هذا وقد غُفِرَ لكَ ما تَقَدَّم مَنْ ذَنْبكَ وما تأخَّرَ؟ فقال: يا عَائِشَةُ أَفَلاَ أكُونُ عَبْدًا شَكُوراً) (مسلم).
لقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم- العنت والمشقة من قومه في مكة، فصبر على الأذى ، بعدما قرَّر المشركون القضاء على دعوته، ومن أشدّ ما صنع المشركون به ما رواه عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: (سَأَلْتُ ابْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ شَيْءٍ صَنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ بِالنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي فِي حِجْرِ الْكَعْبَةِ، إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍحَتَّى أَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَهُ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: «أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ» (البخاري).
واشتد أذى المشركين لمحمد- صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه. وبرغم ذلك كله فإن رسولنا- صلى الله عليه وسلم- يعلّم أصحابه قيمة العفو والصفح.
فعن عبدالله بن مسعود قال: (كأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْكِي نَبِيًّا مِنْ الأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (البخاري). 
درس للدعــاة
بدأ رسولنا- صلى الله عليه وسلم- دعوته بالحكمة والموعظة الحسنة، فها هو يذهب إلى الطائف لعله يجد الأنيس والنصير، فسَبُّوه وشتموه ورجموه، فجاءه الملك يعرض عليه أن يطبق عليهم الأخشبين، فقال -عليه الصلاة والسلام- «اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون، لعل الله يخرج من أصلابهم من يُوَحِّدُ الله»، لم يشتمهم ولم يلعنهم، بل دعا الله أن يهديهم، وفعلاً استجاب الله دعاءه، فخرج من صُلْب أبي جهل- عدو الله اللدود– الصحابي الجليل عكرمة، وخرج من صُلْب أمية بن خلف- الكافر- الصحابي الجليل صفوان.