الملحق الثقافي

بين فكَّيْ التّاريخ واليوتوبيا

اليوتوبيا الإسرائيلية تقوم على محو الذاكرة الفلسطينية وتدمير بيوت المقدسيين لبناء المستوطنات العبرية (عمل فني يجسد الجرافة - الغول الذي يقوم بهذه المهمة)

اليوتوبيا الإسرائيلية تقوم على محو الذاكرة الفلسطينية وتدمير بيوت المقدسيين لبناء المستوطنات العبرية (عمل فني يجسد الجرافة - الغول الذي يقوم بهذه المهمة)

د. المعزّ الوهايبي

لا يتعلّق الأمر بكيف نكتب عن القدس؛ بل بكيف نكتب القدس؛ ذلك أنّها لم تكفّ عن أن تكون نصّاً مفتوحاً يكتبه باستمرار المختصمون فيها. وقد لا نحتاج، نحن العرب، إلى التّذكير بحقيقتها التّاريخيّة والجغرافيّة، وإنّما نحتاج إلى إعادة كتابة سرديّة وشعريّة للقدس مضادّتين للرّواية الإسرائيليّة المختلَقَة.
لا يتعلّق الأمر، إذن، بكتابة تاريخ القدس، بل بكتابة تاريخ يوتوبيا هذه المدينة حتّى نقف على رمزيّتها لا فقط بالنّسبة إلى أصحاب الحقّ فيها والذين طوّحت بهم لعبة السّياسة الدّوليّة بعيداً عنها فانكفؤوا إلى ضرب من الحنين إليها طوباويّ؛ وإنّما بالنّسبة إلى أولئك الذين وفدوا إليها من كلّ أصقاع الدّنيا، من أعراق وأجناس متنوّعة، في خلط مقصود بين الدّين والقوميّة (تحويل اليهوديّة وهي ديانة إلى قوميّة عرقيّة).


إن تاريخ تخييل المدينة هو غير تاريخها المادّي والكرونولوجيّ؛ لكنّه في المحصّلة جزء لا يتجزّأ من تاريخها العامّ. ذلك أنّ التّاريخ ولئن كان يتقصّى عن الحقيقة بما هي معطى قبْليّ apriorique فإنّه يقيم المعنى بما هو معطى بَعْديّ postérieur. أمّا الحقيقة ففي ذمّة الوثائق والحفريّات وأمّا المعنى ففي ذمّة المشاعر والرّموز التي تحدثها المدينة لدى المعتزّ بها انتساباً إليها أو تعلّقاً بها أو اغتصاباً لها. ولذلك، فإنّ كتابة تاريخ يوتوبيا المدينة لا يكتفي، في واقع الأمر، باستنطاق كتب التاريخ والأخبار وإنّما بتأويل المدوّنة الأدبيّة والفنّية (سرداً وشعراً وتشكيلاً...) التي تدور حول المدينة المقدّسة.
لكن لماذا نحتاج إلى أن نكتب تاريخ اليوتوبيا (أو تدقيق اليوتوبيات) المَقدسيّة؟ بالرّجوع إلى بعض دلالات اليوتوبيا منذ توماس مور Thomas More، في بدايات القرن السّادس عشر، الذي يعرّفها، في صياغة أدبيّة، على أنّها فكرة عن نظام اجتماعيّ جديد تكتنفه حياة مثاليّة نتبيّن أنّ اليوتوبيا نمط تفكير سياسيّ يتكفّل بكتابته «جنس» أدبيّ جديد. فمن بين دلالاتها الاعتراض على الواقع وإنكاره؛ فضلاً عن كونها تعني الإنسان غير الرّاضي بالواقع فيلتجئ إلى حلم بعيد لا يمكن أن يتحقّق إلاّ في عالَم خياليّ بحيث يكون هذا الإنسان سيّد نفسه. نعني باليوتوبيا الأصل الاشتقاقي اليونانيّ (اللاّمكان)؛ ومن هنا تُنسج الأواصر بين اليوتوبيا والإيديولوجيا بما تعنيه هذه الأخيرة من شطط العنف. وإلى ذلك، فإنّ اليوتوبيا (بحسب الاشتقاق الإغريقي، هي: اللاّ-مكان) لفظ مزدوج الدّلالة؛ فهو يحيل إلى نوع من التّذبذب بين الممكن والمستحيل، الوعي واللاّوعي، بين الواقع المشوّه والخيال المكتمل، بين عالَم مادّي سيّئ وعالَم مثاليّ فاضل.

يوتوبيا مقدسية
ما يسوّغ الحاجة إلى كتابة تاريخ اليوتوبيا المقدسيّة هو التّصدّي ليوتوبيا مضادّة؛ اليوتوبيا الإسرائيليّة لكونها تقوم على نفي الآخر وإقصائه، على اغتصاب أرضه. فاليوتوبيا التّوراتيّة تقدّم نفسها على أنّها ضرب من الميتا- تاريخ لكنّها تريد، في الوقت نفسه، أن تكون مصدراً للتّاريخ؛ وعليه فإنّ المطلوب هو التّأريخ لهذا التاريخ التوراتي الميتافيزيقيّ من أجل بيان أنّه مجرّد رغبات لا حقائق.
واضح، إذن، أنّ القدس تفيض عن موقعها وعن مساحتها لتتحوّل إلى مدينة سادرة في الخيال وفي الأثير القدسيّ.. إنّها مدينة مستنبتة في الأرض لكنّها عالقة في الخيال.
مدينة كهذه: ما علاقة السّياسة بها؟ لا مراء في أنّ كلّ مدينة لها علاقة بالسّياسة على نحو من الأنحاء لكنّ القدس ما انفكّت «تتسيّس» منذ تأسيسها خاصّة وأنّها ليست فقط مدينة تقع على قمّة جبل؛ بل هي تنتصب في «التّقاطع» بين الدّيانات السّماويّة، في «التّماسّ » بين مخاييل قدسيّة وهُوويّة، أي في هذا التّقاطع الدّينيّ/ السّياسيّ الذي سيسم باستمرار الجغرا- سياسيّة الدّوليّة منذ انسياب الإسلام خارج الجزيرة العربيّة (ربّما منذ غزوة مؤتة).

يوتوبيا مسيحيّة جغرافيّة
تلوح القدس – إذا لخّصنا بعض ما وصفها به الرّحالة إليها من مختلف الجنسيّات ــ كنزاً معماريّاً يرصّع تلاًّ صخريّاً هو إحدى هضاب جبال الخليل حيث يوجد أيضاً جبل بيت المقدس، وجبل أكرا (عليه كنيسة القيامة)، وجبل المشهد وجبل الطور أو جبل الزّيتون، وجبل المشارف، فهي تنتصب داخل تسييج جبليّ لمجمل الموقع، تحيط به أودية عميقة هي أودية سلوان ووادي الجوز ووادي الوادي.
وهي إلى ذلك مدينة ذات نسيج لونيّ مخصوص فالتّضادّات اللّونيّة مفرطة؛ وهي تطلّ، من الجهة الشّرقيّة، على صحراء هي فضاء معدنيّ غريب يطغى عليه اللّونان الأصفر والأمغر حيث الطّبيعة متوحّشة وقاسية لا تكفّ عن الالتهاب بالشّمس. وفي الأفق تنتصب تلال متفاوتة الارتفاع، ويلتمع البحر الميّت متراوحاً بين الأبيض المِلحيّ والأحمر القاني.. أمّا نزولاً ببضعة آلاف الأمتار إلى الأسفل فثمّة امتداد وضّاء ومتحجّر...
هذه الجغرافيا ستكون مبعثاً لتخييل فضاء سماويّ؛ فبمعزل عن الحروب الصّليبيّة التي أشبِعت درساً وتمحيصاً؛ وإن كان ذلك لا ينفي بالضّرورة جدوى استئناف النّظر فيها باستمرار، خاصّة أنّ الحنين إليها لم يخفت في قلوب بعض الزّعماء الأميركيين في العقدين الأخيرين ممّا يضع تصريحاتهم في خانة الإيديولوجيا الطّوباويّة؛ بمعزل، هاهنا، عن تلكم الحروب فإنّه يمكن القول بأنّ هناك يوتوبيا مسيحيّة تتعلّق بالجغرافيا وتتمثّل في تحويل القدس إلى مدينة «سماويّة» في مسعى للارتقاء بها إلى مدينة ما بعد القيامة. وهذا نجد له تمثيلاً في الفنون التّشكيليّة المسيحيّة (صور السّماء التي يرقى إليها المؤمن عبر القدس). لكنّ المدينة الأرضيّة والمدينة السّماويّة متعالقتان تماماً في وجدان المسيحيين. فعندما ندرس القدس السّماويّة ضمن الجماليّات الوسيطة، فإنّنا نلفي فيها كلّ مبادئ الجمال التي كانت شائعة آنذاك. فخارج تجاربهم في المراسم، حيث يعتمل خيالهم الخاصّ، يُبدي الفنّانون للعيان «مدينة اللّه» بحسب المبادئ الرّياضيّة والهندسيّة التي تشكّل تصوّرهم للكون. ففي مجمل التّمثيلات يمكن أن نتبيّن حضور نفس الصّنف من الجمال: الألق (claritas) حيث ينقل اللّون، والشّكل، والعدد، وأقسام البناء - الجدران، والأبواب، والأبراج، وتجهيز المدينة، وتزويقها؛ حيث كلّ هذا يحمل رمزيّة محدّدة ولكن ثاوية في تلك المفردات البصريّة. ففكرة الإيمان وقد تُرجمت إلى علامات تغدو تعبيراً عن رؤى في الوجدان. وبعبارة أخرى، فإنّ ما هو لا مرئيّ ينبغي أن يكون أكثر أهمّية وأكثر جمالاً من المرئيّ تماماً كما هو الأمر في عبارة للقسّ سوجير (1081-1151) الذي يعتبره بعضهم مؤسّساً للفنّ القوطيّ: «المعنى منذور لإثارة الإعجاب». تغدو القدس، إذن، وهي موضع أهواء مضطربة، في المخيال الغربي نظيراً للفردوس المفقود.

اليوتوبيا الإسرائيلية.. تدميريّة
يعرّف عالم الاجتماع الألماني (كارل مانهيم) Karl Mannheim اليوتوبيا على أنّها كلّ التّمثّلات أو الأمنيات المتأتّية من الرّغبة في القطع مع النّظام القائم بحيث تمارس، عندئذ، «وظيفة تدميريّة». وهذا التّعريف من شأنه أن يتفادى الاكتفاء ببعض التّحديدات الضّيّقة لليوتوبيا على أنّها حلم لا واقعيّ يتعذر أن يتحقّق. وهذا ما ينسحب على اليوتوبيا الإسرائيليّة. ولذلك، لا يتعلّق الأمر، في ما يخصّ الموقف الإسرائيليّ بتعطيل اليوتوبيا؛ وإنّما بيوتوبيا تدميريّة. فرغم كونها واقعاً طوبوغرافيّا عيانيّاً، فإنّ القدس مدينة خياليّة ومستوهمة؛ فهي مستهدفة اسميّاً حيث تغدو أسماءُ الأماكن (toponymie) صناعة سياسيّة لا تتوانى إسرائيل عن تطويرها باستمرار من أجل مَحْوِ الذاكرة الاسميّة العربيّة [العرب عرضة في مناسبات كثيرة لممحاة الاسم؛ لنا أن نستحضر إصرار إيران على اسم «الخليج الفارسي» بدل الخليج العربيّ].. هي مدينة ترتدي في كلّ مرّة جلداً جديداً فوق ما ترتدي من قبلُ.. ولذلك يرى بعضهم أنّها مدينة طِرس palimpseste، حيث كلّ مُدّع لملكيّتها يسعى إلى محو المكتوب على هذا الرّقّ الطّوبوغرافي العربيّ وكتابة ما يوافق أهواءه.. هكذا تتعامل إسرائيل مع هذه المدينة المقدّسة، تتعامل معها بمنطق «امحُ واكْتُبْ ». إنّ السّور الذي أقامته إسرائيل دلالة على منطق الحيازة؛ فبإخراج القدس (وغيرها من أراضي فلسطين التّاريخيّة) من محيطها وتحويلها إلى جزيرة معزولة عن العالَم فهم مغلوط للمكان الطّوباويّ الذي تحفل به الأساطير والذي يتمثّل عادة في «جزيرة نائية»؛ وهو ما نلفيه واضحاً في عنوان كتاب توماس مور «الشّكل الأفضل للمجموعة السّياسيّة والجزيرة الجديدة لليوتوبيا». وبهذا لا تفعل إسرائيل غير أن تتعسّف على منطق الجغرافيا التي لا بدّ أن تتصالح يوماً مع نفسها بما تقتضيه قوانين الطّبيعة.
لئن كانت اليوتوبيا تستخدم الأساطير مثل خزّان من الصّور والوضعيّات ذات البعد الرّمزيّ القويّ؛ فإنّها تنتقي منها الموادّ الأكثر تناسباً مع رؤاها وتتبنّاها من أجل نشر وعودها السياسيّة. وأن يعود المؤرّخ إلى الأساطير ليستنطقها فذلك وارد وقد يكون محبّذاً، لكن أن ينطلق منها على أنّها حقائق فذلك غريب تماماً عن منطق العلم. وعليه، فإنّ المؤرّخين الإسرائيليين يستهزؤون بعلم التّاريخ وبعلم الجغرافيا عندما يقدّمون روايتهم التاريخيّة للقدس، ولمجمل فلسطين، تحت سقف التّوراة ووعودها.

اليوتوبيا الجريحة
ليس بالنّسبة إلى المسيحي الغربي فقط تكون القدس أرضاً غائبة، بعيدة، ثاوية في مآثر ملحميّة تعظّمها، ليس بالنّسبة إليه هو فقط تكون القدس مكاناً للغربة والغرائبيّة تزوّقه حكايات رحلات الحجّ الغابرة؛ وإنّما هي كذلك بالقدر نفسه، وأكثر، بالنّسبة إلى العربيّ المسلم والمسيحيّ. حتّى المقدسيّ نفسه يرى إليها خطّ أفق للتّعايش العالميّ يتلاشى كما تلاشى أمام إدوارد سعيد وهو يعود إليها سنة 1992 فلا يجد بيت الأسرة. فلئن كانت اليوتوبيا تعني بحسب الاشتقاق اللّغويّ الإغريقيّ ما يفيد محو المكان الأصليّ ليتمّ تحويله إلى مكان مثاليّ مخيَّل، أي إلى «لا مكان» في نهاية الأمر؛ فمن دلالات ذلك أنّ هذا «اللّا -مكان»، في شعور المقدسيّ والفلسطينيّ عموماً، ليس بالضّرورة ضوءاً يأتي من المستقبل وإنّما هو، ويا للمفارقة، مكان ماضٍ يتلاشى على نحو من الألم مرير يعبّر عنه إدوارد سعيد في سيرته (خارج المكان) عندما يتحدّث عن القدس.. أو نظير ما نلفيه لدى محمود درويش في قصيدته عن القدس عندما يستنطق الحجر عسى أن يظفر منه بجواب عن أسباب ما لحق بمدينة الأنبياء والقدّيسين.
قد يكون صحيحاً أنّها مدينة تغدو من فرط التّاريخ والجغرافيا يوتوبيا، أي ما تحنّ إليه الذاكرة أو ما تحلم به المخيّلة؛ حتّى أنّه إذا كان بعضهم يتحفّظ على أنّ لها تاريخاً وجغرافيا، نظراً إلى استئثار الذاكرة بها؛ فذلك راجع إلى أنّ التّاريخ وإن كان لا يردّ بالضّرورة الحقّ لأصحابه فإنّه يشهد به لهم في حين أنّّ الذاكرة النّابضة تظلّ تنبيها موصولاً إلى هذا الحقّ.. لكن ليس أيسر من الالتجاء إلى الذاكرة التي لا يسندها تاريخ موثوق عند الاضطلاع بمهمّة تزوير التاريخ؛ فمثل هذه الذاكرة تضخّم الحدث الجزئيّ وتنزلّه منزلة المركز في سلسلة الأحداث. على أنّ الإسرائيليين لا يدركون أنّ مثقّفا مثل إدوارد سعيد الذي افتكّوا منه «قُدْسه» قد أبّد بموقفه وكتاباته صفة «المسلوبة» للقدس؛ أي مهما سدرتم في التّهويد فهي ليست لكم.. لم يدركوا أنّ الأمر لا يتعلّق بمجرّد حنين رومنطيقيّ وإنّما بذاكرة عامرة بالمكان المسلوب ستظلّ تقضّ مضاجعهم. يعتقدون أنّهم يزمّنون الأبديّة باحتلالهم للقدس لكنّهم في واقع الأمر ينزلقون إلى «أرخنة» المقدّس على نحو يتعارض حتّى مع الوصايا التّوراتيّة. ولنا أن ننوّع سوداويّا هاهنا على مزحة سيوران Emil Cioran التي تقول بأنّ اليوتوبيا تسعى إلى «استرجاع عدن ولكن بوسائل السّقوط» وليس الصّعود؛ فنقول بأنّ ذلك ينسحب تماماً على اليوتوبيا الإسرائيليّة، حيث يمثّل حدث احتلال إسرائيل للقدس ومسعى تهويدها، في ضمير العالَم، سقوطاً أخلاقيّاً مدوّياً.

اليوتوبيا الحلّ.. اليوتوبيا المسالمة
في تناسب مع اسم المدينة (مدينة السّلام) تكون الإنسانيّة، عبر مؤسّساتها السّياسيّة والثقافيّة الدّوليّة، مدعوّة إلى حلّ قد يبدو طوباويّا لكن لا مناص منه لتفادي دوّامة العنف والصّراع الدّمويّ؛ وهو النّظر إلى القدس لا باعتبارها فقط جغرافياً وتاريخاً لكن كونها قبلة للدّيانات التّوحيديّة الثلاث تنتسب إلى الأرض الفلسطينيّة المعترف باحتلالها دوليّا والتي لا بدّ أن تتحرّر، يوما ما، كأيّ دولة كابدتْ نير الاحتلال. فالأمر ولئن كان يتعلّق بالدّلالة الأنثروبولوجيّة للمدينة بما هي فضاء عَرف في عهود كثيرة التّعايش بين الدّيانات الثلاث وبين قوميّات مختلفة في كنف عروبة المدينة؛ فإنّه يتعلّق أيضا بالجانب القانونيّ حيث هناك اعتراف دوليّ بفلسطينيّة المدينة. ولا يمتلك العالَم إلاّ تكريس الحقّ القانونيّ والتّاريخيّ وتشجيع هذه التّجربة الأنثروبودينيّة الفريدة.
تقدّم كثير من الكتابات القدس على أنّها صنو معكوس لبابل؛ فبابل دمّرها التعدّد اللّغويّ كناية عن التعدّد العرقيّ والقوميّ، ويقدّم التّوراتيّون الجدد أنفسهم على أنّهم استوعبوا الدّرس البابليّ بتطبيق نفس الرّمزيّة على القدس؛ لكن بئس درسهم القائم على منع التعدّد واحتكار المدينة تهويداً. إلاّ أنّه أمام الإنسانيّة فرصة استعادة بابل عامرة شامخة لكن في القدس.. ولنا أن نلاحظ في هذا السّياق أنّ التّاريخ الدّيني لا ينفكّ يضطلع، عبر تراكماته، بإضفاء الطّابع المثاليّ على القدس، ليس من النّاحية المعماريّة والطّوبوغرافيّة فقط، بل من حيث هي «بوليس» (مدينة) كونيّة.. غير أنّ الحدث الذي يعطّل هذا المشروع هو الاحتلال الإسرائيليّ للقدس.

سقوط أخلاقي
يقول إميل سيوران Emil Cioran مازحاً إن اليوتوبيا تسعى إلى «استرجاع عدن ولكن بوسائل السّقوط» وليس الصّعود، ولنا أن ننوّع سوداويّا على مزحة سيوران فنقول بأنّ ذلك ينسحب تماما على اليوتوبيا الإسرائيليّة حيث يمثّل حدث احتلال إسرائيل للقدس ومسعى تهويدها، في ضمير العالَم، سقوطا أخلاقيّا مدوّيا.