تقارير

«بريطانيا العالمية».. برنامج لا شعار

ليس من العسير الوقوف على الصعوبات الكبرى التي ستواجهها بريطانيا بانسحابها من منظومة الاتحاد الأوروبي، ويمكن التعبير عنها من خلال التساؤل التالي: كيف يمكن كبح الحركة التحررية للشعب البريطاني في الوقت الذي تسعى فيه حكومته إلى تعزيز علاقاتها التجارية مع دول الاتحاد الذي انفصلت عنه؟
لقد كان من الواضح أن موقف الحكومة البريطانية في المجال التجاري يتميز بالقوة لسببين؛ أولهما أن الدول السبع والعشرين الأعضاء في الاتحاد سوف تدرك عدم جدوى تعقيد الأمور أمام الشركات البريطانية، ويكمن ثانيهما في أنه حتى لو تدهورت البيئة التجارية بين الطرفين، فسوف تكون هناك مقاصد مهمة وذات عوائد كبيرة للبضائع والسلع والخدمات البريطانية خارج الاتحاد الأوروبي.
ويمكن وصف الجو العام للمؤتمر السنوي لحزب المحافظين الذي نُظِّم في مدينة بيرمنجهام مؤخراً، بأنه كان قاتماً. وكانت تيريزا ماي قد شددت في خطابها المتصلب الذي ألقته الأحد الماضي على المواقف المتطابقة لوزراء حكومتها، والتي تتلخص في أن الانسحاب يعني استعادة السيادة البريطانية والتحكم بالحدود، وبأن الاقتصاد سوف يعمل جيداً من دون الاعتماد على سوق منفردة لو تطلب الأمر ذلك.
ويوحي الانطباع السائد الآن بأن العصبة الحالية من وزراء تيريزا ماي تمثل لفيفاً من أصحاب الكفاءات، معظمهم تكنوقراطيون في أهدافهم ومقارباتهم (فيما عدا استثناء وحيد ومهم يتعلق بوزير الخارجية بوريس جونسون الذي يبدو كأنه يغرّد خارج السرب). يضاف إلى ذلك أن وزراءها، بمن فيهم وزير الدولة لشؤون الانسحاب من الاتحاد دافيد دافيز، ووزير التجارة وليام فوكس، أظهروا مواقف موحدة إزاء استكمال إجراءات الانسحاب، أكثر مما توقعت التقارير الصحفية. وكان موقفهم يتلخص في النقاط التالية: إن المملكة المتحدة تستفيد بطبيعة الحال من التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي. ولن يتغير هذا الأمر إلا إذا قرر جيرانها فرض قيود وتعرفات جمركية جديدة يمكنها أن تضر باقتصاداتهم ذاتها. ومن جهة ثانية، تريد المفوضية معاقبة بريطانيا حتى تمنع الدول الأوروبية الأخرى من التفكير بتأخير الإجراءات الهادفة إلى تمتين انتمائها إلى الاتحاد. إلا أن الوزراء البريطانيين مقتنعون بأن أقرانهم في الحكومات الأوروبية الأخرى سيتخذون موقفاً براجماتياً أكثر تصلباً خلال المفاوضات المقبلة.
ويقول تشارلز جرانت، مدير «مركز الإصلاح الأوروبي» وأحد الذين يحذّرون من أن تلعب بريطانيا دوراً يفوق حجمها الحقيقي في المستقبل: «من خلال زيارة قمت بها مؤخراً إلى برلين وبروكسل وباريس وبعض العواصم الأوروبية الأخرى، فوجئت بمدى تطابق مواقف الدول السبع والعشرين في ما يتعلق بمفاوضات انسحاب بريطانيا. وهناك مخاوف حقيقية من أن يؤدي فوز بريطانيا بـ(وضع خاص) في التعامل مع الاتحاد، إلى مطالبة دول أخرى من داخله وخارجه بالفوز بوضع مشابه. ومن شأن ذلك أن يقوّض التركيبة المؤسساتية الراهنة للاتحاد الأوروبي بما فيها المفوضية والبرلمان الأوروبيان، وبما يؤدي إلى انهيار الاتحاد برمته».
ولا يقتصر موقف الوزراء البريطانيين على عدم الاكتراث بالخسارة المتوقعة للتعامل مع السوق الأوروبية المنفردة، بل يبدو أنهم مقتنعون تماماً بأن الوضع الراهن يهيئ لبريطانيا الفرصة السانحة لأن تتحول إلى «بريطانيا العالمية»، وبأن الأسواق الهندية والبرازيلية يمكنها إغراء المصدّرين البريطانيين أكثر من الأسواق الأوروبية. وجاء في إحصاء حكومية بريطانية أن 89% من الشركات البريطانية لا تصدر أي منتج على الإطلاق. ويؤكد السياسيون البريطانيون أن الاجتماعات التي عقدوها مع أقطاب السياسة في العالم، على خلفية استفتاء الانسحاب، لم تحمل مواقف ذات تأثير سلبي على المستثمرين العالميين أو الشركات متعددة الجنسيات العاملة في بريطانيا.
ثم إن بريطانيا التي تحتكم إلى أفضل نظام قانوني في العالم، وبسبب احترامها الشديد لحماية الملكيات الخاصة، ودورها كجسر اقتصادي بين أوروبا وشمال أفريقيا، كل ذلك يجعلها أكثر جاذبية مما كانت كخيار استثماري عالمي. إلا أن كونها معقلاً للغة الإنجليزية، وامتلاكها توقيتاً متقدماً بخمس ساعات عن توقيت نيويورك بدلاً من ست ساعات بالنسبة إلى باريس، ربما يخلق لدى المرء إحساساً وهمياً بالأمان. وأنا أشك في أن الحكومة البريطانية تراهن الآن على بروز المشاعر المناهضة للاتحاد الأوروبي خلال الانتخابات العامة التي ستنظّم في ألمانيا وفرنسا العام المقبل، وبما سيؤدي إلى التخفيف من حماسة الدولتين الرئيستين لتمتين علاقتهما بالاتحاد.
وربما كان بعض المواقف المعلنة في اجتماع بيرمنجهام ليست سوى مجرد تبجحات سياسية تهدف إلى تعزيز الثقة بالاقتصاد البريطاني من الآن حتى انتهاء إجراءات الانسحاب.

*محلل اقتصادي أميركي وسفير
سابق في نيوزلندا
يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»