عربي ودولي

إعادة ترتيب البيت العربي من الداخل أولوية قصوى

أنصار ترامب في نيويورك يحتفلون بفوزه بالرئاسة (أ ف ب)

أنصار ترامب في نيويورك يحتفلون بفوزه بالرئاسة (أ ف ب)

دينا مصطفى (أبوظبي)

لم تكن ردود الفعل العالمية أقل قوة من المفاجأة المدوية التي فجرها فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية، حيث رأى مراقبون أن القوى المتمردة الشعبية الغاضبة التي جاءت بهذه النتيجة، من شأنها أن تغير خارطة العالم في السنوات القليلة المقبلة. ووصف خبراء النتيجة، بأنها تعكس الانقسام الكبير داخل الشعب الأميركي، وأكدوا أن سيناريو فوز هيلاري كلينتون كان أكثر سوءاً من نجاح ترامب. فيما دعا محللون العالم العربي إلى الاستفادة من الفرصة الذهبية وإقامة تفاهمات مع الإدارة الجديدة وإعادة صياغة تحالفات جديدة تنقذ المنطقة من ويلات التفكيك والحروب والدمار التي تعصف بها.

فوز كلينتون كان سيغدو كارثياً!
من جهته، قال نعمان بن عثمان رئيس مؤسسة كويليام للأبحاث إن فوز كلينتون كان سيغدو بمثابة كارثة على العرب واستمرارا لمشروع تفكيك وتدمير العرب والتفرقة بينهم، حيث تعد الابنة البارة لإدارة أوباما وكانت ستسير على نهجه، فلم يكن لدى العرب فرصة معها. وأكد أن هناك وثائق رسمية تؤكد أن كلينتون متورطة في تسليح وتمويل داعش. وأوضح أنه على الأقل الوضع مختلف مع ترامب. ورأى الباحث والأكاديمي المقيم في لندن في تصريحاته لـ«الاتحاد» أن العرب لديهم فرصة ذهبية، لإعادة تصحيح علاقتهم مع الإدارة الأميركية بشكل مختلف تماماً عن ثمانية أعوام من الجحيم، فهناك دول عربية لديها فرصة الآن لتكوين تحالفات قوية مع أميركا، وأغلب دول مجلس التعاون الخليجي لديهم علاقات وثيقة ومميزة مع أميركا، ولذا إذا ما قاموا الآن بوضع صياغة جديدة للتعاون مع الإدارة الجديدة فإنهم يصلون لحل الأزمات في الشرق الأوسط. وأشار إلى أن من أهم النتائج المترتبة على نتيجة اليوم وقف مشروع الدفع بالمتشددين إلى السلطة كنخبة بديلة للنخب الحاكمة في مصر وباقي دول الشرق الأوسط. كما أكد أن هناك فرصة كبيرة للحوار مع ترامب.

خطوة استباقية
واقترح ابن عثمان أن يبدأ العرب خطوة استباقية ويذهبوا إلى البيت الأبيض ويعيدوا صياغة العلاقات العربية الأمريكية للتفاهم مع هذه الإدارة الجديدة التي تتبنى وجهات نظر مختلفة تماماً عن ما قبلها من إدارات، فالإدارة القديمة كانت تفرض مفاهيم ليبرالية متوحشة نتج عنها تدمير مجتمعاتنا. ورأى أن القوى التي أتت بالرئيس الأميركي هذه المرة مختلفة تماماً عن كل القوى التي أتت بالرؤساء السابقين. واعتبر أن الأحزاب التاريخية العريقة التي كانت تؤثر عادة ً في الانتخابات، لم يعد لها تأثير بالمرة. فترامب لم يكن عضواً في أي حزب أو كيان سياسي، بل بالعكس هذه القوى ضد الأحزاب السياسية الموجودة، كما أنها ضد العديد من القيم الديمقراطية الأميركية التي تتبناها تلك الأحزاب. وأكد أن أغلب أفكارهم انعزالية، وكل اهتمامهم بالداخل الأميركي.
وقال إن أغلب وعود ترامب الانتخابية كلها تتركز في الداخل، مثل بناء جدار بينه وبين المكسيك ومنع تدفق المسلمين وترحيل اللاجئين، ورأى أن نقد ترامب للملفات الخارجية كان بمثابة نقد كوارث ناجمة عن إدارة أوباما الديمقراطية السابقة، فإدارة أوباما في نظر ترامب هي الداعمة الأولى لإرهاب داعش في الشرق الأوسط. وأشار إلى أن ترامب أول مرشح رئاسي يهاجم الإدارة الأميركية بهذا القدر من الصراحة والوضوح، حيث وجه لها اتهامات بصنع «داعش» و«القاعدة» الذي كان له تأثيره الضار على أميركا حيث أصبحت في مرمى الإرهاب بسبب ممارسات إدارة أوباما.
وشبه ابن عثمان موجات التصويت المخالفة للتوقعات التي اجتاحت الغرب والتي بدأت من بريطانيا لتصل إلى الولايات المتحدة الآن بأنها موجات غضب راديكالية اجتاحت أوروبا، والبعض يراها سقوط لليبرالية الغربية. ورجح أن سياسات ترامب بالتأكيد ستتأثر بفريقه الاستشاري، فترامب المرشح الجمهوري يختلف عن ترامب الرئيس، وقد يكون هذا الفارق الوحيد، ولن نرى تصريحات تحريضية كما كان يفعل للتأثير في الناخبين أثناء حملات الترشح وهو في مرحلة التعبئة والشحن.

انعكاس لانقسام أميركا
وقال بشير عبد الفتاح المحلل السياسي ورئيس تحرير مجلة الديمقراطية إن النتيجة كانت مفاجأة كبيرة بكل المقاييس لأن كلينتون تمتعت بدعم كبير من المؤسسات السيادية والإعلام، واستطاعت توجيه ضربات موجعة إلى خصمها ترامب خلال المناظرات وخلال الحملة الرئاسية خسرت هذه الانتخابات بينما فاز الرجل الذي لم تكن له علاقة متعمقة بالسياسة، الرجل الذي كانت آراؤه مثيرة للجدل وبالتالي كانت المفاجأة ليست للأميركيين فقط ولكن للحكومات والأنظمة خارج أميركا في جميع أنحاء العالم.
ورجح عبد الفتاح المقيم بالقاهرة في صريحات لـ«الاتحاد» أن النتيجة تشير إلى تمرد الشعب الأميركي على مؤسساته وأحزابه التقليدية، فالرجل منذ اليوم الأول أعلن أنه جاء من خارج المنظومة السياسية والحزبية الأميركية ولعلنا تابعنا انسحابات أقطاب الحزب الجمهوري المتوالية لدعم ترامب، حيث وصل البعض منهم لدرجة سحب ترشحه في الانتخابات الرئاسية، وبالتالي ترامب لبى رغبة هؤلاء في التمرد على المنظومة السياسية المؤسسية. وقال إن المحاولات السابقة لترشح رجال أعمال للرئاسة الأميركية باءت بالفشل، ولكنها نجحت هذه المرة. ولعلها المرة الأولى التي يأتي فيها رجل من خارج الحزب ليهزم فيها سياسية محنكة مثل كلينتون هذه الهزيمة الساحقة.
وأضاف أن هذا ليس السبب الوحيد في نجاح ترامب، بل تشكيكه في نزاهة المؤسسات والأحزاب أنها تصنع الرؤساء والسياسيين وتزج بهم في السلطة وهو ما حدث عندما رأينا الـ«إف بي أي»يغض الطرف عن قضية البريد الإلكتروني الخاص بكلينتون. كما أرجع عبد الفتاح سبب نجاح ترامب إلى ملل الناخب الأميركي من الحزبين المهيمنين على أروقة السياسة، فضلاً عن دعم 200 وسيلة إعلامية لكلينتون مقابل 8 فقط غير معروفة دعمت ترامب. وأكد أن هناك سببا آخر هاما لنجاح ترامب، يعكس حقيقة أميركا اليوم، فهي منقسمة ويجب الاعتراف بذلك، فوضع الأقليات في أميركا حرج لدرجة كبيرة، وهو عبر بصدق عن انقسام المجتمع بصدق، بينما تصريحاتها المثالية أنهم متوحدون لم تكن حقيقية، وإنما كانت نموذجية ولكنها لا تعبر عن حقيقة المجتمع الذي شهد العديد من الحوادث العنصرية الفترة الماضية. فالأميركيون من أصل أفريقي يتبادلون إطلاق الرصاص مع الشرطة، والإسبان يشعرون بالغربة، والمسلمون مهددون ومتهمون بالإرهاب، فلحمة أميركا في حاجة إلى إعادة ترميم.

تعطيل مشاريع إدارة أوباما السلبية
ورجح عبد الفتاح أن تتغير تصريحات ترامب كلياً بعد نجاحه في الانتخابات، فخطاب ترامب المرشح سيختلف كلياً عن خطاب ترامب الرئيس، لأنها بعد ذلك ستكون وثيقة يحاسب عليها، وقال إن الكونجرس وفريق مستشاريه سيلزمونه بالسياسة التي سيسير عليها خلال فترة رئاسته. وأعرب عن أسفه الشديد لعدم وجود لوبي عربي مثل اللوبي اليهودي يكون مؤثراً في صناعة القرار الأميركي وتغيير سياساته لدى المنطقة، مثل اللوبي الصهيوني. وقال إن الدول العربية للأسف غير قادرة الآن على ذلك، نظراً للظروف التي تمر بها كل دولة منهم فهناك دول مؤثرة ولكنها لديها مشاكلها التي تعاني منها مثل العراق وسوريا وليبيا واليمن، وهناك الحصار الاقتصادي على مصر. وقال إن مد اليد لهذه الإدارة الجديدة وتقديم اقتراحات لها هو الطريقة المثلى للتعاون مع المنطقة.. يجب على العرب تقديم مبادرات وتنسيق المواقف فيما بينهم واستخدام ورق ضغط لإقناع الإدارة الجديدة بأفضل السبل لحل الأزمات في المنطقة.

فيسك: إدارة ترامب ستفشل
في التعامل مع قضايا المنطقة
من جانبه قال الكاتب البريطاني البارز روبرت فيسك إن منطقة الشرق الأوسط ستشكل ملفاً صعباً أمام الرئيس الأمريكي المنتخب وستضعه أمام خياريّ الحرب أو السلام. وأشار في تصريحات لـ«الاتحاد»إلى أنه لن يكون بوسع إدارة الرئيس المنتخب بالوضع الذي تبدو عليه الآن التعامل مع معضلة من هذا القبيل. وتوقع ألا تختلف ملامح الشرق الأوسط كثيراً في ظل حكم ترامب عما كانت ستصبح عليه إذا ما فازت هيلاري بالانتخابات الرئاسية.
وقال فيسك إن الدعم الأمريكي غير المحدود لإسرائيل المدججة بالسلاح النووي ولرئيس حكومتها الفوضوي سيستمر بدعوى أنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وأضاف أنه سيكون بمقدور الساكن الجديد للبيت الأبيض إعادة استخدام الكذبة المبتذلة التي تستخدمها وزارة الخارجية الأميركية منذ أمد طويل والتي تتمحور حول القول إن على كل الأطراف في الشرق الأوسط، والذين يتمثلون في إسرائيل المفعمة بكل أسباب القوة وفلسطين المحتلة، ضرورة اتخاذ قرارات صعبة من أجل السلام».
واستبعد فيسك أن يُقْدِم ترامب بشكل فوري على تنفيذ تعهداته الانتخابية الخاصة بنقل السفارة الأميركية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس. وقال إن ذلك الأمر قد يُرجأ لبعض الوقت على خلفية «مخاوف أمنية» لدى الأميركيين. وأشار إلى أن الرئيس المنتخب سيواصل الحديث الطنان عن الإرهاب والإرهاب والإرهاب ثم الإرهاب وعن تنظيم داعش، إلا إذا كان الرئيس الموشك على الرحيل باراك أوباما قد تمكن من إلحاق الهزيمة بالتنظيم قبل دخول ترامب للمكتب البيضاوي. وقال إن هزيمة التنظيم الإرهابي في هذه الحالة قد لا تعدو اختياره اسماً جديداً له.

مزاجية الشعب الأميركي
ورأى محمد عبدالله آل زلفة، عضو مجلس الشورى السعودي السابق أن المفاجأة المدوية تعكس مزاجية الشعب الأميركي، فقد ملوا من إدارة الديمقراطيين الذين أضعفوا هيبة أميركا، ويبدو أن الشعب متعطش لعودة أميركا إلى سابق عظمتها. وقال إن هناك أملا كبيرا مع الإدارة الجديدة، فبعد ثمانية أعوام مع إدارة أوباما أدركنا أنهم غير مهتمين بالمنطقة على الإطلاق بل يريدون نفض أيديهم من مختلف الصراعات، فقد انسحبت القوات الأميركية من العراق وسلمتها إلى إيران..هم سبب رئيسي أيضاً في استفحال الأزمة السورية وعدم الوصول إلى حلول لها حتى الآن. وتابع «على دول مجلس التعاون الخليجي التفاؤل لأنه لو فازت كلينتون كانت ستستمر على المنوال نفسه، ومع أنه من المبكر تقييم الرجل لكنه ليس بسوء كلينتون».
ورأى أنه بحكم أنه رجل أعمال يبحث عن الاستقرار وبالتالي سيحاول بكل طاقاته إرساء دعائم الأمان في بلاده وحماية مصالحها داخلياً وخارجياً، وسيسعى إلى تكوين تحالفات جديدة لدعم بلاده. وأضاف أنه يعلم جيداً أن مصدر القلق في المنطقة هو إيران، وقد تعهد بإعادة التفاوض بشأن هذه الاتفاقية، وربما بدبلوماسية أفضل من تعامل إدارة أوباما ربما يطرأ تغيير على المنطقة. وأكد أنه بالتأكيد سيكون هناك عقبات، ولكن يجب تحطيمها فهو الرئيس، والكونجرس ومجلس الشيوخ لديه الأغلبية فيهما، وحكام الولايات أغلبهم جمهوريون، وعليه أن يتحمل مسؤولياته ويحدث فارقا لأولئك الذين انتخبوه. وأضاف «على العرب أن يتحلوا بالحكمة مع الإدارة الجديدة، فالمملكة العربية السعودية لديها فرصة كبيرة لتكوين تحالف مع الإدارة الجديدة، فلا يوجد ما نأسف عليه في الماضي، ولعلها تكون مرحلة جديدة تحتاج إلى التريث والذكاء».