الملحق الثقافي

الإشاعة تتقوى بإضعافها

عبد السلام بنعبد العالي

«تتمتع الإشاعة بقدرات ذاتية، فهي ليست في حاجة لمن يفرضها ولا لمن يتحمّل مسؤوليتها». م.بلانشو

إذا كان الخبر بحاجة إلى وسائط لبثه، وإلى حوامل تنقله، فإن الإشاعة ليست لها حوامل، فالإشاعة تتناقل من غير أن تُنقل.
***
الإشاعة لا تُنقل عن مصدر معيّن. وهي تؤخذ على أنها من باب «ما يُقال»، وليس ما صرَّح به هذا المصدر أو ذاك.
***
الإشاعة لا تخبر، وإنما تدلّ وتشير، إنها «علامة على»، أكثر منها «شاهداً على».
***
يقول بلانشو، «لا تتوخى الإشاعة إلا الذيوع والانتشار، وهي لا تبحث عن أداة تعبير تفصح عنها، ولا عن وسيلة إثبات تؤكد صحتها».
***
كأنما تتولد الإشاعة عن ذاتها، إنها ليست «إشاعة» من ورائها فاعل، وإنما «إشاعة» مستغنية عن كل ذات فاعلة.
***
ليست الإشاعة خبراً كاذباً، لكنها ليست بالخبر الصادق. إنها تتنقّل بمعزل عن الخطأ والصواب، وعن الصدق والكذب.
***
الردّ على الإشاعة هو دوماً مساهمة في نشرها...
***
لا تموت الإشاعة ولا تمحى، لكنها قد تخفت وتفتر، فيتضاءل مفعولها.
***
تكذيب الإشاعة لا يزيدها إلا «صحة»، ولا يعمل إلا على «إنعاشها».
***
تتنقّل الإشاعة في فضاء يوجد «خارج الصدق والكذب»، فهي ليست خبراً كاذباً ينتظر «تصحيحه» ليخبر عن الواقع الفعلي، بل إن أي نيّة لجرّ الإشاعة إلى «المنطق»، ومحاولة تصحيحها، أو تكذيبها لا تعمل في النهاية إلا على تقويتها كإشاعة.
***
لا تقاس الإشاعة بسند تعتمد عليه، ولا بتماسك الخطاب الذي تنقله لفحص مدى «معقوليته».
***
كأن كل محاولة لإخضاع الإشاعة لـ«المنطق» إذكاء لبعدها عنه، وزيادة في انفصالها و«نموّها» في فضائها الخاص.
***
قوة الإشاعة لا تكمن فيما تنقله وعمّن تنقله، وإنما فيما تُحدثه وما يتولد عنها، وما يخلّفه ذيوعها من عواقب، فالإشاعات بمفعولاتها.
***
لا تستمدّ الإشاعات قوتها من مضمونها، وإنما من كونها تنتمي إلى فضاء كل ما يقال فيه قد سبق قوله، وسيستمر، ولن ينفك يُقال، ما يهمّ هو ما يتولد عن ذيوعها من ردود أفعال.
***
مقابل «جفاف» الخبر، فإن الإشاعة تتميز بنوع من الخصوبة، فهي لا تقتصر على نقل المتحقق، وإنما تكشف عن الممكن. بهذا المعنى فهي أكثر إخباراً عن الواقع الفعلي من الخبر نفسه. فإذا كان الخبر يكتفي بنقل الحدث، فإن الإشاعة تجس نبض من تشيع بينهم، فتخبر، لا عن أحوالهم، وإنما حتى عن أحلامهم.

إذا كان الخبر ينقل ما تمّ وحصل، فإن الإشاعة تستهدف ما سيأتي.
***
تُوظّف الإشاعة من أجل «تحسّس» واقع الأمور، و«جسّ نبض» الأشياء.
***
يبدو أن كثيراً من «النجوم» يحرصون على ترويج إشاعات عن أنفسهم، لفتاً للأنظار، وإثارة للاهتمام، وتكريساً للحضور.
***
لا تنقل الإشاعة المتحقق، بل تومئ إلى الممْكن. إنها لا تحيل إلى الأفعال والمنجزات، وإنما تكشف عن الآفاق والتطلعات.
***
لا تكتفي الإشاعات بالإخبار عن الواقع، وإنما تسهم في تشكيله وتوجيهه، وربما حتى في صنعه.
***
لم يغير تويتر وفايسبوك من بنية الإشاعة، إلا أنهما زادا من مفعولها، بما يسّراه من إمكانيات الذيوع والإنتشار.
***
تسمح الوسائط الجديدة للإشاعة، لا أن تتنقل في صورة اللغة والكلام وحدهما، وإنما عن طريق الصورة كذلك، مع ما يتيحه ذلك من تركيب وتوليف وفبركة ومونتاج.
***
عن طريق الوسائط الجديدة اتسع فضاء الإشاعات، فكبرت حجماً وازدادت توثيقاً.
***
تمكّن الوسائط الجديدة من «تخزين» الإشاعة وتمديد عمرها، بهدف إنعاشها متى اقتضت الضرورة ذلك، وتطلَّب الواقع شيئاً من الانفلات.