الملحق الثقافي

دوائر القمح لغة من عالم آخر

دوائر القمح حيرت العقول منذ سبعينيات القرن الماضي (أرشيفية)

دوائر القمح حيرت العقول منذ سبعينيات القرن الماضي (أرشيفية)

الفاهم محمد

منذ ميلاد العلوم التجريبية خلال عصر النهضة، اعتقد الإنسان أنه قادر على تصفح الطبيعة ككتاب مفتوح أمامه وقراءة صفحاته بكل الدقة المطلوبة، فما دام أن الطبيعة مكتوبة بلغة الرياضيات، لغة المثلثات والمربعات، حسب الجملة الشهيرة لجاليلي، فإن في إمكان الإنسان معرفة الكنه النهائي للطبيعة. لقد كان عصر النهضة والأنوار مرحلة ولادة الذات الواثقة من قدرتها على الهيمنة على الطبيعة، بفضل ما تملكه من قدرتها على التفكير وحل جميع ألغاز الكون، لكن الآن ونحن في الألفية الثالثة، ماذا بقي من هذه العقلانية المفرطة في حماستها؟ هل فعلاً استطاع الإنسان بفضل علمه وعقلانيته الظافرة أن يجد الأجوبة اللازمة لكل الأسرار التي واجهته؟
طبعاً بعد الأزمة الكبيرة التي عرفتها العلوم التجريبية، والتي أدت بها إلى مراجعة كبيرة لمسلماتها، ما أدى إلى ميلاد علوم جديدة هي الفيزياء الكوانطية.
وبعد الانتقادات التي تعرضت لها العقلانية الأنوارية، سواء من خلال العمل الذي قامت به مدرسة فراكفورت، أو مدرسة فلسفة الاختلاف الفرنسية، ما عاد بإمكان الإنسان اليوم أن يرفع عقيرته كي يتغنى بهذه «المحكيات الكبرى»، وقدرتها على جعل الإنسان هو المتحكم والمسيطرة على وجوده. صحيح أننا اليوم نعرف عن أسرار الكون والحياة أكثر بكثير مما كان يحلم بمعرفته أسلافنا، ولكن هذا لا يعني أننا استطعنا فعلاً أن نحل كافة الأسرار، وأن العالم أصبح خالياً من الألغاز، بل بالعكس كلما تقدمنا إلى الأمام كلما اتسع السر، بما فيه السر الأكبر، سر وجودنا في هذه الحياة.
تمتنع المصفوفة المعرفية الرسمية عن الاعتراف بهذه الأسرار، بل التفكير بها. إن أقصى ما تفعله هو أنها تبعد هذه المواضيع وترمي بها جانباً، كما لو أنها لاتستحق التفكير. الأمر يشبه المثال الذي قدمه ميشيل فوكو في كتابه الشهير «تاريخ الجنون»، حيث كان يتم شحن المجانين في مراكب ودفعهم بعيداً داخل البحر، هكذا بالمثل تقلق هذه الأسرار الطمأنينة الأكاديمية السعيدة، وهي لا تستمر في التقدم إلا من خلال تجاهل هذه الأسرار وعدم الالتفات إليها. لقد بنى ديكارت فلسفته على الوضوح والبداهة، ولكننا اليوم نرى وفي كل الاتجاهات إنه ما من شيء بدهي وواضح، فالأسرار تغمرنا من كل حدب وصوب.

ثامن عجائب العالم
دوائر القمح crop circels بالإنجليزية، les agroglyphes بالفرنسية، هي واحدة من هذه المواضيع التي حيرت العقول منذ سبعينيات القرن الماضي وإلى الآن. نعتت من طرف البعض بثامن عجائب العالم، هي عبارة عن رسوم تظهر عادة في حقول القمح، لكن ليس دائما، فبعضها ظهر في الرمال والثلج وحتى على الأرض التي يعلوها الطمي.
في البداية كانت على شكل أشكال هندسية مثلثات ومربعات ودوائر متداخلة مع بعضها بعضاً، غير أن هذه الرسوم تطورت مؤخراً لكي تصبح عبارة عن بيكتوغرامات pictogrammes أي رموز دلالية فكرية. أغلب هذه الرسوم ظهرت بداية في بريطانيا، وبالضبط في منطقة ويشاير witshire،، بالقرب من الموقع الأثري الشهير ستونهانج، لكنها ظهرت كذلك في مختلف بلدان العالم، مثل أستراليا وأميركا وفرنسا وروسيا والهند والمكسيك وغيرها.
يقدر عدد دوائر القمح التي ظهرت لحد الآن بنحو 9000 رسم. صحيح أن بعضها تبين أنها من فعل الإنسان، فهي تدخل ضمن التحايل، الذي يقوم به بعض المحتالين كما حدث مع البريطانيين دوغ باور وديف شارلي سنة 1990 عندما اعترفا أنهما كانا وراء ظهور بعض الرسوم على الحقول باستعمال وسائل بسيطة من الحبال وألواح الخشب، غير أن الرسوم الحقيقية تتضمن معطيات لا يمكن للمحتالين القيام بها. نذكر منها مثلا ما يلي:
بعضها يتضمن العدد الذهبي، وهو نسبة عددية رياضية يصعب محاكاتها من طرف عامة الناس.
تم تسجيل ارتفاع في الطاقة المغناطيسية داخل هذه الدوائر والرسوم.
هذه الرسوم معقدة جداً، وتمتد على مساحة كبيرة، يستحيل القيام بها من طرف البشر دون أن يتركوا أثراً لخطواتهم في الحقول.
الزرع لم يتم فقط طيه على الأرض، بل لاحظ الدارسون أنه متشابك مع بعضه بعضاً كنسيج التوب، كما أن سيقان القمح تبدو منتفخة، كما لو أنه تم تسخينها بطاقة معينة.
البوصلة تتعطل بمجرد الوصول إلى هذه الدوائر، وكذلك الهواتف المحمولة.
حتى بعد حصاد هذا الزرع ونزول الثلج في المكان نفسه الذي كانت فيه هذه الرسوم، فإنه يذوب بسرعة، مقارنة مع بقية الثلج الذي يغطي الأرض.
تمت ملاحظة أن الزرع الذي تم طبع هذه الرسوم فوقه ينمو بعد ذلك بطريقة أكثر من باقي الزرع في الحقل، بل أكثر من ذلك حتى بعد مرور سنة كاملة تظل قطعة الأرض هذه أكثر خصوبة مقارنة مع بقية مساحة الحقل.

محاولات للفهم
لا أحد يعرف اليوم بالضبط من وراء هذه الرسوم، لكن هناك إجماعاً عالمياً على أنها تفوق قدرات البشر. بعض الفيديوهات التي تم تسجيلها مصادفة تظهر كرات نارية صغيرة قد يصل حجمها إلى 3 أو 4 أمطار، تظهر هكذا فجأة من العدم ثم تقوم في ثواني معدودة بإنجاز هذه الرسوم التي تشبه لوحات فنية رائعة. كما أنه لا أحد أيضاً استطاع أن يفك شيفرة هذه الرسوم، وأن يقرأ الرسالة التي تتضمنها. صحيح أننا نعلم اليوم أن هذه الرسوم تتضمن معارف عميقة بالمجال الفلكي، وخصوصاً المجموعة الشمسية، أو بالمجال البيولوجي المتعلق بجسد الإنسان، أو أخيراً بالمجال الرياضي، لكن لحد الآن لم نستطع فك كامل مضمون الرسالة الذي تتضمنه. إن أقصى ما نعرفه حولها هو أنها ليست مجرد أشكال هندسية متداخلة مع بعضها بعضا وفارغة من المعنى، بل هي كما أشرنا سابقاً تتضمن معطيات رياضية معقدة جداً. أحد الباحثين قام بجمع بعضها والمقارنة بينها، فاكتشف أن لها علاقة مع بعضها بعضا، مثل العلاقة التي تجمع الحروف الموسيقية.
أما الباحث الفرنسي أمبيرتو مولينارو Umberto molinaro، فهو يرى أن الحضارات القديمة، مثل الحضارة الفرعونية أو حضارة المايا والأستيك وغيرها، كلها كانت على اطلاع بمعرفة فلكية عميقة ما زلنا إلى يومنا هذا نكتشف أبعادها، وأن دوائر القمح هذه تذكرنا بهذه المعرفة القديمة الضائعة. إننا في نظر الباحث دائما نعتقد بأننا أجساد فانية، غير أننا في الحقيقة وقبل كل شيء «أرواح تستعمل أجساداً».
في نفس السياق، يؤكد فيليب ماريو أن رسومات دوائر القمح تنطوي على شيفرات هندسية غاية في التعقيد، وأنها رسوم نجد لها شبها في الماندالا الهندية، أي في تلك الرسوم التي يقوم بها رهبان التيبت البوذيين بواسطة الرمل. وكلمة الماندالا Mandala هي كلمة سانسكريتية تدل على المبدأ الأولي الذي يتأسس عليه كل ما هو موجود، فالحياة برمتها انطلقت من نقطة محددة، وهي تتقدم وتتسع على شكل دوائر متناسلة fractales. في الماندالا نجد المتناهي في الصغر مثل الذرة، ونجد المتناهي في الكبر، مثل الكواكب والمجرات، وهذه هي نفسها الأبعاد التي نكتشفها في دوائر القمح.

الجواب على أرسيبو
عادة ما يصنف الباحثون دوائر القمح إلى نوعين: الأول هو عبارة عن دوائر مرفوقة بأشكال هندسية معقدة، وهذا النوع هو الأكثر عدداً. أما النوع الثاني فهو رسم مزدوج ظهرا سنة 2001 في مقاطعة chilbolton في الحقل المجاور لمركز المراقبة الفضائي، والثاني في crabwood 2002، وهذا النوع الثاني هو أشهرها وأغربها على الإطلاق، أولا لأنهما ولأول مرة ليسا على شكل دائري، بل على شكل مستطيل. وثانياً لأنهما يتضمنان لغة مشفرة ورسماً لوجه يشبه الوجه البشري. أغلب المتتبعين لهذا الموضوع رأوا أنه جواب مباشر على الرسالة المسماة أرسيبو Arcibo التي كان قد أطلقها الإنسان في الفضاء سنة 1974 والتي كانت عبارة عن لوح معدني نقش عليه شكل الإنسان، وموقع الكوكب الأرضي ضمن المجموعة الشمسية، ومعلومات أخرى. وإذن فالرسم الغريب الذي ظهر في حقول القمح بعد حوالي 30 سنة بدا كما لو أنه جواب مباشر على هذه الرسالة الأرضية، مع صورة جانبية لوجه كائن فضائي. العديد من الباحثين قاموا بتحليل هذه الرسالة والتعليق عليها، من بينهم الفيزيائي الشهير نسيم هارميان Nassim haramein صاحب نظرية الحقل الموحد. أكد هذا الباحث في محاضرة مصورة على اليوتوب أن الرسالة الفضائية تقول بأنهم أي الكائنات الفضائية مصنوعين من الكربون والسيليزيوم، وأن جزيئة الدنا الخاصة بهم تتكون من ثلاثة أشرطة، عكس دنا الإنسان الذي يتكون من شريطين فقط، وأن لديهم رأس كبير وجسم صغير، وأنهم يعيشون في ثلاثة كواكب وليس على واحد مثلنا.
أما الرسم الثاني المثير للانتباه من بين جميع الرسوم التي ظهرت لحد الآن، فهو عبارة عن مستطيل يتضمن وجهاً واضحاً لكائن فضائي مع قرص جانبي منقوش بشفرة ثنائية تقول ما ملخصه:«لا تخافوا نحن إلى جانبكم، ما زال الوقت قادماً».
إن الجديد في رسمي شيبولدون وكرابوود هو أنه لأول مرة نلاحظ وجود توقيع على الرسم عبارة عن صورة مموهة لكائن فضائي. وعلى كل حال فقد لاحظ المتتبعون لهذه الظاهرة أنه منذ ظهورها أوائل السبعينات وهي تتطور بشكل تدريجي، فبعد أن بدأت برسوم بسيطة انتقلت بعد ذلك لاستعمال رسوم هندسية معقدة، ومؤخرا بدأت تستعمل نوعاً من الكتابة الرمزية الغامضة.
ستظل دوائر القمح ظاهرة تدخل ضمن ما هو خارق le pra normale غير أن التطورات التي عرفتها المجتمعات حاليا، وعلى رأسها دخول العصر الرقمي بدأت تدفع هذا الموضوع إلى دائرة الضوء، بعد أن ظل لعقود موضوعاً محرماً وممنوعاً من التفكير، أي تابو.
دوائر القمح ما هي إلا لغة مشفرة قادمة من عالم آخر، ذات حمولة دلالية تنتظر منا قراءتها، لكن هذا لن يحدث إلا إذا قمنا نحن بتغيير عميق في طبيعة الوعي البشري. منذ عقود أصبح الإنسان لا يرى العالم إلا من منظور أحادي، هكذا أصبحت الحقيقة العلمية التجريبية هي الحقيقة الوحيدة المهيمنة، لذاك ضاعت تلك المعرفة القديمة التي كانت تشكل حكمة وثراء المعرفة القديمة، غير أن ظهور الفيزياء الكوانطية كعلوم طليعية تتجاوز الميكانيكا الكلاسيكية، من شأنها أن تعيد تشكيل منظورنا لأنفسنا وللكون. إن نظريات من قبيل تعدد العوالم، وأبعاد الكون اللامرئية كما في نظرية الخيوط الوترية، وكذلك الاكتشاف الباهر الذي قام به علم الفلك لما يسمى بالكواكب الصالحة للحياة والشبيهة بالأرض Les exo planètes، إضافة إلى العديد من الاكتشافات الأخرى التي قدمتها فيزياء الكم، كلها من شأنها اليوم أن تساهم في تنوير تلك المعرفة النظرية المحدودة التي ورثناها عن المصفوفة الأكاديمية. لا شك أننا اليوم في حاجة إلى تجاوز النظرة المادية التجريبية والمحدودة للأشياء، نحن في حاجة إلى يقظة جديدة للوعي البشري.

أرواح تستعمل أجساداً
الباحث الفرنسي أمبيرتو مولينارو Umberto molinaro يرى أن الحضارات القديمة، مثل الحضارة الفرعونية، أو حضارة المايا والأستيك، وغيرها، كلها كانت على اطلاع بمعرفة فلكية عميقة ما زلنا إلى يومنا هذا نكتشف أبعادها، وأن دوائر القمح هذه تذكرنا بهذه المعرفة القديمة الضائعة. إننا في نظر الباحث دائما نعتقد بأننا أجساد فانية غير أننا في الحقيقة وقبل كل شيء «أرواح تستعمل أجساداً».

طوفان الأسرار
بنى ديكارت فلسفته على الوضوح والبداهة، ولكننا اليوم نرى وفي كل الاتجاهات أنه ما من شيء بدهي وواضح، فالأسرار تغمرنا من كل حدب وصوب