صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

الثقافة السورية على إيقاع الزلزال

دمار لحق بالتماثيل الأثرية وسط سوريا (أ.ب)

دمار لحق بالتماثيل الأثرية وسط سوريا (أ.ب)

نبيل سليمان

قد تكون كلمة (الفسيفساء) هي الأوفى والأبهى للتعبير عن المكونات الاجتماعية والثقافية، وبخاصة في بلد مثل السودان أو العراق أو سوريا. غير أن الخشية تتضاعف من أن الخراب والدمار اللذين لحقا بالكنوز الأثرية السورية والعراقية، سوف يلحقان بالفسيفساء في المجتمع وفي الثقافة، وما أكثر وما أمرّ النُذُر بذلك.
لقد بدأت الزلزلة السورية في ربيع 2011 بالمظاهرات السلمية التي عاجلتها نُذُر العسكرة المعارضة، رداً على العنف الدموي الذي أسرعت به السلطة، وتعبيراً سيتنامى سنة فسنة، إن لم أقل شهراً فشهراً، عن سريان العسكرة في النسغ الاجتماعي السوري جراء الهيمنة العسكرية على مفاصل الحياة جميعها، منذ الانقلاب العسكري الأول عام 1949، وبخاصة بعد عام 1963. والآن: كيف يبدو الجسد الثقافي السوري بعد كل هذا الذي جرى منذ ربيع 2011؟ وإذا كانت الثقافة روح المجتمع، فكيف تبدو هذه الروح في سوريا اليوم؟ هل أصاب الجسد، فأصابت الروح، أو بالعكس، الأورام السرطانية، الخبيث منها والحميد؟ وسواء أصح ذلك أم لا، فماذا عما لم يزل للثقافة في سوريا من خصوبة وعافية؟

المثقف والطائفية
مبكراً أخذ صوت الأسلمة والطائفية يعلو، مشتبكاً مع صوت المظاهرات السلمية ومع العسكرة بوجهيها الحاكم والمعارض. قبل أن تختم جبهة «النصرة» سنة 2011 بحضورها المدوي كذراع سورية للقاعدة. وفي هذا السياق زايدت أصوات بعض المثقفين ذوي المنبت العلوي على نظرائهم من ذوي المنبت السني، في تخوين الطائفة العلوية.
من هذا الرعيل من لم يشفع عنده لآلاف الشباب والشابات من ذوي المنبت العلوي، أنهم ذاقوا ويلات سجون النظام ومعتقلاته طوال عقوده، وكذلك بعد وقوع الزلزال. بل بلغ الأمر ببعضهم حد العنصرية، مثلهم مثل ما سيلي من عنصرية داعش، ليس بصدد العلويين فقط، بل بصدد المسيحيين أيضاً، بل وبصدد (كل من هو ليس منا) من بقية الفسيفساء السورية. وقد سميتُ هؤلاء ونظراءهم الإقصائيين الموالين (كتّاب وفناني التدخل السريع). تيمّناً بقوات التدخل السريع السيئة الذكر.
في الجبهة المقابلة الموالية، وبالتفاعل مع التصدع الاجتماعي إلى الطائفية والعشائرية والجهوية والقبلية، وإلى الإثنية، يمكن القول إن المثقف الطائفي الموالي ظل شفوياً، بالأحرى، ظلّ أقل جرأة وشجاعة من نظيره المعارض في الإعلان الصريح عن طائفيته، سواء في الكتابة أم في الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي. ومثل هذا الصوت، يتخندق علوياً أو مسيحياً أو درزياً أو سنياً... حتى إذا ما اعتلى صهوة منبر عمومي، أخذ يرتل آيات الوحدة الوطنية والسورية، بل والعربية!
غير أن ذلك ليس (القصة كاملة)، إذ ثمة أصوات ثقافية أخرى، أرسلت خطاباً ثقافياً مختلفاً، بل ونقيضاً لما تقدم، وأشبه ببالع السكين ذات الحدين، إذ يناله ما يناله من أذى الفريقين اللذين جرى الحديث عنهما أعلاه.

النفاق الثقافي
قبل المضيّ أبعد، ربما يكون من الأَوْلى التشديد على أن الارتكاس الطائفي أو المذهبي أو الجهوي أو القبلي أو العشائري أو الإثني، قد لوّث - وآمل ألا يستفحل تلويثه - كما هدد وسيهدد الجسد الثقافي والروح الثقافية في سوريا، وذلك بالتفاعل المرضي الحاد مع استشراء أدواء الرايات السود، على اختلاف مسمياتها وحمولاتها العقائدية والأيديولوجية، وغلبتها الغالبة على الساحة الداخلية العسكرية المعارضة، ومع بروز الصوت الثقافي السياسي المعارض في الخارج، المنافق والمداهن لتلك الرايات كما لتابعياته الإقليمية والدولية، حتى صرتَ تسمع مثقفاً معارضاً وقيادياً يتحدث عن (شرف) سلاح جبهة «النصرة» – قبل أن تبدل اسمها إلى جبهة فتح الشام: جفش، فكيف من بعد هذا التبديل - وتسمع آخر يتحدث عن الإباحية الجنسية العلوية، ويعهّر النساء العلويات طرّاً، وتسمع ثالثاً يهوّن من قطع جبهة «النصرة» أو «داعش» لرأس تمثال أبي العلاء المعري في مسقط رأسه في معرة النعمان أو تمثال محمد الفراتي في مسقط رأسه في دير الزور، أو تمثال هارون الرشيد في عاصمته الثانية: الرقة. وليس بأقل نفاقاً من يبرر للبراميل المتفجرة أو لتدمير المدن أو لقطع رأس الطفل الفلسطيني أو من يبررون هذا الاحتلال أو ذاك، موالياً كان أم معارضاً.

الفيسبوك والنكتة
أما الكتابة الفيسبوكية، ومثلها كتابة المدونات، فقد ازدهرت ازدهار ثقافة التواصل الاجتماعي بغثّها الغالب وبديعها النادر. وإذا كانت هذه الكتابة، كما الغناء، تنادي نسباً شعبياً، تتنزل فيه الثقافة عن نخبويتها، فقد كان للثقافة الشعبية تجليات أخرى، تلفت فيها السخرية كما لم يكن للسوري من قبل عهد بها. وحسبي أن أضرب مثلاً بما ساقه فراس الشاطر تحت عنوان (وصايا عاشقة)، حيث توصي العاشقة عاشقها بكل هذه المفردات والتفاصيل التي تصوّر الحياة اليومية أبدع وأدق تصوير: انقطاع الكهرباء والإنترنت والخبز، وكذلك القنابل الغازية المسيلة للدموع والقنص...
«مابدي إياك تكون مثل الكهربا، فجأة تختفي من حياتي، وما بعرف إيمتى بترجع.
بدي تهتم فيني متل القناص، عيونك عشرة على عشرة. حسسني إنه فراقي متل الغاز المسيل للدموع، وإنك بتفرح برجعتي مثل ما بتفرح برجعة الإنترنت.
حسسني إني متل ربطة الخبز، ووقّفْ ع الدور حتى تحصل عليّ، وخبيني من عيون الناس».
غير أن من الأهمية بمكان ألا نجامل أو نتجاهل الحمى الفيسبوكية السياسية السورية التي تبلغ من الإسفاف والدجل أي مبلغ، وهذا ما يصح فيه قول سعيد بنكراد عما يكتب وينشر في الإنترنت بلا ضابط، بحيث تحول الفضاء الافتراضي، خاصة في الجانب العربي منه، إلى مزبلة وأداة للتشويش على كل معرفة رصينة.

من علامات العافية
تكاثر كتّاب المقالة السياسية التي تراوحت بين التعليق العابر على حدث أو إعلان موقف أو ضرب الأخصام فوق الزنار وتحت الزنار. أما التحليل المعمق والتأمل والاقتراح، فمن قليله تميزت كتابة صبحي حديدي وياسين الحاج صالح. وقد رفدت سنوات الزلزال فن المقالة بكتّاب وكاتبات جدد، بينما لازالت الأبحاث والدراسات والمؤلفات محدودة، وربما كان من أثراها وأعمقها، مما يتصل بالزلزال السوري، ما قدمه محمد جمال باروت وياسين الحاج صالح وهاشم صالح.
من اللافت أن الفعل الزلزالي في الشعر قد جاء أدنى بكثير منه في الرواية، على العكس من المألوف في مثل هذه الحالة. وقد تميزت بخاصة أشعار نوري الجراح ومحمد فؤاد وهالا محمد ورشا عمران ومنذر مصري وعلاء الدين عبد المولى... ومما بلغ فيه تأثير السياسة أقصاه ما سلقت به أدونيس قصيدة المثنى الشيخ عطية، والتي ترجّعت فيها ردود الفعل على رسالة أدونيس الشهيرة، وعلى مواقفه الناقدة للمعارضات جميعاً، مما جعل كثيرين يدمغونه بالدمغة العلوية الخيانية.
أما الرواية فقد تسربت إليها النظرة الطائفية، مواربة أحياناً وصريحة حيناً. وعلى تفاوت المستويات، وسمت المعارضةُ والنقديةُ المدونةَ الروائية التي كبرت سريعاً، وتألقت فيها أعمال شهلا العجيلي وخليل صويلح ومها حسن وحسن صقر ولينا هويان حسن وابتسام تريسي وسوسن جميل حسن وخالد خليفة... وبطبيعة الحال، جاءت في هذه المدونة روايات متواضعة تعتاش على (شرف الموضوع). وعلى الرغم من قصر العهد، ومما يحف بالكتابة الروائية لهذا الزلزال/‏‏ التاريخ السائل قيد التشكل، من مزالق، فيبدو أن هذه الكتابة ستكون مصدراً ثراً للمعرفة الاجتماعية، مذكرة بالرواية الواقعية على مشارف القرن التاسع عشر، والتي قيل فيها إنها كانت مصدراً للمعرفة الاجتماعية أغنى تفصيلاً وأكبر صميمية بما لا يقاس من علم اجتماعٍ وضعي.
ثمة علامات بارزة تؤكد خصوبة المجتمع السوري على الرغم من كل ما يزلزله. وليست تلك العلامات وقفاً على طرفي الصراع، ومن أمثلة ذلك المتنوعة والمميزة أذكر العرض الراقص (كيف لي) الذي قدمته راما الأحمر في اليوم العالمي للرقص، على مسرح القباني، 9/‏‏5/‏‏2011. وفي 19/‏‏7/‏‏2011 شدت سوزان حداد على مسرح دار الأوبرا بدمشق (أحب دمشقا هواي الأرقّا)، وقدمت البديع من تفاعلات الموسيقا الرافدية مع الجملة الموسيقية الشعبية الطربية. وعلى مسرح دمّر الثقافي في ضاحية دمّر الدمشقية قدم (التخت النسائي الشرقي) حفله في 3/‏‏10/‏‏2011. وبعد قليل كان كرفان الشعر والموسيقا (7/‏‏12/‏‏2011)، ثم كان مهرجان دمشق للموسيقا الروحية والدينية من 29/‏‏1 حتى 5/‏‏2/‏‏2012. أما خارج العاصمة فمما اشتهر فرقة أحرار مدينة السلمية، وفرقة (كراج قديم) في طرطوس. وقد عرفت مدينة الرقة الكثير من مثل هذه الأنشطة الاجتماعية الثقافية خلال السنة الأولى للزلزال.
بعد ذلك العهد المبكر، ازداد الخناق إحكاماً على الإبداع والمبدعين، ولم يكن أمر من هم في المنافي بأفضل دوماً. وعلى الرغم من كل ذلك تألقت واتقدت رسوم على فرزات وأفلام محمد علي الأتاسي وإبداعات جمّة لأصنائهما.
غير أن علامات الخصوبة هذه، ومثلها في الثقافة بعامة، يزداد حصارها السياسي والإعلامي والديماغوجي يميناً ويساراً وعلى جنوبهم. ولولا البقية الباقية من الثقافة النقدية والمبدعة، لكان ما بلغته الثقافة في سوريا على إيقاع الزلزال، لا يسرّ صديقاً، ولغلبت الأورام، وأتت على ما قد يتلامح من العافية.