الملحق الثقافي

محمد شيّا: العرب.. فوضى فيزيائية

محمد شيّا (من المصدر)

محمد شيّا (من المصدر)

حاوره أحمد فرحات ــ بيروت ــ الاتحاد الثقافي

مفكر وناقد فلسفي وأدبي، على طريقته المبتكرة. يؤثر العزلة المنتجة، غير المنعزلة عن واقعه العربي المتراكب التعقيد: سياسياً وثقافياً، نقدياً وفلسفياً، شعراً وأدباً، خصوصياً.. عماده تلكم «الخلطة السحرية» التي يدعو إلى تماهيها بين المضمون الفلسفي والشكل الأدبي. لذلك فإن كل مؤلفاته، موضع مطاردة من الآخرين، ونقطة جذب لهم، سواء أشَّر الإعلام إليها أم لم يؤشِّر.
إنه الدكتور محمد شيَّا، الذي لم يتغيَّر منذ أربعين عاماً، في توجّهاته الفكرية والفلسفية والتأليفية العامة (ما خلا منهج التناول وتجدّد الرؤية، واختلاف الموضوعات وعمقها): الحضّ على القطع مع الماضي، مهما كان عزيزاً على عواطفنا، والأخذ بثقافة العقل، لا الغريزة، وقبول الآخر المختلف، لا نفيه، بل والإفادة من غناه وخبراته، وكذلك طلب المستقبل، بشروط المستقبل عينه.
لا يأبه مفكرنا الكبير للإعلام، رغم مطاردة وسائل الإعلام له، لكنه لا يُعاديه، وليس ضد أن يُفتن به الآخرون، إلى حد ما، كيما يشعروا ببعض التقدير والعزاء، لكن شريطة ألّا يصل الأمر معهم إلى درجة الولع بالنجومية، والاستعراض «النجومي التكراري» لذاته، فذلك، بالتأكيد، سيكون على حساب جدّية المثقف وصدقيته، ونبل التحدّي له.
صدرت للدكتور محمد شيّا في السنوات القليلة الماضية بضعة أعمال رئيسة (عدا المحاضرات والمشاركات الأخرى) منها: «العقل لا الغرائز، الوطن لا الطوائف» – منشورات مجد – بيروت. «واقع ومستقبل اختصاص الفلسفة» – منشورات الجامعة اللبنانية. «لحظات هاربة»، و«قمر آخر الليل» – دار الفارابي، كما صدرت له ترجمات عدّة لأمهات كتب سياسية وفكرية لبعض أهم كتّاب الإنجليزية، وصدر معظمها عن «مركز دراسات الوحدة العربية» في بيروت.

في ما يلي نص الحوار:
• إلى أي حد يمكننا القول بوجود فكر عربي معاصر؟
•• المعاصرة مفهوم إشكالي ونسبي في آن معاً. تقليدياً، وفي المؤسسات والأعمال الأكاديمية الغربية، تجري موضعة المعاصرة في تاريخ الأفكار والعلوم، باعتبارها تلي الحداثة. فهل يصحّ ذلك عندنا؟ وهل دخلنا نحن العرب «المحدثون» الحداثة أصلاً، لنخرج منها إلى المعاصرة؟ نعم، جرت غير محاولة جريئة للتحديث عندنا (منذ محاولة محمد علي باشا، عزيز مصر، بدءاً من سنة 1813، إلى محاولة تحديث أنظمة التعليم والأزهر على يدي مفتي الديار المصرية الشيخ محمد عبده، بين سنتي 1900 و1905، ثم محاولة التحديث الليبرالي في مصر وبلاد الشام والعراق في ظل الاحتلال الغربي، منذ أواسط عشرينيات القرن الماضي، وإلى الثلاثينيات منه، وربما سواها أيضاً)، لكنها كانت في غالبها محاولات تحديث خارجية على السطح، ومن دون جذور مادية أو فكرية. لذلك لم يكتب لها النجاح أو الاستمرار، وبخلاف الإسهام القوي «نسبياً» لمفكرين عرباً، منذ أواسط السبعينيات في إغناء المعاصرة، بل وإطلاق موجة ما بعد الحداثة تحديداً، في الولايات المتحدة وفرنسا، من مثل إيهاب حسن، وإدوارد سعيد، ودورهما الأكاديمي الحاسم في إطلاق موجة ما بعد الحداثة في الفكر الأميركي والأوروبي والعالمي بعد ذلك.
في الوطن العربي، كان الأداء الفكري مكروراً في الغالب، ومن دون تجديد، واستمر المشهد الفكري العربي أسير الصراع التقليدي: نقل/‏‏‏ عقل، شيوعي/‏‏‏ إسلامي، ماركسي/‏‏‏ تفكيكي، وحوارات البوطي- أو الجابري – طرابيشي، وبعض الحوارات المكرورة على غرارها، وجاء بعد ذلك حدثاً 11/‏‏‏ 9 والغزو الأميركي للعراق سنة 2003، ليعيدا الأمور فكرياً عندنا إلى الوراء، وإلى مستوى ردود الأفعال، لا أكثر، ثم اكتملت العودة بالردَّة الظلامية التي انتهى إليها الربيع العربي «المختطف» منذ 2011/‏‏‏ 2012، فعاد الفكر العربي - الإسلامي 500 سنة إلى الوراء، وانتهى كل ملمح بالمعاصرة، بل غدت الحداثة نفسها أضغاث أحلام وموقع تندُّر، وقمع الخارجين حديثاً من تحت الأرض.
باختصار، ليس هناك من فكر عربي معاصر اليوم، له ملامح مميزة ومحدَّدة، لا في الفلسفة، ولا في مذاهب الأدب، ولا في الفنون، ولا في علم الاجتماع وسواها (خلا بضع محاولات في تطبيق المنهجيات المعاصرة، من بعض المفكرين العرب المقيمين في أوروبا)، وبخلاف ما هي عليه الأمور في أميركا اللاتينية وأفريقيا الغربية، حتى لا نتحدث عن اليابان وكوريا الجنوبية، أو حتى بلدان أوروبا الشرقية التي خرجت إلى الضوء والإنتاج الجاد، بعد انهيار المنظومة السوفييتية.

• ماذا بوسع المفكر العربي أن يفعل اليوم أو في الغد القريب؟
• • هذا هو السؤال، بالطبع يستطيع المفكر العربي أن يفعل شيئاً إزاء الخراب الجاري والمتفاقم، بل هو مطالب أن يفعل شيئاً ما ملموساً وينطوي على فارق ما. أما إذا لم يفعل، وأياً تكن الصعوبات والتعقيدات المحيطة والمحبطة، فهو إذ ذاك بعيد جداً عن أن يكتسب أو يستحق صفة المثقف (قبل صفة الكاتب والروائي والشاعر والمفكر، كي لا نقول الطبيب والمهندس والتقني، الذين باتوا مثقفين محدودين ومقدمي خدمات مدفوعة الأجر، وهو زهيد في الغالب!).
المثقف مختلف، هو ليس ذاك الذي يعرف أكثر فقط، بل المهجوس أكثر بالحقيقة، وبالشأن العام والخير العام والقيم، وفي طليعتها قيمة الوجود الإنساني نفسه، والمستعد، في آن معاً، أن يلتزم بالعمل، بل والتضحية، في سبيلها. ومثال سقراط الذي فضّل ارتشاف السمّ، ورفض ترك سجنه مقابل التنازل عن بعض مبادئه، سيبقى صارخاً ومعلماً على الطريق في زمن اختفت فيه، أو ندرت، المعالم البارزة. ومانديلا حديثاً، هو مثال آخر للمثقف المنتمي والملتزم، أو العضوي، بتعريف غرامشي.
كيف يستطيع المفكر العربيّ الراهنيّ أن يسهم إيجاباً في هذه اللحظة أو في الغد القريب؟
- مع اتساع رقعة الخراب في كل شيء تقريباً، وبلوغه في أحوالنا وعلاقاتنا وصورتنا أمام العالم، دركاً أسود لم نكن فيه يوماً، فالمهمة الراهنة للمثقف العربي العضوي، وللمفكر العربي بالتالي، وبمفردات واقعية غير مغالية، تقوم في التأسيس من جديد (وكأننا نسينا كل ما أنجزناه في مئة سنة من حداثتنا الموؤودة) لسلة من القيم - المبادئ.. بضع قيم - مبادئ لا أكثر، نجعل لها الأولوية الفكرية والعملية القصوى، ونجعلها أعلى، أي قبل كل ما عداها، حتى قبل ذاك الذي نظنه عزيزاً جداً، أو شائعاً جداً، ولو خالفنا جداً ما بات رائجاً ومسلّماً به، دونما تمحيص من الجمهور الواسع.
يمكن الحديث عن «بطولات أخلاقية» فردية في هذا المجال، بل يجب أن تكون هناك بطولات أخلاقية فردية، هنا أو هناك، في هذا المعسكر أو ذاك، أو خارج كل المعسكرات، فالبطولات الأخلاقية الفردية ضرورية، لأنها المثال الإيجابي، مثال الخير القوي الساطع، الذي في وسعه أن يكسر احتكار قوى الشر والظلام (الأيديولوجي والخرافي) لمفهوم البطولة والتضحية لدى شعبنا. في وسعنا تقديم «بطولات» أخلاقية إيجابية مقابل «البطولات» الظلامية المجّانية... إلى هذا المثال الفردي، يمكن بالتأكيد الحديث عن «كود» مدني civil code يعمل عليه المثقفون والمفكرون العرب اليوم، ويكون بمثابة خريطة طريق جديدة، بهدف عكس اتجاه بوصلة الخراب الضارب في معظم بلداننا ومجتمعاتنا وحياتنا العربية الراهنة، ويمكن التفصيل في هذه المسألة لاحقاً، وبتأنٍّ أكثر وأوسع.
• ألا ترى أن مجتمعاتنا العربية تقبَّلت موتها الوجودي، وجعلته أسلوباً في الحياة.. وتحوُّل بالتالي المفكر العربي أو المثقف العربي.. لا فرق، إلى نفسٍ هلامية ذائبة في كيان مشلول؟
• • هذا هو الواقع مع الأسف، ولو مؤقتاً. أقول مؤقتاً، لأن تاريخ الشعوب والجماعات البشرية يظهر فترات من الجمود الذي يبلغ حدَّ الموت، يصيب الجماعات الإنسانية، وإلى الحدِّ الذي تعتقد أن تلك الجماعات لن تنهض من جديد، ثم تشاهد فجأة حصاة تتدحرج فتتحول أحجار دومينو تقلُّب واحدتها الأخرى، فينقلب المشهد بأكمله، وأقرب الأمثلة هنا حال شعوب بلدان أوروبا الشرقية بين 1945 و1989. والسبب، كما أظن، هو أن الاستبداد الذي ينجح في إخضاع كل مقاومة له، ويتحوَّل، كما قلت، إلى أسلوب حياة للجماعة، لفترة تقصر أو تطول، سريعاً ما يتآكل من الداخل، ويصبح هو نفسه عرضة للتغيير وينتظر اللحظة المناسبة – وبعض الجهد – ليسقط كثمرة غدت ميتة، وتنتظر من يحمل الرفش ويهيل على حفرة قبرها التراب. إن للمثقف والفنان والأديب والمفكر أدوار مركزية هنا، فهم يستطيعون، بخلاف الناس العاديين والتقنيين، استشراف دنوّ اللحظة تلك، قرب سقوط الثمرة التي لا بدّ أن تسقط، والتعجيل بسقوطها، ذلك ما دلّت إليه، ولو إلماحاً، الأعمال الأدبية الكبرى في التاريخ، في لحظات الإرهاصات المنذرة بالتحوّلات، والسابقة لها – أعمال شكسبير المنذرة بالتحول الدرامي الكبير الآتي، أعمال تولستوي ودوستويفسكي، المنذرة بسقوط المجتمع القيصري، أعمال نجيب محفوظ عشية تحوّلات المجتمع المصري، والانتقال بين طبقاته وفئاته الاجتماعية.
مجرد ثلاثة أمثلة بين العشرات التي بوسع الباحث أن يكتشفها في المخزون الثقافي للجماعات أو الشعوب. بهذا المعنى، الفكر، والأدب، وأشكال الفنون عامة، هي البوصلة الناعمة اللطيفة، لكن العميقة جداً في رصد التحولات عشية حدوثها، أكثر من ذلك، في إظهار حتمية حدوث ما لا مفرَّ من حدوثه. تلك هي بعض قوة الأدب على وجه الخصوص. وفي اعتقادي أننا في فوضى الآن، لكنها فوضى – فيزيائية – تخلط العناصر، وتظهرها، وتدفعها للتناقض والصراع، وإخراج أقصى ما لديها، ثم تموضعها حيث يجب أن تكون، أي حيث تستطيع أن تكون، أو تستحق أن تكون.
لهذه الأسباب، أعتقد جازماً أننا سنخلص إلى شكل مختلف من الحياة العربية، أفضل، وأعلى، وأكثر إنسانية. والخاسر الأكبر ستكون، تلك القوى المتطرفة والمتعصبة. ربما كنا ننجز في هذه اللحظات، ومن دون أن نعي تماماً، تصفية حساب تأخر كثيراً عندنا، مع القوى الظلامية، التي أجبرت، وكما لم يحدث من قبل، على إظهار وجهها الحقيقي البشع، وهو ما سيعجِّل في سقوطها وخروجها عن مسرحنا بالمعنى التاريخي، واستعادة دورنا الحضاري في تاريخ الإنسانية.

• هل مات مشروع قومية الثقافة العربية؟ وما المشروع السيو/‏‏‏ ثقافي البديل، الذي باستطاعته، على الأقل، أن يحمي العرب في المدى المنظور، ويوقف تدهورهم المريع في كل شيء، فلقد تقلّص طموحنا، حتى بتنا لا نروم إلّا الكفّ عن مصادرة العقل العربي، باستغبائه أولاً، ومن ثمّ تعطيل دوره وإتلافه ثانياً؟
• • الإجابة عن هذا السؤال مركّبة، فهي تعتمد على ما نعنيه بمفردات هذا التعبير ومفاهيمه: «قومية الثقافة العربية». إذا كنّا لا نزال مصرّين على طريقة ساطع الحصري ومدرسته، في أن ثقافتنا العربية هي قومية/‏‏‏ مثالية/‏‏‏ منذ ألفي سنة، وربما أكثر من ذلك، فهذا اللّون من قومية الثقافة مات بالتأكيد. ليس عندنا فقط، بل في زوايا العالم الأربع، منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، ومع التحوّل الذي حدث في المفاهيم والرؤى والقراءات.
ليس هناك من ثقافة عربية اليوم، ولا في أي يوم من الأيام، هكذا نقية خالصة، كل حرف فيها قومي بامتياز، ومتميّز عمّا عداه، وفي صراع مع الآخر. كل مفردات ثقافتنا العربية ومكوّناتها، منذ ستة عشر أو سبعة عشر قرناً – أي ما قبل البعثة المحمدية بمئة أو مئتي عام – هي نتاج تثاقف وتبادل، وتقاطع بين مكونات المجتمعات العربية المتعدّدة والكثيرة، ومع ثقافات الجماعات الأخرى القريبة، وحتى البعيدة نسبياً. وخلاصات علم الثقافات القديمة، تشير إلى أنه ما من تقدم تقني أو علمي أو فكري، في أي من المجتمعات القديمة، إلا وكان يجد طريقه، وفي أقل من مئة عام، حداً أقصى – وبأكثر من وسيلة – إلى داخل ثقافة المجتمعات الأخرى، أي لغاتها ومعارفها وتقنياتها وأساليب عيشها، وبالمقابل، لا يمكن قبول زعم من يزعم أننا من دون هوية ثقافية وحضارية. نحن عرب، كما أن الآخرين هم فرس، أو أتراك، أو إنجليز، إلخ. لدينا بالتالي قومية عربية، وثقافة قومية، إلى حدٍّ كبير، لكنها ليست إقصائية أو تستثني أو تحطّ من شأن كل المكوّنات الأخرى غير العربية داخل المجتمعات العربية (السريان، الكرد، البربر، الأقباط، وغيرهم) التي اشتركت في إبداع الثقافة العربية، بل أعطتها وأغنتها بميزاتها وخصوصياتها. وعليه، تكون ثقافتنا قومية، وتكون مستحقة للتنافس الحضاري والحياة، حين نعترف بأصالتها من جهة، وبتنوعها الثقافي والحضاري من جهة أخرى.
هذا معنى ديموقراطية الثقافة العربية، والمشروع الثقافي العربي القومي. لقد ألقيت مطلع التسعينيات، أي قبل أكثر من عشرين عاماً، وبدعوة من الجمعية الفلسفية الأردنية محاضرة في «المركز الثقافي الملكي» في عمّان كان عنوانها تحديداً: «نحو مشروع ثقافي عربي قومي ديموقراطي». وباختصار، كانت فكرة المحاضرة المنشورة، هو أن نجاح أي مشروع ثقافي عربي قومي مرهون بمدى ديموقراطيته، وأنا متمسّك الآن، بل أكثر تمسُّكاً بذلك العنوان.
• هل أنت مع نظرية المؤامرة، أم أن الأسباب نفسها تؤدي إلى الكوارث الناجمة عنها؟
• • لا. مؤامرة.. ممن؟
يمكن الحديث، موضوعياً، عن مصالح – شوفينية، «دينية» أو تجارية – تقود إلى سياسات معينة في مراحل معينة. تلك هي السياسات التي حكمت افتتاح أوروبا للعالم خارج إطار القارة، بدءاً من أواخر القرن الخامس عشر، الذي بدأ استكشافاً، وطرقاً تجارية، وجلب معه التبشير الديني والغزو الثقافي واللغوي، وأحياناً الشوفيني القومي الثقيل، كما الاستعمار الفرنسي الطويل للجزائر... وعموماً أنا مع الشق الثاني من نصّ سؤالكم، «الأسباب نفسها تؤدي إلى الكوارث الناجمة عنها». من دون إطلاق أو تعميم، معنى هذه القاعدة تاريخياً أن ما حدث، أو ما سيحدث، له أسبابه الملزمة. ولا معنى بالتالي من محاولة تغيير النتائج، إن لم تتغيّر الأسباب أو الشروط المنتجة للنتائج.
• يُستخدم الدين كأمضى سلاح لتفكيك الأمة واجتثاثها، حتى من التاريخ والجغرافيا، فهل تستطيع ثقافة الأخلاق والعرفان والطهرانيات على اختلافها، أن تفكّك أيديولوجيات الدم وتردّ غوائل المتغوّلين على الدين والإنسانية معاً؟
• • المقصود، كما أعتقد، استخدام الدين الآن لتفكيك الأمة. ولا آتي بجديد إذا قلت إن الدين، كظاهرة، كان موجوداً دائماً، في هذا الشكل أو ذاك، ومذ تشكَّلت الجماعات البشرية تدريجياً، منذ أقدم العصور. ما من جماعة بشرية، سواء أكان تعداد أفرادها ثلاثين شخصاً (وهي أصغر جماعة) أم بلغ المليون، إلاّ واختبرت شكلاً من أشكال الظاهرة الدينية والتديّن. كان الديني لتلك الجماعات استجابة لحاجة (من حاجة الجماعة إلى كائن أعلى، إلى حاجة الحاكم إلى الأداة لضبط الجماعة.. إلخ) أو جواباً عن سؤال، أو فضولاً لا يجد جوابه في ما تقدمه الوقائع اليومية الظاهرة.
لكن «أديان» الجماعات الأوليّة والمتوسطة تلك، لم تقد إلى حروب دينية. الحروب الدينية بدأت في الحقيقة مع ظهور وتمدّد الأديان الكبرى، حروب داخل كل دين، أو بين دين ودين آخر، فالأديان الكبرى تلك، سرعان ما تحوّلت من بعثات حق ونداءات تحرير، ومعرفة وخلاص وإصلاح للبشر، إلى «أداة» سياسية واجتماعية في نزاعات الساسة المتصارعين، وفي خدمة طموحاتهم ومشاريعهم. هو ذا معنى فتوحات التبشير والحروب الصليبية، والاستعمار تحت هذه الذريعة الدينية أو تلك. ولا يزال استخدام الدين في السياسة، أو التديّن السياسي، جارياً على قدم وساق. إلّا أن أكثر الاستخدامات بشاعة للدين، هو ما نشهده في بلادنا العربية، أو ما نصدّر منها إلى الخارج، منذ بعض الوقت.
لقد حطّم هؤلاء المجانين المشبوهين في بضع سنوات، ما حاول المفكّرون المسلمون المتنورون، والنخب الإسلامية المهاجرة إلى الغرب، ومؤتمرات حقوق الإنسان العربية، والإسلامية، أن يفعلوه في ستين سنة، أي محاولة تقديم إسلام حديث منفتح، متسامح وقادر على قبول الآخر وتراثه وأدبياته المختلفة، والتفاعل سلمياً وإيجابياً معه. هؤلاء يهدّدون جدياً مستقبل الإسلام والمسلمين، لا في الغرب فقط، وإنما في الشرق أيضاً. والعقود القليلة المقبلة شاهدة على ما أقول.
أما بخصوص العرفان والدعوات أو الطرق العرفانية وهل تشكّل بديلاً، فالواقع يشير إلى أن بعض المفكرين، في الشرق والغرب، يذهب إلى مثل هذا المذهب، فيقول إن الأديان الكبرى، ومنذ جرّدت من عمقها الروحي، واختُزلت في مجموعة طقوس وممارسات ومؤسسات حرفية ضيّقة ومتشددة، حكمت على نفسها أن تتحوّل إلى مجرد أداة ضبط اجتماعي وسياسي، وجزءاً من السلطات الحاكمة، أو البديلة الشبيهة بها، وأن تغدو سبباً للتمايزات بين البشر، وصولاً إلى حدّ إلغاء الآخر وقتله، رمزياً أو مادياً. وعليه غدا لزاماً التحرر من النهج الجديد، الذي نسخ ما بدأ يوماً ما أداة تحرير وإصلاح أخلاقي فردي واجتماعي. والتحرر، أو لاهوت الحرية الجديد هذا، إنما يكون بقلب سياق المفاهيم والمفردات والأدوات التي يستخدمها منظّرو الديانات الكبرى كلياً. فالعرفان بديل للبرهان، والسبيل إلى الإيمان المبصر لا الأعمى، على حد تعبير بعضهم. والقلب بديل للعقل الذي كبّلناه بكل أنواع القيود والمصالح والأيديولوجيات. والحقيقة واحدة في كل الأديان والمذاهب، وجوهرها يتكشّف للحكماء والعارفين المتحققين في كل مكان وزمان، والقادرين على تجاوز «الحرف» نحو «الروح».

هذه وجهة نظر متكاملة، لا يعوزها الدليل على قوة خطابها، وليس مستبعداً أو بعيداً عن الصواب القول، إن في وسع وجهة النظر تلك، أن توفر للدين، وللإسلام تحديداً، أسباباً وعناصر إضافية دينامية وشديدة الوقع، ما يساعده في التغلّب على الإرهابيين، مختطفي الإسلام اليوم ومشوّهيه، والزاعمين زوراً امتلاك حقيقته.

• كيف يمكن للأخلاق أن تنتصر على التقنية؟ ومن هو المخوّل تزويد المشروع العلمي أو التقني بالدفع الأخلاقي؟
• • شكراً للسؤال، الذي يجذّف في عكس تسعين بالمئة مما تروّج له أبواق الثقافة السطحية في العالم العربي، كما في المراكز العالمية الأساسية، والمتصلة مباشرة بالمصالح التجارية المادية، وربما غير التجارية، كذلك للشركات الدولية العابرة للحدود. التقانة بالمعنى العادي والطبيعي، لا تثير الكثير من الخوف أو القلق. فقد كان للإنسان باستمرار، ومذ تميّز عن الطبيعة والحيوان، تقانته البسيطة جداً في البدء والمتطورة تدرّجاً، بل إن تقانته تلك، كانت حاسمة في السماح للإنسان الأول بالاستمرار حياً، والتطور. التقانة بهذا المعنى، هي غير الغريزي، والموروث، هي ما يصنعه الإنسان بفعل تكامل الحاجة مع التجربة، مع المواد الخام التي تقدمها الطبيعة. وهذه المعادلة المثلثة أصبحت لاحقاً في صلب تعريف التقانة أو التكنولوجيا: التقانة هي العلم (الفكرة أو النظرية) مطبقاً، science applied. ويتضح من التعريف أن الأولوية ليست للتقانة، بل للعلم، أي للفكر، أي للإنسان. وحتى الآن لا مشكلة على الإطلاق مع التقانة، ولهذا السبب كان مطلب التطوير التقني والتوسعة في استخدامه، مطلباً تقدمياً واستقلالياً دائماً، ولمصلحة الجماعة. وهو ما كان يدفع نخب العالم إلى المطالبة بالحصول على التقانة وأسرارها، وضد احتكار الدول المستعمرة للتقانة وأسرارها، وحجبها عن البلدان المستعمرة (بفتح الميم)، أو تقديمها بالقطارة، وبشروط، وإلى اليوم، وعلى رغم الإعلانات العالمية التي دعت إلى حرية الوصول إلى المعلومات، لا تفرج البلدان الأكثر تقدماً إلا عن تكنولوجيات من أجيال قديمة، عفَّى عليها الزمن.
منذ أواسط ثمانينيات القرن الماضي غدت التقانة في أساس العولمة، والرأسمالية المتجددة الفالتة من كل قيد. وحين ينضاف عامل الربح الصارخ المتوحش إلى ذلك، تغدو التقانة، وشركاتها، شريكاً رئيساً في إدارة اقتصاد العولمة، والتبشير بثقافة الإنسان ذي البعد الواحد، أي المبرمج ليتصرف حصرياً حسب ما هو مرسوم له، ولو توهّم أنه حرّ في ما يفعل. لذلك ليس خطأ القول إن التقانة تقود عالم اليوم كثقافة وفلسفة ومشروع. والأنكى أن بين ظهرانينا من يطالب بالمزيد من التقانة دونما وعي أو تمييز بين أشكالها وحدود استخداماتها. ومن يحتاج برهاناً إضافياً على خطورة التقانة والتقنيين المتفلتين من ضوابط الأخلاق، في وسعه (كبرهان مباشر) أن يطلع على لائحة بأسماء أكثر من 400 انتحاري غبّ الطلب لدى داعش، ويتبيّن من سيرهم الذاتية أن عدداً كبيراً منهم تقنيون، وأحياناً مهندسون، أو تقنيو كومبيوتر، وما شابه. ليس بينهم مدرس آداب واحد، أو صحفي واحد أو موسيقي واحد، وفي ذلك من العبرة ما يكفي. لقد أوضحت في كتاب رئيسي صدر لي سنة 2014 عن منشورات الجامعة اللبنانية بعنوان: «واقع ومستقبل اختصاص الفلسفة»، أن ما تحتاجه مجتمعاتنا، ليس المزيد من التقنيين، بل المزيد من حملة الإنسانيات والقيم الأخلاقية والثقافية الجامعة. طبعاً التقانة مطلوبة، ولكن في حدود ما هي أداة لا أكثر، ويضبط استخدامها العقل النقدي والقيم الإنسانية المتسامية.

* تحدثت عن حال الشعر والأدب والفن في حدود العلاقة التاريخية والمنطقية بالفلسفة، أي استنتاجات توصلت إليها، بخاصة في عصر يزداد تعقيداً بفعل التقدم المتسارع والمدهش للعلوم والتكنولوجيا وآليات التواصل على اختلافها؟

** تسعدني الإجابة عن هذا السؤال، فهو مجال عزيز عليّ منذ صدور كتابي «في الأدب الفلسفي» سنة 1981 في بيروت، والذي أعيد طبعه أكثر من أربع مرّات، واستنسخ، ويدرّس في الكثير من أقسام الآداب والفلسفة في الجامعات العربية. وجهة النظر التي عبّرت عنها في الكتاب ذاك، والذي قيل فيه يومها، إنه لا يبتدع مجالاً أو جنساً أدبياً جديداً، بل ينظّر لأعمال رأيتها متجانسة ويمكن إدراجها تحت نوع: الأدب الفلسفي. كانت هناك أعمال أدبية أو فنية من هذا النوع في معظم الثقافات المعروفة، حتى عند المصريين القدماء، ناهيك عن الإغريق، والأدب الروماني، إلى إسهامات هائلة في شعر المتنبي، إلى بعض أعمال المعرّي، وصولاً إلى الإسهامات الحديثة والمعاصرة الغربية (وصولاً إلى كامي وسارتر)، والعربية (من جبران ونعيمة، إلى أنسي الحاج وأدونيس وشعر الحداثة العربية عموماً). وقلت يومها إن الأدب الفلسفي لا يعني الفلسفة أدباً، فهناك فارق أساسي بين المفهومين.
على مستوى الاستنتاجات، في وسعي القول، ومن دون كبير ادّعاء، إني توصلت إلى استنتاجات أساسية، تتعلق بطبيعة العمل الأدبي، ثم بالإمكانات الهائلة التي ينطوي عليها في علاقاته بالحقول المعرفية، أو حتى التاريخية الأخرى، أهمها اثنان:
-الاستنتاج الأول، وقد رغبت لجماعة الأدب أن يتنبّهوا إليه أيضاً، وهو أن الصور الجميلة، والألاعيب اللغوية أو الشكلية، لا يستطيعان، وحدهما، أن يوفرا خاصية العظمة أو الخلود للعمل الأدبي: لا بدّ من عمق فكري/‏‏‏ فلسفي يعبّر عن نفسه، أو يجري التعبير عنه، في شكل أدبي أو فني مواز. تلك هي عظمة الأعمال الأدبية والفنية الكبرى التي بلغتنا من ثقافات ولغات عدّة، وتتجدّد حيّة بعد مئات السنين، في الرواية والمسرح والشعر والرسم والنحت والموسيقى وسواها. والسبب هو تلك «الخلطة السحرية» بين المضمون الفلسفي والشكل الأدبي أو الفني، الخاص والمتميّز والقوي الوقع.
-الاستنتاج الثاني، له صلة مباشرة بنظرية الأدب، ومؤداه أن أيّ خلل في التوازن الذي رأيناه بين المضمون والشكل، فهو إنما يؤشّر بطريقة ما إلى دلالات اجتماعية وتاريخية مهمة، خارج الحقل الأدبي الصرف، فالإسراف مثلاً في التزويق الشكلي دون مضمون ذي شأن، مؤشر إلى حال الجمود والتآكل والاستبداد التي تلفّ المجتمع وثقافته وسياسته في اللحظة تلك، فيما يشير أي بروز قوي للمضمون إلى حال التغيير، بل الحالة الثورية التي يمر بها المجتمع أو الجماعة في اللحظة تلك، وفي وسعنا أن نجد في الأدبين الأوروبي والعربي الحديثين الكثير مما يؤيد هذا القانون أو هذه القاعدة.
• أنت من الداعين إلى إحداث ثقافة الإبداع في الفكر والسياسة والأدب والفلسفة والحياة، وفن النظر إلى الوجود.. لكن ألا ترى أنه، حتى الآن، لا يجرؤ المثقف العربي على التفكير بما لا يُفكّر فيه، وقول ما لا يُقال، ونقض ما لا يُنقض، وهدم ما لا يُهدم؟
• • الإبداع مطلب وغاية ننشدهما على الدوام، إذ من دواعي الغنى، بل الفأل الحسن لكل بلد أن يكثر فيه المبدعون في كل مجال، وقبل أن أتوقف عند الإبداع الثقافي (في أشكاله كافة)، قلّما ننتبه نحن أن بلداننا هي في آخر قائمة المجتمعات المبدعة، علمياً وتقنياً وصحافة وكتباً وترجمة ووووو. في إحصاء لليونسكو يعود لبضع سنوات، كان عدد براءات الاختراع المسجلة في البلدان العربية (حتى الكبيرة منها مثل مصر) لا يتجاوز العشرات، حتى لا أقول إنها أقل من ذلك. في مقابل ذلك، سجّلت بلدان مثل كوريا الجنوبية أو سنغافورة أو ماليزيا، كي لا نقول الصين والبلدان الكبرى، براءات اختراع بالآلاف، وقل كذلك في الترجمات وسواها.
بعد هذا التأسيس العام الذي لا بد منه، من الصعب تخيّل إبداع عربي حقيقي، حتى في الفكر والآداب، ناهيك عن الفنون، التي نحن مقصّرون فيها بالأساس. تطلق وسائل الإعلام بسهولة وصف «مبدع» على كل عمل أدبي يبدو ناجحاً، وأفضل وقعاً من سواه. لذلك لدينا مئات الشعراء والروائيين «المبدعين»، ولكن بمعايير متساهلة.
أما السبب الذي يغيب بموجبه الإبداع الحقيقي، ولا يظهر عندنا إلّا لماماً، وحيناً بعد حين، فيعود إلى أوضاعنا العامة الضاغطة على المثقف والمفكر والأديب والفنان من كل النواحي، الاقتصادية والاجتماعية والتربوية، والسياسية بالدرجة الأولى. ويمكن القول إنه وعلى الرغم من الظروف المادية الكارثية للمثقف (التي قد تتحوّل أحياناً إلى محفز للإبداع)، فإن قيدين رئيسين يقيّدان يدي المثقف ويلجمان لسانه ويقطعان ريش جناحي عقله، وخياله، ويمنعانهما عن التحليق، وهما: قيد التفسير الديني السائد المتزمت، والخوف وفقدان الأمان الشخصي والعائلي بكل المعايير. في أعماق المثقف العربي والمسلم، هذان القيدان موجودان، في الوعي وأخطر من ذلك، في اللاوعي، وعلى نحو استطال وتعمّق، حتى بات المثقف يعرف «حدوده» من دون حاجة إلى من ينبّهه إليها... ومع ذلك، فالإبداع مقبول، ويجب تشجيعه حتى بمعاييره المتساهلة، ويجب عدم ترك وسيلة دون استخدامها للحضّ عليه، وتوسعة رقعة حضوره، في أنواع العلوم، في الفلسفة، وفي الآداب، وفي الفنون.
• بعد كل هذا الخراب اللاحق بنا عرباً، هل بالإمكان إحياء ثقافة عربية تكون منسجمة مع ثقافة عالمية؟
• • الإمكانية قائمة وفعلية. وقد كنّا غير مرّة، وفي غير مجال، على مستوى العالمية، أو قريباً منها، قبل أن يُبتلى العرب والمسلمون، منذ بضعة عقود، بسرطان جلبه مجانين، أو جواسيس، سرطان تكفير الآخر وقتل الأطفال، وذبح الكهنة، وقتل المدنيين، دونما تمييز أو شفقة، واستعداء العالم بأسره بالتالي، فقبل الحديث عن العالمية، مطلوب أن نكون إنسانيين أولاً، وبعدها تأتي العالمية طائعة، كما فعلت مع العباقرة المبدعين العرب والمسلمين في المشرق والأندلس، ولا يزال تراث العالمية شاهداً على قدرة العرب على الارتقاء إلى مستوى العالمية.
• أنت من المفكرين الجديين على المستوى اللبناني والعربي، وهؤلاء هم قلّة إجمالاً، لا تأبه للإعلام والأضواء الإعلامية على حساب شغلها الفكري النوعي، الذي يصل إلى القارئ النوعي في مطلق الأحوال.. ما تعليقك؟
• • لست ضد أن يُفتن البعض بالإعلام إلى حد ما، أي كيما يشعر ببعض الرضا والتقدير والعزاء، لكن شرط ألّا يصل ذلك إلى درجة الولع بالنجومية، فذلك سيكون من دون شك على حساب جدّية المثقف، وصدقيته، وإبداعه، أولاً وأخيراً. كانت هناك دائماً صحافة مكتوبة، وتظاهرات ثقافية، بل وإذاعات وبرامج ثقافية جدية مسموعة في خدمة المبدع والمتلقي في آن. إلّا أنها لم تصل حدّ طلب النجومية الفاقعة، كما جرى ويجري منذ انتشار التلفزيون، ثم أدوات التواصل البصري الأخرى. في رأيي، وبكل صراحة، نجومية الصورة، بل ثقافة الصورة، تطور تكنولوجي، عولمي، سطحي، يحجب من الأفكار أكثر مما يقدّم أو يُظهر. وأنا أعرف مبدعين يرفضون الظهور في البرامج السائدة على شاشات التلفزة، وهم، لو فعلوا، لشعروا بالخجل.

الحقيقة واحدة في كل الأديان والمذاهب
الحقيقة واحدة في كل الأديان والمذاهب، وجوهرها يتكشّف للحكماء والعارفين المتحققين في كل مكان وزمان، والقادرين على تجاوز «الحرف» نحو «الروح» في عالم العرفان، الجهاد الحقيقي، جهاد في الداخل، لا الخارج. جهاد ضد الغريزة والطمع والأنا والتعلّق والتملّك والاستعباد، أكثر مما هو جهاد ضد الآخر. جهاد ضد الثنائية نحو وحدة الحقيقة، وضد كل ما يعوق تحرّر الروح وخلاصها وتمتّعها بأفراح التحقّق والوصول.

التنوع الثقافي
لدينا قومية عربية، وثقافة قومية، لكنها ليست إقصائية، أو تستثني أو تحطّ من شأن كل المكوّنات الأخرى داخل المجتمعات العربية (السريان، الكرد، البربر، الأقباط، وغيرهم)، والتي اشتركت في إبداع الثقافة العربية، بل أعطتها وأغنتها بميزاتها وخصوصياتها. وعليه، تكون ثقافتنا قومية، وتكون مستحقة للتنافس الحضاري والحياة، حين نعترف بأصالتها من جهة، وبتنوعها الثقافي والحضاري من جهة أخرى.