الملحق الثقافي

إتْنَا الأرضُ يتجدّد تكْوينُها

إتْنا، بركانُ متمرد في أقصى شرق صقلية (أرشيفية)

إتْنا، بركانُ متمرد في أقصى شرق صقلية (أرشيفية)

محمد بنيس

1.
لم يكن يخطرُ على خيالي أن أزورَ بركان إتْنا ذات يوم. هي الصدفةُ وحدها التي قادتني إلى هناك. إتْنا، هذا البركانُ المتمرد، شديدُ الجبروت، في أقصى شرق صقلية. هو هناك، في الجنوب الشرقي، ينام مدةً ثم يثور، ينفْجر. كانت أخبار ثورانه تمرّ عبر الأخبار، وهو لا يغادر المكان. جغرافيةُ بقعة الأرض التي أعيشُ فيها غريبةٌ عن جغرافية البراكين. جبال المغرب أو البلاد العربية، تذكّرني بها، ولكن ما أعرفه هو بين الحكاية والوقائع العلمية عن نشوء الأرض. أما في أفريقيا فالبراكين هادئة، رغم انفجارات بعضها، التي كان آخرها سنة 2013 في تانزانيا.
قادتني الصدفة إلى هناك، وأنا في صقلية، حيث أحسستُ هذه المرة بشيء يختلف تماماً عما كنت أحس به في زياراتي السابقة. دعوتان إلى أنشطة ثقافية وشعرية في صقلية، التي أحبّها مثلما أحبّ سائر البلاد الإيطالية. دعوة إلى سيراكوزا وأخرى إلى كاتانيا. لكل واحدة من المدينتين جاذبيتُها الخاصة. سيراكوزا هي اليونان الكبرى، لكثرة المسارح والمعابد اليونانية بها. أما كاتانيا فهي ابنة بركان إتنا. رحلة كان لي فيها شيءٌ من الشوق إلى المكان الصقلي، شيء هو الهذيان أو الحُمّى.
حضارات قديمة في صقلية توالت عبر العصور، من أهمها الحضارتان اليونانية والعربية، فالنخيل الذي ينبت، يسمق ويعرّش في كل مكان على أرض الجزيرة، لا يقلّ روعة عن أطلال المسارح والمعابد اليونانية. إنها الطبقة الظاهرة التي تنادي عليك حيث تكون في سيراكوزا، ثم النخيل يتوزع في كاتانيا، خلف أسوار البيوت والعمارات أو في الشوارع والحدائق العمومية. المدينة وضواحيها مرقومة بالنخيل. وأسماء عربية لا تزال حية على لسان أهل المدينة وزُوارها. كلمات القلعة، أو القنطرة، أو الجبل، من أكثرها وُروداً في الكلام اليومي. لا أنبّه على العديد من أسماء الفواكه والخضار أو على كلمات غيرها ذات الموطن العربي. فقط هذه الكلمات الدالة على أمكنة يمرّ بها العابرون في كل حين.

2.
بين سيراكوزا وكاتانيا مسافة قصيرة، قطعتُها بالسيارة. بياجيو، مدير مهرجان سبير في كاتانيا، هو الذي نقلني في سيارته. على طول الطريق ظللنا نتحدث عن الهجرة والمهاجرين والغرقى. لامبيدُوزا، الجزيرة التي أصحبت أشهرَ نقاط عبور المهاجرين إلى أوروبا، هي نفسها مقبرة ضحايا العبور. وخلال الحديث إشارات إلى المرحلة العربية في صقلية أو إلى حكم فريدريك الثاني، الذي كان بلاطه يستقبل الشعراء الصقليين بالعربية إلى جانب الشعراء باللغة الصقلية بدلاً من اللاتينية، واستلم من الفيلسوف ابن سبعين أجوبة عن أسئلته التي وجهها إلى الملك الموحدي، أو إلى روجر الثاني، صاحب الجغرافي الشريف الإدريسي، وهما معاً مغربيان من أهل سبتة التي يحتلها الإسبان حتى اليوم.
في أول جولة في المدينة القديمة ذكر لي بياجيو أن جزءاً منها دمره بركان إتْنا تماماً سنة 1693 وأعيد بناؤه. حجارة إتنا، التي أعيد بها بناء جزء المدينة المدمر، تنتـشر في جميع البنايات وفي تبليط الأرض ذاتها. حجارة سوداء، شديدةُ الصلابة، هي الشاهد على حمَم البركان. هذه المادة المصهُورة، الحارة، الطافحة من باطن الأرض، هي التي استعملها الناس لإعادة بناء المدينة، جداراً فجداراً، وخطوة فخطوة.
جمالية العمارة الباروكية في كاتانيا توازيها جمالية الحجارة السوداء البركانية. تقف وتشاهد وتتأمل بهدوء. من باطن الأرض أتت هذه الحجارة، وفيها سرُّ دمار المدينة ونشوئها من جديد. وعندما كنت أسأل بياجيو أو فليتشيتا أو كاتارينا عن مكان البركان كانوا يرفعون رؤوسهم ويشيرون لي إنه هناك، في الجهة الشرقية من المدينة، أعلى فأعلى، هناك. وأنت يمكن أن تتخيّله في البداية يتربّص بالمدينة ولا يغادرها. كلماتهم تمتزج بابتسامة، كما لو كان إتنا مكان الدهشة القصوى.
لم أكن أتوقعُ شيئاً من تلك الدهشة، لأنني لم أكن أرى جبل البركان، ولا أعرف بالضبط حجمَه أوْ شكله. أبناء المدينة جميعاً تربّوْا على الصعود إليه. دائماً يصعدون إلى الجبل، في الفصول كلها يصعدون. لكل فصل سحرُه المفضل. هكذا كانوا يعبّرون لي عن علاقتهم بإتنا. تنسى أنه المتمرد، شديدُ الجبروت. وفي كل مرة كنتُ أغبطهم على ما تعبّر عنه كلماتهم من أحاسيس متناقضة، فيها من الغبطة أكثر مما فيها من الرعب. فأنا أعرف فقط أنّ كُتاباً وفنانين أوروبيين جاؤوا إلى كاتانيا من أجل الصعود إلى إتنا، وأن للبركان مكانة في الأدب الأوروبي.

3.
بنْدار، الشاعر الغنائي اليوناني، كان يتحدّث عن أسطورة تيفي، التنين الضخْم ذي الرؤوس المائة، الذي قضَى زيوس عليه وألقى به إلى أسفل البركان، لذلك فهو لا يتوقف عن قذْف النيران واللهيب. أما هوميروس فهو صاحب أسطورة وحوش السيكلوب، ذوات العين الواحدة في وسط الجبهة، التي تعيش هائمة في وسط إتنا، تساعد هيفايستوس (إله الحدَادة) على صنع الصّواعق لزيوس. صورة إتنا، في كتابات شعراء وأقاويل أبناء الجبل، تؤبّد الرعب والعجز أمام جبروت البركان، يحموماً ورعُوداً وزلازل وحمماً وصواعق. والشعر، الذي يصف البركان كما يصف الشعور بالخوف والخشوع، يستمر في أعمال هيسيود، وأفلاطون، وفرجيل، وهوراس، حتى لوكريس وسينـيك. فلاسفة وشعراء يونانيون ولاتينيون كتبوا منفعلين بما رأوا وبما سمعُوا.
مع العصر الحديث كان غوته من أشهر الذين وصلوا إلى إتنا، خلال زيارته إيطاليا. ففي يوم السبت 5 مايو 1787، ركب بغلاً مع مرافقيه وصعد إلى الجبل، حيث شاهد آثار الحمم البركانية، والقمة المزدوجة للجبل الأحمر، والغابات التي تملأ أسفل البركان.
ثم كانت زيارة جورج باطاي سنة 1937 بصحبة عشيقـته لُورْ. زيارة تنبع من رؤية الشطح الذي كان باطاي يسعى إليها. كانت زيارته إلى «الهاوية المقدسة» ليلاً، واستمرت حتى الفجر. على أثر تلك الزيارة كتب في دفاتره عن الرؤيا الجهنمية لوادي الحمم الطويل الذي يؤدي إلى البركان. أكثر من نص كتبه باطاي في كتاب «المُذْنب» عن تلك الرحلة، وعن تجربة الضحك التي لم يفارقها وهو في قمة الجبل، أثناء ريح عاصف، على بعد مائتي متر من فوهة البركان.
عندما كنتُ قرأتُ مقاطع مما كتبه باطاي في «المذنب» عن تجربة الصعود إلى إتْنا لم أكن أتخيل أنني سأكون ذات يوم في المكان نفسه، ثم جاء اليوم وحان الموعد. في التاسعة صباحاً التحقتُ بالقافلة السياحية التي ستنقلني إلى الجبل. نقطة التجمّع كانت في محطة بنزين، على مشارف البحر. وأغلب السياح من الإنجليز. بمجرد ما ركبت سيارة رباعية الدفع من نوع جيب، بدَا لي أنني مقبلٌ على سفر إلى مكان غريب. التفتّ إلى الزوجين، الإنجليزية والبولوني، الراكبيْن في المقاعد الخلفية للسيارة، وقلت لهما بتلقائية: «نحن الآن في قافلة تسير إلى أرض مجهولة». قافلة من ثلاث سيارات، لكنني كنت أتخيلها قافلة من عدد لا يحصى من السيارات.

4.
كذلك كان. بداية الطريق كانت كلها منعرجات، بدءاً من المسار الذي اتبعتْه القافلة لمغادرة المدينة، ثم بسرعة أخذنا في الصعود نحو الأعلى. وعبر امتداد الطريق كان النخيلُ يصاحبنا من منعرج إلى آخر، كأنما كان يذكرني بأن هذه المناطق كانت مأهولة بالعرب الصقليين. حتى اسم الجبل هو مُونْجيـبيلُو، الكلمة المركبة من الكلمة اللاتينية «مون» (الجبل) والعربية «جبل»، كانت تؤكد لي أن العرب الصقليين كانوا يصعدون إلى هنا، يحرثون هذه الأرض الغنية بالمعادن وتحت أشجار البلوط كانوا يتفيؤون.
علامة المرور تشير إلى قرية بيدارَا، وتحتها مباشرة لوحة تدلّ على إتنا الجنوبي. تنحرف السيارات، ومن غير انتباه تشرع أنفاسي في التدافع. نحن نقترب شيئاً فشيئاً من الجبل. كان دليلنا السياحي يزوّدنا بمعلومات على طول الطريق. كان علينا أن نعْلم بأن محيط الجبل يصل إلى ثلاثمائة كلم، مع ارتفاع يصل إلى ثلاثة آلاف وثلاثمائة وأربعين متراً. نحن في أرض تحتضنُ الأرض من جميع أطرافها. جبلٌ هو عدد من الجبال والمرتفعات المتفاوتة العلوّ. كنا ننصتُ إلى المعلومات ونعلّق بمعلومة إضافية أو بحكاية أو نكتة. نحن الآن صاعدون إلى بداية تكوين الأرض. كأنما صوتُ هاتف ألقى بهذه العبارة في صدري. بداية تكوين الأرض. تتكرر العبارة في شكل أصداء خافتة. لا أحد غيري يسمعها. تنزل العبارة في الصدر برنينها، وأنا أنظر من خلف زجاج مقدمة السيارة إلى أفواج السماء التي تهبّ من أعالي الأرض.
لا ريب في ذلك. منذ ست مئة ألف سنة كان للبركان هنا انفجاراته. كيف يمكن أن تتخيل تكوين الأرض هنا منذ هذه العهود السحيقة؟ نيران تخرج من باطن الأرض في شكل حمم، مسبوقة باليحموم والرعود والزلازل. هي آلام ولادة أرض تحمل في بطنها أرضاً قادمة على الدوام، ولادةً وتكويناً. نحن الأربعة نتكلم قليلاً ونصمت، والصعود يكشف لنا عن مدى من أمداء الجبل. هنا نتوقف قال المرشد. أرض كأن نهايتها هي اللانهاية. تربة وحجارة سوداء، هاوية، وبعد الهاوية منبسط، وتلال، وهضاب. في الأفق جبال. وخلف الجبال قطعٌ من سحاب أبيض أو إزارٌ من حرير يعلو حتى يبلغَ أزرقَ السماء.
يمكن أن تجلس هنا قليلاً. السياح المرافقون لي يلتقطون صوراً تذكارية، ويتبادلون مشاهدة الصور التي يلتقطون. أنا الآخر ألتقط صورة للمشهد الأرضي وصورة لنفسي. هواء خفيف بارد، والشمس تتوزع على جهات الأرض. خليط من الكلام والضحكات، وأنا صامت. كنتُ، منذ شبابي، تعلمتُ كيف أحب الأمكنة والفضاءات. لكن المكان هنا يبعث، من أعماق النفس، على دهشة صافية. أكاد أقول إنها دهشة من يعجز عن مغادرة هذا المكان.

5.
نعم، بالوقوف أمام هذا المشهد الأرضي كنَّا في حضْرة البركان. نحن لم نكن نرى سوى سواد التراب والحجر، أما النيران والحمم فمن الصعب أن نتخيلها. منظر السكون هنا أبدي. لكنه ليس كلَّ شيء. كان علينا أن نتحرك. أحسستُ في دخيلتي بالجمال القاهر لعظمة الصمت. كانت السيارة أخذتْ طريقها. وما أصبحنا نشاهده هو عالم البركان وحده. منعرجات الطريق على حافة الحمم الصخرية. هنا الشمس والهواء العذب وصفوف من الحمم المنطفئة تليها صفوف.
توقفت القافلةُ من جديد. رئيس المرشدين يوزّع علينا خوذات برتقالية، ويوقد المصابيح المثبتة في مقدمة الجبهة. «سننزل الآن إلى مغارة بركانية»، قال لنا. سننتـقل من سطح الأرض إلى أسفلها، وسأرى ما تخفيه الأرض عن العابر من فوق. هنا رحمُ الأرض، وربما كان تنّـين بنْدار يختفي هنا أو رسوماتٌ من عهد سحيق. لا سببَ للخوف. نزلنا بحذر إلى الأسفل، والمغارة تتسع لنا جميعاً. هنا يظهر التكوين الجيولوجي للأرض. طبقات المنجنيز والحديد هي السائدة، وفي الركن البعيد ظلمة لا أحد منا يقتربُ منها.
من المغارة إلى شرق إتنا. السيارة تسير وأنا أحسّ كأنني أنفصل عن الأرض التي أعرف وأدخل إلى أرض مجهولة هي بداية الأرض، بدايةٌ لا نهاية لها. بداية في بداية، هي هذه الأرض، أو هي الأرض. ما كنت قرأتُ عن تكوين الأرض قبل أربعة ونصف بليون سنة، وما عرفته عن دور البراكين في تكوين الجبال بدَا لي مجرد حكاية مُسلية. أما هنا، فتكوين الأرض يبعث على السؤال أكثر مما يهبُك الجواب. بطش المكان لا يترك لك مجالاً للحياد. إنك والسؤال في مواجهة ما لا تدري من سلطان الدهشة عليك.
منعرجاتٌ دائماً، وأنا أوجّه بصري إلى الأعلى، إلى تلك القمة المكسوة بالبياض. هل هو البركان المركزي؟ أسأل المرشد. نعم، يجيب بكل اطمئنان. وعلى اليسار فوهتان قريبتان من بعضهما بعضاً. أرفع بصري إلى هذا العلوّ، الأعلى من العلوّ. لستُ أدري ما الذي جعلني أحس أنه علوٌّ أعلى من كل علوّ. غريب ذلك الإحساس الذي انتابني وأنا أبصر ما يحيّر من جمال الأرض. الطبيعة وحدها هنا، في بداية التكوين. وأنت، من أين أتيت؟ وإلى أين تذهب؟

6.
توقفنا في نقطة استراحة سياحية. خلقٌ أغلبهم من الغربيين، وبعضُهم من اليابانيين والصينيين. مقهى ومطعم ومركز تجاري للهدايا، المصنوعة من حجر البركان. وقفة قصيرة قبل استئناف الصعود. هكذا أخبرنا المرشد السياحي. أمام المقهى شرق إتنا. خلقٌ يستريحون وآخرون يتوجّهون نحو البركان أو يصعدون. هنا أيضاً نموذج من الملاجئ التي ربما كانت تلك التي أقام فيها باطاي ليلة صعوده إلى الجبل.
استراحة خاطفة، فضلتُ أثناءها أن أشرب كُوباً من الكابّوتشـينو الإيطالي، رغم أنه لا يُسعفني صحياً. ولي هذا الجبل. هل سأصعد إلى هناك، حتى أبلغ فوهة البركان؟ خمّنتُ في البداية أن الصعود يتطلب قوة جسدية ربما لم أعد أتمتعُ بها. لكنني لاحظتُ أن الجميع يشدّ المعاطف، ينظف النظارات الشمسية. بدوري تهيأتُ للصعود. لم أعد أخشى شيئاً، حتى سرعة نبضات القلب لم أعدْ أعيرها أيّ انتـباه. لي هذا الصعود. فقط. هذا ما كنت أحسّ به. لا قبل الصعود ولا بعده. الصعودُ الآن، وفي هذه اللحظة التي يستعد رفاق القافلة للصعود. أنا الآخر أشدّ خيوط الحذاء الرياضي المناسب لتسلّق المرتفعات، أنظف زجاج النظارات الشمسية، وأقف متأهباً للانطلاق.
كانت في ذهني أفكار مشوشة ومتصارعة، لكن إلى أين سأصعد؟ هل سأصعد إلى أقصى المخاطرة والدهشة والمتعة؟ أم سأصعد إلى الفراغ الأصفى؟ أم أن صعودي هو صعود من لم يعد يرغب في الرجوع من حيث أتى؟ كنتُ أخذتُ في صعود سفح الجبل الذي هو مزيج من رمل وحجر. بدأت أنفاسي تتهدّج، وأنا أواصل الصعود. ثم انتبهتُ إلى ضرورة أن أخفّف من سرعة وضغط الخطوات. فأنا أريد أن أواصل الصعود، ولا بدّ لي من أجل ذلك أن أحترم طاقتي الجسدية المحدودة. من دون ذلك سأفشل في الوصول إلى حيث أحلم بالوصول. وفي حال الفشل سأخسر ما لا أتحمّلُ قبولَ خسرانه. حياتي كلها صراعٌ من أجل ألا أفشل. وفي صعود هذا الجبل إلى هناك، إلى البركان، أجدد مقاومة ضعف الجسد.
7.
كنا نصعد والمرشد السياحي يتوقف، حيناً بعد حين، ليدلّنا على طبيعة التكوين الجيولوجي للبركان، أو هو يتوقف لينبّـهنا على نوع النباتات التي نصادفها ويختار الوقوف عندها. كانت نبتة البابونج هي التي استوقفـتنا في أول الأمر. قطفَ غصناً بزهره وفركه ومدّه لنا لنشمّ رائحة البابونج. أثناء الشرح أخبرنا أن الطبيعة في بداية الصيف تكون في جميع مناطق الجبل مزهرة وفاتنة. هنا مجموعات الزهور المتكوّمة على سطح الأرض، تأتلف في دوائر كما لو كانت هي الأخرى براكين صغرى. زهور من بينها الوزّال وبنفسج الثالوث (بوركت يا رمز الفكر الحر) والأقحوان. في كل مكان تنبت الزهور وتتفتح. هذا الجبل الذي تروْنه اليوم أسودَ وبنياً، يقول المرشد، سيكون في شهر يوليو جنـة من الألوان تعمّ أرض البركان.
نمشي أحياناً في خط مستو، وفي الطريق أنواع من الحجارة التي تختزن المواد البركانية. في ناحية قريبة، هناك، صخرة بركانية ضخمة. إنها واحدة من الصخور البركانية الموجودة منذ آلاف السنين. صخور كرويّة تكونتْ من تراكم حمَم النيران المقذوفة وقد تدحرجت من فوهة البركان، حتى وصلت إلى منخفض توقفتْ عنده.
نواصلُ المشي إلى أنْ نقابلَ مرتفع البركان. توقّفنا مرة أخرى لنسمعَ الشروح. هذا البركان الموجود في شرق إتنا من أنشط البراكين في الجبل. فالبركان الشرقي ظهر في 1911، ثم توالت انفجاراته على امتداد القرن العشرين، وتواصلت في القرن الحادي والعشرين، بأكثر من مرة في السنة تقريباً. انفجر في أكتوبر 2011، وفي أبريل 2012، وفي يناير ونوفمبر 2013، وفي يونيو 2014، وفي يناير وديسمبر 2015، ومن بداية أبريل حتى 17 مايو من سنتنا الحالية 2016. لسان من الحمم ينزل عمودياً من فوهة البركان، وعلى الأرض آثاره الصخرية كما بقيت في نهاية الانفجار. بعد الانتهاء من الشروح نادى المرشد علينا لنهبط إلى السفح الداخلي للبركان. يشدّ بساعد كل واحد منا، ويقوده في النزول بأنفاس تنتعش وتحلق في سماوات الدهشة.

8.
هنا، في قمة البركان رأيتُ ما لم يكن لي من قبل أن أراه. إنه تكوين الأرض، عارياً من أي قدرة خارج الأرض نفسها. الأرض نفسها التي تكونت من تلقاء نفسها، وهي التي تعيد التكوين سنة بعد سنة، وعهداً بعد عهد. مشهد التكوين يمكنني الآن أنْ أتخيّله وأنا أنظر إلى الفوهة البركانية في الأعلى، وفي وسطها الحمم النازلة من أحشاء الأرض إلى السطح الأرحب. كأن الأرض لم يكتمل تكوينها بعد، أو كأن تكوينها لا ينتهي. تكوينٌ من الأرض إلى الأرض. يحمومٌ ينبثق من ترعة الأرض، معه الرعود والزلازل المتسابقة، حتى تشتدّ حمرة الفوهة، ثم النيران تنقـذف إلى أعلى، في حالة منَ الخبَل تضيف إلى العلوّ علوّاً، والحمم تشرعُ في السيلان، جداول من جمر فاتك، طبقة فطبقة، حتى لا حاجز يقدر على إيقاف الجريان عبر المنحدرات.
ست مائة ألف سنة من تاريخ البراكين في إتنا. اجلسْ بهدوء فوق هذا الصخْر ولا تبرحْ مكانك. اجلسْ لتشاهدَ في آن كلاًّ من جبروت البركان وجلال البركان. وأنا أستجيب للهاتف الذي يتكلم داخلي. أطيعه، أختار صخرة مستوية وأجلس. نعم، يا سيدي البركان، لن أبرحَ هذا المكان بسرعة، وأنا أعلم أن جبروتك قادم بعد فترة، وأنك، في لمح البصر، ستجرف كل ما يطمئن على الأرض، كل ما يجب أن يزول. حتى الكلمة ستنقسم على نفسها، ونداء الرجل على زوجته أو على أبنائه، ستبتلعه الهاوية.
لمْ آت إلى هنا لأجرّب جبروت البركان، لكني أتخيله وأنا أجلسُ مباشرة قبالة الفوهة. صعدتُ مع المرافقين لي، وفي الأعلى هذه الفوهة التي تلتهم العينين. أجلس وأرى، أجلس وأسمع. تكوينٌ بعد تكوين، إتْنا، وهذه الأرض.

الصعود بالبغل
مع العصر الحديث كان غوته من أشهر الذين وصلوا إلى إتنا، خلال زيارته إيطاليا. ففي يوم السبت 5 مايو 1787، ركب بغلاً مع مرافقيه وصعد إلى الجبل، حيث شاهد آثار الحمم البركانية، والقمة المزدوجة للجبل الأحمر، والغابات التي تملأ أسفل البركان.

نعم.. يا سيدي البركان