ثقافة

أتيلا يوجيف: اعتبروني طفلاً معجزة.. لكني كنت يتيماً لا غير

تمثال لأتيلا يوجيف في بودابست (من المصدر)

تمثال لأتيلا يوجيف في بودابست (من المصدر)

محمد عريقات (عمّان)

يعد أتيلا يوجيف (1905- 1937) أحد رواد الشعر المجري، وأشهر شعرائه وأكثرهم نقلاً إلى اللغات العالمية منها العربية رغمَ ندرة العارفين في العالم باللغة المجرية التي يكتب بها يوجيف، الأمر الذي أخّر من انتشار قصائده وشهرته إلى فترة قصيرة من أواخر عمره الذي لم يتجاوز الثانية والثلاثين، عاشه في ظلّ أمه بعد تخلي الأب عنهما مما اضطرها لتعمل في تنظيف البيوت، وليعمل الطفل عتالاً في محطة القطار.
كان يوجيف الطفل شديد الحساسية تجاه حياة البؤس والفقر التي يعيشها الناس حوله، وكذلك بؤسه الخاص، وهو يرى أمه تطحن شبابها في غسيل الملابس وكيها إضافة لأعمال التنظيف في بيوت الأثرياء، وكان كلما عاد إلى بيته بعد انقضاء نهار متخم بالمذلة والتعب، يكتب مجريات يومه بدقة تفصيلية، وبلغة مباشرة بسيطة يقاوم بها ألماً من ظروف حياة قاسية حالت دون أن يلتحق بتعليمه:
«دائما أرى أمي وبيدها المكواة/‏ جسمها الهش حطمه رأس المال/‏ وزاده نحولا ومرضا»
بدأ يوجيف مبكراً بنشر يومياته، حيث أرسل لواحدة من كبريات المجلات بعضاً منها، ونُشرت على أنها شعر أعده النقاد تأسيسًا لمدرسة جديدة في الشعر المجري، أما من جهة الجمهور، فقد كان زملاؤه وجيرانه يسخرون منه فكيف لمعدم مثله أن يصبح فناناً أو أديباً، تلك السخرية كانت السبب في انفتاح يوجيف على حياة جديدة، حيث سعى للالتحاق بالجامعة، ودراسة الأدب المجري والفرنسي والفلسفة.
أثناء دراسته، واصل يوجيف الكتابة، وسعى لتطوير أدواته بالاطلاع على الفلسفة والآداب الفرنسية والألمانية، لكنه ظلّ محافظًا على بساطة لغته ويوميتها، وحتى مضامينه بقيت تدور حول شقاء نفسه، وشقاء أمه ومجتمعه، حتى اعتبر نقاد شعره سيرة ذاتية حقيقية عن حياته، وصورة واقعية للمجتمع المجري في زمنه وسجلا للأحداث السياسية آنذاك، حيث انخرط الشاعر في العمل الحزبي والسياسي.
رغم تعليمه وثقافته، إلا أن البؤس ظل يلاحق يوجيف فقد طرد من وظيفته كمعلم بسبب خروجه عن اللغة المجرية التقليدية، كذلك خروجه على النظام الشعري المجري، وأنه بذلك لا يصلح للتعليم، وعن ذلك يقول: «سوف أعلّم كل شعبي، لكن ليس في المدرسة الثانوية» وبالفعل، ها هي بلاده تحتفل بذكرى مولده على اعتباره اليوم الوطني للشعر، وبات شعبه يحفظ قصائده عن ظهر قلب.
يقول كوستلر: «أخذوا يعتبرون أتيلا شاعراً كبيراً، وهو في السابعة عشرة، وكنا كلنا نعرف أنه عبقري، ومع ذلك تركناه يذوي أمام أنظارنا»، ويقول هو عن نفسه: «اعتبروني طفلاً معجزة، لكني كنت يتيماً لا غير»، وخلافاً للأدب فقد انتهى به نضاله السياسي إلى المحاكمات والسجن بتهم التحريض المباشر في شعره، فتراجعت كبريات الصحف عن نشر أعماله الشعرية، وتم لاحقا طرده من الحزب.
أصبح يوجيف، الذي أصدر ديوانه الأول «متسول الجمال» عام 1922، يميل إلى العزلة بعد حادثة طرده من الحزب، وتفاقمت أوضاعه المالية سوءا بعد أن كان قد استقل لسنوات قليلة مادياً من عائدات نشره لقصائده في الصحف مما تسبب له بأزمة نفسية شخّصها أطباؤه بانفصام الشخصية وها هو يقول عن تلك المرحلة: «كل شيء هنا شائخ/‏ العاصفة العجوز تسير متكئة على صاعقة عوجاء».
لم يحتمل يوجيف واقعه القاسي، ولا ماضيه الشقي فأراد أن يضع حدًا لبؤسه، لأن يوقف سيلَ سنوات الشقاء والعذاب الجسدي والنفسي، فاختار طريقة انتحار كان قد لفت إليها بشعره سابقا «سأقرفص في طريق القطار المندفع» وبالفعل قرفص الشاعر الهش الحزين في الثالث من ديسمبر 1937 أمام القطار في المحطة التي عملَ بها في طفولته، ولكن ليس بصفته عتالاً للفحمِ، بل شاعراً كبيراً بقلبٍ ثريٍ وبجيبٍ مفلس.
«ليس لي أب، ولا أم/‏ لا مهد، ولا كفن/‏ لليوم الثالث لم آكل/‏ وسيمسكون بي ويشنقونني/‏ ويهيلون التراب المبارك عليّ/‏ فينمو عشب قاتل على قلبي الجميل الرائع».